لا أرى عيبًا في البوح بما قاله السيد الرئيس: «إحنا فقراء»، أعلم أن سعر كتاب رسائل فان جوخ عن دار الكتب خان يعادل راتب طبقة كبيرة من المصريين، ويرتفع سعره بعد التخفيض عن طبقة أكبر من السابقة من الشعب، وهذا يعني صراحةً أن دور النشر المصرية والمكتبات المصرية تقوم بنشر كُتب وتوزيعها وبيعها لسوق لا تعلم كيف قد ينجح هذا الكتاب فيه.

لا يُعقل أن تقوم بالدعاية لسلعة تعلم جيدًا أن أغلبية المجتمع الذي تُعرض عليه غير قادرين على شرائها، والأكثر إثارة للشفقة أن تدعي حماية تلك الطبقة، والأكثر إثارة للاشمئزاز أنك لا تجتهد لكي تتخلص من فشلك في عدم البيع، والأكثر ضحكًا أنك تقوم بدعاية فارغة لكي تقول للفقير الذي يحاول شراء بديل لمنتجك الغالي أنه يتوجب عليه شراء منتجك.

كيف تستطيع دور النشر في كل عام أن ترفع أسعار الكُتب دون النظر لحظة إلى الطبقة التي تستقبل تلك الكُتب، هل تدرس دور النشر القُراء الذين سيقتنون الكتاب الأصلي الذي يتراوح سعره بين الستين إلى الألفي جنيه؟ تتحول يا عزيزي القارئ مهنة صناعة الكُتب في مصر إلى مشروع تجاري بحت، وأصبح من الواضح أن المثقف المنشود الذي تريده دور النشر هو القادر على دفع المبالغ فقط، أما البسطاء ومحدودو الدخل فهم خارج الحسابات.

تقل محاولات خفض الأسعار، قلما تجد دار نشر تُقدم طبعات شعبية لكي يحصل عليها الطلاب، ولا تجد دار نشر تقيم عروضًا خاصة بأعمالهم مرتفعة الثمن لكي تسمح للبعض باقتناء تلك الأعمال، ولا تجد إلا قلة من الكُتاب الذين يعطون الفرصة لمشاريع الدولة المُدعمة لنشر أعمالهم، وحتى وزارة الثقافة تعرقل حركة سلسلة الجوائز والمئة كتاب وغيرها من المشاريع التي كانت تقوم بنشر روائع الأدب مقابل أسعار بسيطة ورمزية.

كل هذا يقودنا إلى حقيقة أن صنعة الكتب في هذا العالم العربي أصبحت مشروعًا تجاريًا للربح، وأن الكتاب فقد وظائفه، من نقل المعرفة من فرد إلى آخر، وحفظ التراث الإنساني، وأن يتخطى الزمان ويمثل رسائل زمان في زمان آخر لاحق له، أن اقتناء الكُتب الآن أصبح أمرًا صعب المنال.

ولكي أكون منصفـًا هناك مبادرات كثيرة تستحق الاحترام من المكتبات مثل تنمية وعمر بوك ستور، فالأولى تقوم بإصدار الطبعات المشتركة، وهي مكتبة رائدة في تلك المسألة، تساهم خطوة النشر المشترك في تخفيض أسعار الكُتب إلى نسب قد تتخطى النصف تقريبًا، سرعان ما وجدنا العديد من دور النشر والمكتبات تحاول ما حاولته تنمية، وخفض أسعار الكُتب عبر تلك الخطوة الثورية، ونرى في هذا العام دار الكرمة تتعاقد مع دار كلمات لإصدار خمسة عناوين مشتركة، والمصرية اللبنانية تصدر مع الدار العربية للعلوم كتاب الأصل.

بعض المترجمين يسمحون لدور النشر والمشاريع الثقافية بنشر أعمالهم، مثلًا المترجم العظيم صالح علماني والمترجم العظيم أحمد عبد اللطيف، قد سمحا لسلسلة الجوائز بأخذ العديد من العناوين التي ترجمها كلاهما، ويُذكر أن المترجم صالح علماني نشر عنوان 100 عام من العزلة مع سلسلة المئة كتاب، وله هذا العام عملان مع دار إبداع للترجمة بأسعار خفيضة للغاية، وهما حفلة التيس ونصائح لروائي شاب للروائي ماريو بارغاس يوسا.

هناك تجارب لخفض الأسعار، ولكنها ليست كافية، وهناك مواقف كثيرة توضح أن دور النشر والمكتبات تتجه إلى التجارة أكثر من التوعية ونشر القراءة بين الشباب وحماية حق القارئ الفقير في أن يقتني كتابًا، وعملًا بما أعتقده حول الحياة الثقافية وحرية تبادل الآراء وتقديم التقييمات لعمل المؤسسات الثقافية، أقدم بعض المقترحات التي قد تحافظ على حق الفقراء في القراءة.

أول تلك الحلول هو الاكتفاء بالنص، مثلما تصنع دولة الكويت في سلسلة «عالم المعرفة»، فقط كتاب متوسط الجودة، بلا تصميم للغلاف أو ورق مرتفع الثمن، كل ما نريده هو أن نقرأ فحسب.

ثاني تلك الحلول أن نقيم مساحة وكُتبًا للقراءة في تلك المساحة، ويكون ربح المكتبة في تلك المساحة يأتي من مشروب بسعر متوسط، الكثير من مكتبات الغرب تصنع تلك المساحة في فرع أو اثنين، في تلك اللحظة، ربما نجد رسائل فان جوخ التي تصل سعرها بعد التخفيض إلى 900 جنيه، والفراشة والدبابة الذي يصل سعره إلى 10 جنيهات، كلاهما يساوي سعرهما فنجان قهوة يصل سعره في أغلب الكافيهات إلى 17 جنيهًا.

ثالث تلك الحلول أن تقوم دار النشر بإصدار طبعة تتكون من 50 ألف نسخة، وهذا الحل ثوري في الصنعة بكاملها، يسمح هذا العدد بتقليل السعر، ويسمح هذا العدد أن تشترط دار النشر في تعاقدها مع المكتبات أن تأخذ عددًا معينًا، ولا تستلم دفعات جديدة إلا بعد بيع عدد معين من النسخ، وبالتالي تصبح المكتبات مُجبرة على إقامة العروض والتخفيضات، وتزداد المنافسة في صالح القارئ الذي لا يستطيع شراء الكُتب ويعاني من ارتفاع أسعارها، ولكي تحافظ دار النشر على نفسها من خسارة أموالها، ستلجأ إلى لجنة قراءة تقتني العناوين الجيدة التي يمكن المراهنة على وصولها إلى الطبعة السابعة والعاشرة وغير ذلك.

أو أن نقيم نظامًا تصاعديًا للنشر يبدأ من 10 آلاف طبعة، وكلما زاد الطلب زادت الكُتب المطبوعة، يُساعد ذلك على ما تساعد الطريقة الأولى ذاته، ولكن ما يُضاف إلى هذه الطريقة من مزايا أنك تقلل المخاطر المتعلقة بالطبعة الأولى، إذ إن نسبة خسارة 10 آلاف نسخة ليست مثيلة لنسبة خسارة 50 ألف نسخة.

رابع تلك الحلول هو أن تقيم المكتبات نفسها نظامًا يدعم التقسيط لفواتير ذات قيمة معينة في فترات زمنية معينة، وذلك النظام يعتمد على بيانات لشريحة من الزبائن الذين يتراوح راتبهم من مبلغ معين إلى مبلغ معين، وتقسم المرتبات إلى شرائح يُسمح لها بتقسيط شرائح معينة طوال عام كامل، وهكذا يسهل على ذوي الثمانمائة جنيه اقتناء كُتب من المكتبات.

أنا لا أسعى إلى أن أكون مُنظرًا، ربما هي اقتراحات وهمية لا تصلح لعالم سمسم، رُبما أنا على خطأ، ولكنني حاولت أن أصنع شيئًا، حاولوا ما تجدوه أصلح، ولكنني أقول لكم ما أراه، لا مال لدينا –أنا شخصيًّا في جيبي 80 جنيهًا– لكي نشتري كتبكم، ابحثوا عن شعب آخر وقُراء آخرين، ولكننا لا نملك شيئًا لنشتري أي شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد