«ليست العبرة في عدد الكتب التي تقرأ، بل العبرة في نوع الكتب التي تقرأ»

عندما أتجول في المكتبات الإلكترونية العربية، فإنني أُصاب بالدهشة من غزارة من تنتجه أمتنا العربية، الإنتاج الذي اقتصر في أغلبه الأعم على الجانب الديني بطابع الدعوة والدعاية والترويج لمذاهب بعينها، ذلك الكم الهائل يعود معظمه إلى منطقة الخليج العربي خاصة السعودية فكرا وتمويلا.

أكداس متنوعة غير منتهية وبأحجام مختلفة لمؤلفات بطباعة رفيعة أغلبها يغرق في الغيبيات مثل عذاب القبر ومشاهد من يوم القيامة أوالجنة والنار أو تتناول بتفصيل دقيق مفاهيم لاهوتية وتسهب وتتوسع فوق الحاجة في مواضيع الطهارة والوضوء ومبطلات الصلاة والاعتكاف في المساجد وصلاة التطوع ومواصفات الحجاب الشرعي وتقنيات التقصير والاعتناء باللحية.. تتراوح أحجامها من المطويات والكتيبات الصغيرة إلى الموسوعات والمجلدات الضخمة وحتى دروس الوعظ والإرشاد والإفتاء المسجلة على أشرطة وأقراص جنبا إلى جنب مع كم متزايد ومعتبر من كتب القانون والإجراءات القانونية بالإضافة إلى ثورة مشهودة وغير مسبوقة من مؤلفات الطبخ وطرق إعداد الوجبات والحلويات والسلطات؟!

طبعات فاخرة استخدمت فيها آخر تقنيات وفنيات الطباعة الحديثة تراها تملأ الرفوف وجنبات المكاتب وكل معارض الكتب فلا ترى إلا عناوين من هذا النوع: لقطات سنمائية مرعبة من مشاهد يوم القيامة وعذاب القبر، شكل ومواصفات الحجاب الشرعي وتقنيات خياطته ولبسه، طرق تقصير القميص ولبس الجلباب وأساليب العناية والاهتمام باللحية، فنيات دعوة المشركين والكافرين والعاصين والمقصرين والمهملين إلى دين الله الحق، موسوعات غير منتهية في مواضيع الألوهية والطهارة والوضوء ومبطلات الصلاة والاعتكاف في المساجد، كيفية التفريق في التعاطي والتواصل والتعامل مع أهل دار الإسلام من جهة ودار الكفر من جهة أخرى، تبيان حرمة الموسيقى والرسم وبقية الفنون والأعمال الإنسانية والاستدلال على ذلك بالقرآن والسنة، الأعمال المؤدية إلى إقامة شرع الله وتطبيق الخلافة الإسلامية المنشودة والمأمولة، مقومات إحياء نهج السابقين والسلف الصالح، نهج الدعوة وإعادة قطعان الناس الشاردة والضالة إلى النبع الصافي والإسلام الصحيح، منهج العمل على إحياء فريضة الجهاد وتفعيلها قبل كل شيء ضد العدو القريب المتمثل في الطغاة والأنجاس والضالين والكافرين والفاسقين من غير الموالين ولا التابعين للمذهب بين أبناء الوطن الواحد؟! وضعيات التبرز والتبول وأساليب التخلص من النجاسة، موسوعات كاملة في فقه الاستحاضة والنفاس وغيرهما… وهلم جرا!

لكن لا ننكر أن هناك كتبًا دينية عقلانية من النوع الرفيع تخاطب العقل قبل القلب لكن تعد على الأصابع!

الملاحظ أن رواج كتب المأكولات والحلويات والجن والشعوذة والرقية وكل هذه الأنواع له علاقة مباشرة أيضا بذوق المواطن العربي عموما واهتماماته الثقافية والمعرفية، هذا ما نلاحظه من تهافت هذا المواطن وانحيازه الواضح لهكذا كتب كما يفسر إلى حد كبير تكدسها (الكتب الدينية) في المكتبات والمعارض وسعي الكتاب ودور النشر وممولي طباعتها على إنتاج وضخ المزيد والمزيد منها في كل الأقطار العربية! إذا سلمنا بأهمية بعض ما يُكتب ويُنتج في المجالات الدينية على علاته وأخطاره على أطفالنا وأجيالنا وقرائنا و… و… فإني أتساءل عن باقي المجالات الأخرى؟!

ما سبب هذا الرقي وكل هذه الثورة الصاخبة المقتصران على الإنتاج الديني دون سواه؟ هل هو مجرد استسهال أو إسهال مرضي مؤقت سببه عزوف طبيعي لدى الأمة عن المجالات التي تتطلب مجهودًا وعناء؟! أين الكتب العلمية والإنسانية الأخرى مثل الرياضيات والفيزياء والطب والكيمياء والأحياء وعلم النفس والفلسفة والعلوم السياسية وعلوم الفضاء والكمبيوتر وغيرها… (القائمة طويلة طبعا) فإنك إن وجدت بعضها فإنه إما مستنسخ مترجم ركيك لا يرقى عموما لمستوى الكتاب العلمي الحقيقي أو مترجم إلى لغة أخرى أو حتى مكتوب بلغته الأصلية إلا أن هذا النوع أيضًا يكاد يقتصر على القواميس وبعض كتب الكمبيوتر الخاصة ببرامج التشغيل وكيفية العمل عليها ليس إلا؟!

أليس كل ما ننعم به في وقتنا الحاضر من فضل وكرامات ونتاج العلوم؟! الحديث ذو شجون وسيقود حتمًا إلى أن الظاهرة لا تعدو كونها مظهرًا من مظاهر تخلفنا وأن ذلك لا يخرج ولا يشكل استثناء في السياق الحضاري العام المتردي لأمتنا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد