“سنذهب لمعرض الكتاب غدًا”.

كانت تلك الرحلة العائلية من أهم أحداث العام لتلك الطفلة الصغيرة التي كنتها، وبنفس حماس الأطفال لسائر المغامرات. كنتُ أتحمس جدًّا لتلك الرحلات التي تنتظرني، كانت رحلاتي حينذاك مع الكتاكيت والكائنات المسحورة للمكتبة الخضراء مع فترات إقامة مطوّلة في عالم ديزني بالطبع، وأليس وأرنبها الأبيض الشقي في عالم كارول العجيب. كل تلك المغامرات والأحلام كانت مُودعة في تلك الصناديق التي تُدعى أيضًا “الكتب”.

ولم يخلُ الأمر من “بازل” عملاق أو “بوستر” أنيق، كان المعرض كله منافع. أحاول النوم مبكرًا، لكن كعادة الأطفال، يجافيهم النوم حين يريدون الغد أن يأتي. فصباحًا موعدي السنوي مع “معرض القاهرة الدولي للكتاب”! لا أعرف هل يستقبل أطفال اليوم المعرض بذات الترقب، ففي ذلك الزمن كانت أوقات الفراغ كثيرة، وكانت الكتب كمُدن ساحرة، يختفي معها الزمن، كما يختفي معها المكان. وكان المعرض أكبر تجمع للكتب من جميع صنف ولون.

عبر الزمن، تغيرت ملامح المعرض، اختلفت الدور التي تحظى بالنصيب الأكبر من الإقبال، في فترة علت أسهم كتب التنمية البشرية كثيرًا، حتى لتراها في كل يد بداية من كتب “كوفي” و”جراي”، وترسانة كبيرة من الكتب المترجمة، وصولاً إلى “إبراهيم الفقي” رحمه الله، وغيرهم من المؤلفين الذين يخبرونك باستمرار “أنك شخص آخر أكثر نجاحًا”، أنت فقط بحاجة للتعرف على ذلك الآخر!

 

في فترة أخرى كانت الكتب الدينية وكتب الدعاة الجدد (حينها)، وشرائط المحاضرات والأناشيد الدينية هي الأكثر رواجًا، ولعلك تذكر أناشيدهم المميزة لذلك الجزء من المعرض القريب من سور الأزبكية. سور الأزبكية بالطبع يضم كل شيء وأي شيء، أحيانًا يضم جواهر ثمينة، قد لا يدرك قيمتها البائع نفسه، لكنه يصر على رفع أسعار الكتب الرائجة إعلاميًّا أو الكتب المقررة في الجامعات، وهي مقاييس نسبية لحسن الحظ.

 

مؤخرًا حازت الكتب السياسية نصيب الأسد. خاصة التي تناولت عصر الملكية وعبد الناصر وتاريخ الحركات الإسلامية والثورات. على الأرجح هذا العام ستنتشر الكتب الكوميدية، فالهزلية هي النوعية الملائمة لتناول الواقع حاليًا على أية حال، من باب الحفاظ على سلامتك العقلية.

 

هكذا فإن معرض الكتاب يعكس إلى حد ما حال المجتمع وتوجهاته. مع وجود تنوع معقول في الإقبال على دور المعرض المختلفة، لكن في السنين الأخيرة، تقلص التنوع بشكل أكثر وضوحًا وتضاءل إقبال رواد المعرض على دور النشر التقليدية الكبيرة.

ربما تحقق الآن المبيعات الأعلى دور النشر التي احتكرت النشر للكُتاب الأحدث والأكثر رواجًا بين الشباب. بالطبع ساحة الطعام ما تزال المكان الأكثر ازدحامًا في أرض المعرض الواسعة ولم ينافسها سوى تلك المعارض السورية للمفروشات والمنتجات التي أقيمت في بعض دورات المعرض، ولا تمت بطبيعة الحال للكتب. ربما إدراك إدارة المعرض لتلك الحقيقة أخيرًا حرر ساحات المعرض من ذلك التكدس غير الضروري.

لكن ثمة دارًا لم تقل شعبيتها عبر الزمن، يبحث عنها رواد المعرض أينما نُقلت، إنها بيت “المؤسسة العربية الحديثة”.

لعلك تذكر، أيًا كان ما تنوي شراءه من المعرض، فإنك حتمًا ستعرج على المؤسسة العربية، ذلك العالم الجديد نسبيًّا في عالم النشر، يتحدث بلغة مختلفة، لا تحفل بالخلفيات الثقافية للقارئ ولا تتشدق بالألفاظ العميقة المبهمة، تستطيع متابعتها بسهولة في حداثة سنك، ويزداد فهمك لها وتعلقك بها فيما بعد، كصديق مسلي يحدثك لساعات بأسلوبه الشيق المثير.

روايات المؤسسة للجيب، التي يسعها جيبك دون أن تضر بمصروف جيبك، أسعارها متواضعة، لكن محتواها لم يكن على ذات القدر من التواضع، ربما لا يذكرها الكتاب والصحفيون في مقالاتهم النقدية، ربما يدعونها أدب البوب أو أدب الشباب، أو أي مصطلح آخر، إنها لا تحتاج إلى أي اصطلاح، تلك الروايات تشكل لونًا مختلفًا لكنه في النهاية لونًا أدبيًّا، يتمتع بكل عناصر وجماليات الأدب.

فأهم عناصر الكتاب الجيد ألا يكون مملاً وأن يدفعك لقراءته، فمهما كان مستواه الحرفي والثقافي، لن يترك فيك أي أثر، إذا لم تكمله أو تقرأه من الأساس.

ولذلك حققت تلك الروايات الممتعة أولاً والمفيدة ثانيًا، جمهورًا عريضًا في وقت كان التنوع المطروح في أنماط الروايات محدودًا، ولا يحاكي التنوع المهول في الأدب الغربي، فبدلاً من الاتجاه للترجمة فحسب، حيث إن المؤسسة تنشر روايات عالمية مترجمة كذلك، شجعت المؤسسة واحتضنت ذلك اللون الأدبي الجديد على اللغة العربية،  مُحققة مبيعات ربما لو أُحصيت لحققت أعلى معدلات بيع لدار نشر مصرية في تسعينيات القرن الماضي وأوائل هذا القرن على الأقل.

ربما تغير الوضع الآن قليلاً، مع انتشار ذلك الأدب وظهور كتاب جدد تربوا على مؤلفات السلسلة، كما ظهرت دور جديدة في عالم النشر، تحقق شعبية متصاعدة شيئًا فشيئًا بين الشباب.

فعلى مدار أعوام طوال، كانت هناك تلك الفقرة الثابتة من تجولك في المعرض، حيث تتبع ذلك الزحام الذي يقودك لدار “سلاج التلميذ” – حيث كان اسمها قديمًا- تشتري جديد سلاسلك المفضلة، تبحث في حماس عن الأعداد الخاصة المُعدة للإصدار في معرض الكتاب، تتفحص السلاسل الجديدة والروايات المترجمة، تنتقي منها ما يجذب اهتمامك، وإذا كانت هناك أعداد سقطت سهوًا من سلسلتك تشتريها كذلك، فنخرج من الدار بكومة كتب تعد بساعات من المتعة والتسلية.

غالبًا نبدأها حالمًا نعود إلى البيت!

لكن تلك العادة ستنتهي هذا العام، بالنسبة لي على أية حال! مُنهية بذلك طقس استمر معي معظم حياتي تقريبًا، فقد بدأت رحلتي مع “رفعت إسماعيل” – بطل سلسلة ما وراء الطبيعة- من زمن بعيد، جذبني في البداية أجواء الرعب التي يقرأها الكبار، متحدية مخاوفي بقراءة الرجل الذئب والنداهة، ثم اعتدت أسلوب رفعت، بدأت أشاركه سخريته العتيدة وأتفهم أنها مريرة أحيانًا.

كان رفعت صديقي من عالم الكبار، وحتى صرت منهم، توطدت صداقتنا. حتى إني كنت أشتاق لقراءة الأعداد الأخيرة، لأسمع ثرثرته بغض النظر عن مغامرته التي تزداد تعقيدًا وثراءً مع الزمن.
لكن رفعت إسماعيل كان غريبًا عن عالمنا، كان يمثل كل ما هو غريب فينا، كل ما يرفض إخضاعه للواقع ومعادلاته، وكعادة الغرباء، رحل رفعت، مُخلفًا فراغ لن يملأه بطل آخر. فعهد السلاسل يبدو أنه انقضى.

كان رحيل رفعت حدثًا مدويًا العام الماضي. فقد أنهى مؤلف السلسلة: دكتور أحمد خالد توفيق حياة رفعت إسماعيل، في حدث فريد كان أشبه بجنازة شخص حقيقي. رفعت إسماعيل بأسلوبه الساخر الملول، ومغامراته الشيقة الممتعة في أنحاء العالم المختلفة، كان ظاهرة الجيل، وساهم بشكل أو بآخر في ثقافتنا.

هل أهدانا كذلك تشاؤمه وسخريته اللاذعة، كما أهدانا ذلك الكم الهائل من المعلومات العلمية والأدبية؟ هل أورثتنا صحبته شيئًا من ذلك الاختلاف؟

كل ما أعرفه أنني سأفتقد صديقي العجوز هذا المعرض. وأن عهدًا قد انقضى برحيله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد