هل حدث وأخبرك أحدهم كم يحسدك على الساعات التي ستقضيها داخل أجنحة دور النشر الجميلة تلك في معرض الكتاب؟ إن كان ذلك فإني أنضم إليهم، وإن لم يكن، فدعني أكن أول شخص يخبرك الحقيقة: إنك على موعد مع قطع متفرقة من السعادة، إذا ما اجتمعت بإمكانها أن تدوم لأشهر وأشهر وحياة كاملة. أحسدك عليها أنا والكثيرون ممن يراقبون المعارض على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أو ممن يلتقون بالكتب الجميلة مرة واحدة في السنة، أو أقل قليلًا، ولا تمنحهم الميزانية الضئيلة فرصة للحصول على كل شيء.

ولأنني – بالرغم مما سبق – لا أريد لك أن تضيع زيارة جميلة إلى الجنة كما أتصورها، أقترح أن تصغي إلى نصائح فتاة تحَول معرض الكتاب لديها إلى حدث تاريخي مليء بقطع السعادة؛ لا يجوز إفساده

1- لا تذهب وحيدًا…جر صديقًا معك!

أغلب المقالات التي قرأتها، قبل أول رحلة لي هذا العام إلى معرض الجزائر الدولي للكتاب، تنصح القارئ بأن يذهب وحيدًا: تعطلك الرفقة باختيارها لكتب أخرى ووقوفها عند دور نشر لا تهمك، يزعجك الآخرون إذا ما اضطررت لشرح اختياراتك لهم، سيستعجلك الأصدقاء اللامهتمون بالكتب. هكذا قيل لي. ولحسن حظي: لم أستمع!

فكارثة كبيرة أن تتجول وحيدًا بين كل الأجنحة، وألا تحدق بعينين كبيرتين نحو صديق ما عندما تجد كتابًا كنت تبحث عنه منذ الأزل؛ سيذكرك بأن تمسح لعابك، ويدفعك نحو الدار؛ لأنه يفهم قيمة ذلك الكتاب عندك. حتى الأصدقاء الذين لا يفهمون، الذين سيضحكون لذهولك، سيشاركونك بعد سنوات الضحك على هذه الحادثة وغيرها، وستشعر بدفء زائد كلما حملت كتبك المقتناة؛ كونها اكتسبت قصة جديدة تذكرك بقطعة سعادة. حين تريد أن تعود لكتاب ما استغليته فتركته ثم أنبك الضمير، تحتاج صديقًا لتتيه في المكان باحثًا عن جناح دار النشر، بعد فترة تصبح كل الأجنحة متشابهة، صديقًا تلعن وإياه أرقام الأكشاك الصغيرة وذاكرتكما المرتبكة، دون أن تمانعا هذا الضياع. من يضايقه في النهاية الضياع في الجنة؟ إن الأصدقاء (وليس شرطًا أن يكونوا مهووسين بالكتب أيضًا) يجعلون رحلتك في البحث أكثر تميزًا عن تسوقك لاقتناء الأحذية أو شراء الخبز، إنهم يكسبونها صفة الرحلة، ويجعلون منها حدثًا يستحق التذكر بحق.

 *هذا (إن لم تكن شخصًا عاطفيًا بالضرورة) وتريد أن يحمل أحدهم معك الأكياس، أن يقرضك مالًا للعودة إلى المنزل بعد إفلاسك، وشخصًا يمنعك من بيع هاتفك أو جزء من كبدك لتقتني كتابًا يتربص بك بعد نفاد أموالك في نهاية الرحلة. جر معك صديقًا (أو أصدقاء) لتجمع قطعة من السعادة تشاركها إياهم.

2- القائمة؛ القائمة ثم القائمة!

ستفشل فشلًا ذريعًا في إعداد قائمة كاملة تكون راضيًا عنها بنسبة تفوق 70%؛ لأسباب بسيطة: كل ما سيعبر ذاكرتك بعد أن تظن للمرة العشرين أنك انتهيت من التعديل، كل الإصدارات الحديثة التي لا تستطيع الخروج من دونها، وكل الكتب التي تتردد في أن تحجز لها مكانًا. ولكن بالرغم من فشلك المحتم، لا بد أن تعد قائمة، وتحملها معك كخريطة للجنة.

رتب الكتب حسب أهميتها لديك، ولون بالأحمر تلك التي ستقاتل للعودة بها إلى المنزل (من الأحسن أن تكون كتبًا لا تتوفر كل يوم في مكتبتك المحلية، كتب ليس لديك فرص كثيرة لاقتنائها). استعمل مواقع مثل goodreads وbooktube وbookstrgram للتعرف مبدئيًا على آراء بعض القراء في الكتب وتقييمهم، والأهم لتحدد دار النشر المصدرة لكل كتاب. وعند اختيارك للكتب، أعد قائمة تقاطعها فيها مع دور النشر، بذلك ستعرف عما تبحث في كل دار وتوفر ثمنًا وجهدًا كبيرًا. مهزلة أن تبحث عن كتاب واحد عند كل الدور، في فوضوية كاملة! تأكد أيضًا من الاطلاع في دليل العارضين (عادة تنشره اللجنة المنظمة على موقع المعرض قبل فترة) على أرقام أجنحة دور النشر تلك. وبذلك تكون أنهيت مهمة القائمة!نظريًا على الأقل قبل أن تعود لتعديلها أكثر من 20 مرة.

التقط في نهاية رحلتك لنفسك المتعبة صورة مع الأوراق التي كتبت عليها اللائحة بعد تجعدها وصمودها، وقلمك المرافق –إن لم تنسه سهوًا متلهيًا برف ما – واحتفظ بالصورة والأوراق كتذكار عن الوقت الذي جلت فيه مكانًا لا تبالي فيه بشيء غير الكتب، مكان كنت فيه حرًا وجمعت قطعة أخرى من السعادة.

3- تحدث إلى الناس!

نعم، إن هنالك من يجوب المكان على أنه مركز سياحي أو عذر للتسكع وحدث برستيج لابد من حضوره. أعلم، لكن هنالك أيضًا أشخاصًا مثقفين بحق. أشخاصُ أنت على بعد كلمة سلام واحدة من أن تتعلم منهم الكثير، وأن تطمئن قليلًا على مجتمعك الذي تشعر بالقلق تجاه إهماله العام للكتاب والأدب. تحدث إلى الرجل الذي يجمع كتب نجيب محفوظ كأنما تحدث صديقًا قديمًا: يعرفها كلها، يبتسم لبعضها ويخجل في حضرة أخرى. ربما سينصحك بكتاب يغير حياتك. تحدث إلى العجوز الفرانكفونية المظهر التي تدقق في أغلفة كتب هذه الدار، وتوبخ البائع؛ لأنهم لم يفكروا في أن أحدًا يود أن يقتني النسخ القديمة من مؤلفات إبراهيم نصر الله. تحدث حتى مع الفتاة الصغيرة التي تختار القصص حسب عدد صفحاتها، علمها ما معنى فاصلة كتاب، وامنحها واحدة. ربما تصبح كاتبة وتكتب عنك، يومًا ما.

تحدث إلى الناس الذين أوقفوا الحياة اليوم وهاجروا إلى هنا بحثًا عن الكتب وأصدقائهم. وأيضًا إلى القائمين على دور النشر. بعضهم (ويؤسفني أن أقول بعضهم) سيزيدونك معرفة بالكتب، ويضاعفون إحساسك بأنك تشتري كنزًا تعب عليه الكثيرون ليصل إلى يديك. أفضل ترشيحات الكتب حصلت عليها في جناح منشورات المتوسط، دار الشروق ودار الآداب. لن أنسى ما حييت الابتسامة التي رسمت على وجهي ومنعتني من التذمر مرة أخرى أنني وحيدة في تدقيقاتي على صغائر الأمور في الكتب وهوسي الشديد حتى، بموقع اسم الكاتب على الغلاف.

إن كنت من المحظوظين، ووجدت كتابًا، فتحدث إليهم أيضًا ! وليس شرطًا أن يكونوا من الذين يبيعون النسخ بالملايين ويحلم الجميع بالحديث إليهم. يمكن أن يكونوا كتابًا يعلمونك أشياء كنت تجهلها حول الكتب، أو يمنحونك إهداء تبتسم إليه حين تعود بالكتاب الموقع إلى المنزل. الكتاب الصغار – في نظري- أكثر حرية من قيود الرياء، يكتبون لأجل الكتابة لا لأجل دور النشر وحسابات أخرى.

ستطول قائمة الأشخاص الذين وجب عليك التحدث إليهم، لذا اختصارًا تحدث مع الجميع ! بذهن مفتوح، تقبل اختلافك عنهم وناقشهم في الأدب والكتاب والحياة، وستكسب أصدقاء كثيرين جدد، بعضهم ربما لن تقابله لبقية حياتك، والبعض ربما، سيكون رفقة لك في رحلتك القادمة. وستجمع قطعًا جديدة للسعادة مع قطعة قديمة للسعادة.

4- لا تكن متشائمًا ! وتجاهل المتشائمين أو أسكتهم!

إلهي كم أود لو أكتب هذه الجملة على مدخل معرض الكتاب أو أوزعها على كل الداخلين إليه، لكن أنانيتي تدخلني إلى الرفوف فأكتبها إليكم هنا: تجاهلوا المتشائمين أو أسكتوهم!

وبذلك أعني، أولئك المشتكين من كل شيء: من الضجيج وكثرة المرتادين، من قلة الكتب، من أذواق الناس، من غياب أهم دور النشر، من قلة التنظيم، من الأسعار الملتهبة، من التقاط الناس للصور، ثم ماذا؟ بإمكانك أن تعد كل الأشياء الخطأ في معرض الكتاب، وأن تتذمر إلى حد انتهائه، ولكنك ستجد نفسه ضائعًا، تفوت الحدث كله، يفوتك العالم السحري الذي يولد وسط كل هذا الزحام حيث تجد الكتب الأنيقة الفاخرة بيوت جديدة وعقولًا جديدة لتكسوها.

نعم، إذا وضعت آلافًا من المرتادين تحت سقف واحد سترتفع درجة الحرارة ويعم الضجيج، الأمر فيزيائي ولا يمكن التحكم فيه، فللجميع الحق في اقتناء الكتب كما لك الحق في ذلك. غياب دور النشر أمر مشين وقاس ومحزن، لكن بدلًا من تذمرك من غيابها بإمكانك الاستفادة من تلك التي حضرت، واستغلال وقتك الأمثل هناك، قد تجد بعض الكتب مصادفة طريقها إليك، كتب من دور نشر لم تعلم لها وجود قبل اليوم. أسعار الكتب ملتهبة كسعر كل شيء آخر، فلتلوموا اقتصاد البلاد. ولوموا في طريقكم القائمين على سوء التنظيم، بدلًا من صداع الرأس على مواقع التواصل الاجتماعي.

أذواق الناس مختلفة، ولا بأس بذلك. يتغير الإنسان كل يوم ويتطور بذلك ذوقه واختياراته للكتب. وأن تجد أحدهم يقتني كتبًا تجارية – في رأيك – لا تمت للأدب الرفيع بصلة لا يمنحك حق انتقاده. لعله في بداية رحلته الأدبية ليصبح بعد تطوره الكامل أديب القرن. وأخيرًا، التقطوا الصور كيفما أردتم، فليس شرطًا أن يكون كل ملتقط للصور مراء لا يهتم بالكتب، ولا بالمعرض. التقطوها لتحافظوا على ذكرياتكم مستقبلًا من الاندثار، ولتحموا ابتساماتكم. تلك الابتسامات التي تحتاجونها لتواجهوا بها المتشائمين ولتجمعوا قطع السعادة.

مرة أخرى، ولأهمية الأمر: لا تكونوا متشائمين وتجاهلوهم.

5- امنح الصدفة فرصة

بالصدفة أعني كل شيء لم تخطط لحدوثه أو كل كتاب لم تخطط لتقتنيه. كل جناح دار ستدخله، ابدأ بالبحث عن كتبك بالقائمة، وحدد تلك التي تود اقتناءها. ثم ألق نظرة على الكتب الأخرى هناك. لم أكن أخطط للرحيل بديوان الرقص بأطراف مستعارة لخالد صالح، لكن الكتاب تحدث إلي! ولحسن الحظ أسعدني استسلامي وعودته معي. افتح الكتب المجهولة إليك على أي صفحة واقرأ، وانظر إن تحدثت إليك. اقرأ اسم مؤلفها، والملخص، وانظر آراء القراء هناك، فاجأني ترشيح غريبة باقتناء سيرة هيلين كيلر، لم أكن أعرفها من قبل، لكنني سعيدة بكتاب أكسبني معرفة جديدة.

أيضا اقتن كتبًا لمجالات لا تقرؤها عادة، ربما الرواية تناسبك، أو الترجمات أو أدب الرسائل أو السير الذاتية، لكنك لا تعرف بعد ذلك؛ لأنك لم تجرب أيًا منها من قبل. قطع السعادة التي تختارها يمكن أن تفاجئك عند قراءتك لها بعد زمن طويل من انتهاء المعرض، سيكون ربحك مضاعفًا.

6- لست تشتري علب طماطم!

لا أعلم ان كانت هذه الفقرة موجهة للقارئ أم للباعة والقائمين على دور النشر. أظنها لكليهما.

فبالرغم من أنني أتفهم المجهود الجبار الذي يبذله العارضون، لكن المعاملة التجارية والسيئة لبعضهم (هنا يسعدني أن أقول بعضهم) تنفرني من الكتب. تركت بعض الكتب التي كنت أبحث عنها من سنوات؛ لأن البائع لم يرد حتى أن يخبرني بسعرها؛ كونه لا يتذكره (لسنا أغبياء، ونعلم أنكم تملكون لوائح بأسعار الكتب).

تركت أخرى، لأن البائع المشغول بحديثه الشيق مع صاحبه حول مباراة أمس لم يتكرم بالنهوض لينزل لي كتابًا من الرف العلوي حتى، جيد أنك تعرفين الكتاب، سعره كذا، واذا كنت متأكدة أنك تريدينه أخبريني لأنزله، هكذا قال وعاد لحديثه الشيق. قد يفاجئك الأمر، لكنني أحببت ذلك الكتاب جدًا ورحلت عنه، لكن كما لفحوى الكتاب أهمية قصوى، فإن القارئ لن يدفع مبلغًا محترمًا مقابل كتاب طباعته رديئة، سيئ حبرها، ولا لأجل كتاب غلافه باهت يبدو كنسخة بشعة مقلدة. أيضًا لن يدفع مالًا مقابل أوراق رديئة وصفحات فارغة تملأ الكتاب. ولا، وألف لا، لن تدفع هذه القارئة بالذات مالًا مقابل كتاب لم تلمسه، ولم تتصفحه، حتى لو كان ربع دينار.

الأمر المؤسف أن الأمر تكرر معي في أكثر من دار، وإن لم يكن بنفس الحدة: بعض الباعة لا يعرف حتى أسماء أهم الكتب التي يبيعونها، بعضهم يريدون مالك فقط، ويحاولون بيعك أكثر عدد، دون أدنى اهتمام بالكتب، والبعض يريدون فقط الارتياح بسلام.

الأمر المشرق، الذي يجعلني أبتسم كلما أتذكره هو أن دورًا أخرى تنقذك بكل ما للكلمة من معنى. أحدهم، حين أخبرته -ونحن في خضم نقاش ثقافي محتدم نصحني فيه بكتب كثيرة يقول: إنني لازم أقرأها حتى أشوف العالم من منظور جديد، وأنقل الجملة كما هي- حين أخبرته أن علي أن أعود للواقع، وأعرف ثمن الكتب، لأنني لا أحب كتابًا لا أستطيع اقتناءه، أخبرني بأن أختار الكتب وليمت الواقع. ساعدني في ثمنها أيما مساعدة، مرددًا أن الأهم أن أقرأ، والأهم أن أقرأ. إذا قرأت هذا المقال، فشكرًا جزيلًا لحد السماء، تلك أكبر قطعة سعادة حملتها من المعرض، واحتمال أن تكون أكبر قطعة سعادة لهذا العام. بائع في دار أخرى، ووجهي يخبو نوره حين علمت أن أسعار الكتب التي ركضت حين رأيتها (كنت فقط أحلم بها دون أن أراها قبل ذلك)، ودون أن أقول شيئًا، سألني ما المشكلة. وساعدني – حين علم أن أسعاره ليست رءوفة لحد ما بجيبي- في الحصول على الكتاب الذي ارتحلت 380 كم للحصول عليه. ما ينفعش حد يدخل الدار دي ويحب الكاتبة دي ويطلع من عندنا زعلان، هكذا قال لي، ومازالت كلماته ترن في أذني، كلما رأيت الكتاب على رف كتبي.

بعض الباعة ناقشوني في الكتب والكتاب والأدب، وعرضوا علي معاينة كتب كثيرة، دون أن ينزعجوا حين رفضت اقتناء أي منها، بالرغم من إعجابي بها. شكرتهم جميعًا بخجل، لكنهم ابتسموا ورددوا: المهم أن تقرئيهم يومًا ما. أحدهم علمني الفرق بين الترجمات، ومدينة له بذلك. والكثير من الباعة ودور النشر جعلوني أشكر الله لأني هناك، في المكان الصحيح في الوقت الصحيح، شعرت أنني في وطني، أحتضن قطع سعادة.

يمكنني أن أكمل الحديث عن معرض الكتاب إلى الأبدية وما بعدها، وسأجد دائمًا شيئًا جديدًا لأقوله عن الساعات الست التي قضيتها هناك. لكنني أختار أن أنصحكم بأن تقدروا حجم الفرصة التي أمامكم لا لتقتنوا الكتب فحسب (بالرغم من كون ذلك الهدف الرئيس الواضح للمعرض)، ولكن أيضًا لتسعدوا أنفسكم وغيركم، ولترتقوا درجة أخرى ترون العالم من خلالها بمنظور آخر. ارتدوا أحذية مريحة وادخروا المال بكل السبل، ولا تكونوا أبدًا خائفين من ارتكاب أخطاء عديدة، لا بأس. تعلموا منها واستمتعوا بالأمر قدر المستطاع، كفاية عنكم وعن كل أولئك البعيدين الذين يرقبون معارض الكتب في كل الدول، واجمعوا على قدر استطاعتكم قطعًا أكبر وأكبر من السعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد