لم يكن عبثًا حين افتتح الله تعالى كتابه العظيم على رسوله الأمين بلسان عربيٍ مبين آيات من الذكر الحكيم، يبين فيها قيمة العلم والمعرفة، في تلك الصحراء القاحلة، وعلى جبل حراء الذي كان يتعبد فيه الحبيب ويخلو بنفسه،ليزداد علمًا ومعرفةً ويتدبر في الكون وما فيه من آيات وعبر دلت على وجود خالق عظيم، يتنزل جبريل عليه السلام بالنور والإيمان على خير الأنام ويفتتح بخير الكلام (اقرأ) ليعلم كل إنسان أنه لن يكتمل علم إلا بإيمان ولا يُقبل إيمان إلا بعلم، فيتعرف الإنسان على ربه وعلى الكون وما فيه من إبداع، فلولا القراءة ما كانت الكتابة، ولولاهما ما نمى العقل وفكر وتعلم وتدبر ثم بعدها صنع وأبدع فالإنسان خُلِقَ ليعرف ربه قال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.

فالإنسان إذا كانت لديه معرفة بالقراءة وألفاظها فحتمًا سيكون سلس القول فصيح اللسان منتقي الألفاظ يحيط فكره كثيرًا من العلوم النافعة، وأما إذا كانت قراءته قليلة فستكون معلوماته ضحلة فلا بد أن يقطعها بكلمات، ولابد من إيصال بعضها بقواطع حتى يستقيم الأمر ويقتنع المستمع والقارئ، ولن يقتنع بالصورة التي يرجوها.

فالقراءة تبني العقل وتزيد المفردات وتنشط الذاكرة وتضبط النفس وتهدئ الأعصاب وتعمل على زيادة الوصلات الطبيعية المسئولة عن الأحاسيس والأفكار بالقشرة الدماغية.

ولتعلم أخي القارئ أنك إن أردت الدنيا والآخرة فعليك بالعلم والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئًا، فالمرء يظل عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد سار على طريق الجهل، فأزمة أهل النار وهم فيها كان الجهل قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.

وإذا أردت أن تحدد لنفسك مسارًا تنتهجه في قراءتك فلتعلم أن العلوم في ذلك ثلاثة أقسام: العلم بالله، العلم بخلقه، العلم بأمره.

فالعلم بخلقه مثل الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والمنطق، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التربية، والطب، والهندسة، والفلك، والجغرافيا، والتاريخ، واللغة، واللغات الأجنبية، وجامعات العالم متخصصة في هذه العلوم
أما العلم بأمره فهو معرفة الحلال والحرام، وأحكام الفقه، والأحوال الشخصية، وفقه البيوع، وفقه المواريث، هذا العلم بأمره من اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، أما العلم به فهو شيء آخر، العلم به يقتضي المجاهدة، ولا يقتضي المدارسة، العلم بخلقه، والعلم بأمره يقتضيان المدارسة، وقد قال بعض العلماء الكبار: «جاهد تُشاهد».

فإذا وضعت خطتك واخترت طريقك تجنبت في ذلك كل رث عديم الفائدة، فما قيمة القراءة إذا لم تعط الحكمة أو التقوى أو المتعة أو الفائدة؟! وصدق الحبيب حين قال في دعائه «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم «دخل إلى مسجده، فإذا رجل تحلق الناس حوله، سأل سؤال العارف، من هذا؟ قالوا: هذا نسابة، فقال: وما نسابة؟ قالوا: يعرف أنساب العرب، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علم لا ينفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به».

وبعد أن تحدد مسار قراءتك يجب أن تعرف ما هي الغاية من ذاك المسار الذي تسير فيه ولتعلم أخي القارئ أن هناك أربع غايات (إن صح التعبير).

1- قراءة بحث الإيمان، لمعرفة الله وطاعته والسعادة في الدارين، فإذا أردت أن تقرأ عن الإنسان وتكوينه، والنبات وتشكيله والحيوان وتسخيره، والسماوات والأرضين، والنجوم والكواكب والأطيار، والبحار وما بها؛ فيجب أن تستهل قراءتك عن العظيم الذي خلق كل شيء فأحسن صنعه لتجمع بذلك بين المعرفة الدينية والقدرة الإلهية فلن تتحصل النعمة قبل أن تتعرف عن المُنعِم.

فإذا قرأت وتدبرت في الإنسان وتكوينه فستجد مثلًا أن الدماغ تحتوي على 140 مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، على 14 مليار خلية قشرية، على 300 ألف شعرة، على 130 مليون عصية ومخروط بشبكية العين، على 800 ألف عصب بالعصب البصري، على 35 مليون عصارة هاضمة بالمعدة على طريق في الكليتين طوله 100 كيلومتر، مليون نترون، على أوعية دموية طولها 150 ألف كيلومتر، على أسناخ رئوية مساحتها 200 متر مربع، حينها ستدرك قول العزيز الجبار ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وقوله تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾.

فتجمع بذلك بين العلم الديني والدنيوي فتفوز بالدارين.

2- قراءة شكر وعرفان، لله سبحانه على نعمه العظيمة فمثلًا إذا قرأت كتابًا للبخاري المؤلف قبل عام 250 هجريًا ونلت من علمه كثيرًا، وقتها أنت لم تكن موجودًا فلولا البخاري ما وصلك ما بحث فيه، ألا يجب عليك حينها أن تشكره؟ ولله المثل الأعلى في عطائه ونعمه وصدق الله حيث قال ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.

3- قراءة وحي وإذعان، إذا قرأت كتابًا تعلم أن لا بد له من كاتب وإذا نظرت إلى الشمس يقينًا لابد لها من خالق. لكن إذا قرأت عن الزكاة وأحكامها والزواج وأحكامه والمحرمات من النساء والعبادات و… فتلك أوامر نزلت من عند الله عن طريق الوحي يجب علينا الإذعان لها، وهنا أنت تتدرج من غاية لأخرى، تقرأ للبحث والإيمان فيتحقق على لسانك وفي قلبك الشكر والعرفان فتخضع لأمر الوحي والإذعان للواحد الديان وصدق الله حين قال ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

4- قراءة عدو وطغيان، القنبلة النووية التي أُلقيت على اليابان في عام 1945 وقتلت ما يقرب من 100 ألف ونصف مليون ما بين حرق وتشويه وجرح؛ فما فائدة تلك العلوم التي عرفوها إلا الدمار والقتل والتخريب وصدق الله حيث قال ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾.

وطغيان وإذا تأملت في نموذج طرحه القرآن حاكيًا عن الأقوام السابقة فستجد قوم عاد الذين طغوا في البلاد بعد أن من الله عليهم بالقوة والعلم والمال، قال الله تعالى ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.

لكن لن تكون قدرتهم أقوى ولا أعظم من الخالق الجبار قال تعالى ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.

وختامًا أخي القارئ أختي القارئة، يجب أن تعلم أن لكل فرد حياة واحدة يعيشها والقراءة وحدها التي تعطي أكثر من تلك الحياة فتزيدك معرفة وإدراكًا وبصيرة، فما من صاحب إلا وله هفواتٌ وزلات، إلا الكتاب فهو مأمون العثرات، الصاحب الوفي الذي يعطي دائمًا ولا يطلب أبدًا، يعلمك دون أن يتكلم، لا يفشي سرًا، يحملك بسفينة العلم على جسر من نور إلى ما أردته لنفسك من الحكمة والتقوى والمتعة والفائدة فتنعم حياتك ويعلو شأنك وتزداد منزلتك، وختامًا سيُخَلِدُ ذكرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد