إذا شرعت في قراءة كتاب (الإسلام بين الشرق والغرب)، فعليك ترك قناعاتك كاملة على عتبة المقدمة، وقراءته كأنه رواية، أو كأنك طفل يستكشف جسماً غريباً.

كأي كتاب ذي شهرة واسعة، يتحدث عنه الجميع ويقرأه الكثيرون، لم أتوان في الاعتقاد بأنه كتاب غير ذي شأن. خاصة أنني سلّمت بالادعاءات التي كانت آخذة في الانتشار آنذاك بأن كاتبه – علي عزت بيجوفيتش (رئيس سابق لدولة البوسنة والهرسك) – هو أصولي إسلامي، ولابد أن كتابه هذا مليء بالتهافت الأصولي الذي أعرفه جيداً.

ولأنه منتشر كل هذا الانتشار، لابد إذاً أنه كتاب سهل وبسيط، محشو بالبروباجاندا والتشهير والقعقعة الديماجوجية الجذابة التي قد تعجب أعضاء الجماعات الإسلامية أو المتعاطفين معهم، وذلك كان كافياً بالنسبة لي لتفسير كل هذا التمجيد والدعاية التي حفت هذا الكتاب. بالذات في وقت ذروة الصراع على السلطة في دول الربيع العربي التي لعبت القوى الإسلامية الدور الأبرز فيه.

 

 

ظننت أيضاً أنه إذا كان كاتبه هو رئيس دولة، وليس مثقفاً أو مفكراً، فلابد أنه كتاب يخدم مصلحة دولته (المسلمة) في صراعها مع دول أخرى (مسيحية)، و هذا دعم رؤيتي بعدم جدارة هذا الكتاب بإنفاق الوقت عليه، بالذات أنه قد أدى ما عليه في خدمة بروباجاندا دولة صغيرة كانت في صراع قد انتهى في التسعينات.

وكان الدرس الذي تعلمته بعد قراءة عدة صفحات من الكتاب درساً قاسياً، مع أن فيه شيء من المتعة و الانبهار. أدركت أنني بالأحرى أمام مفكر وفيلسوف، شاء الحظ أن يصبح رئيساً للجمهورية لبعض الوقت. شعرت بالندم على ما كنت أكنه من احتقار لهذا الكتاب، وأنا عاجز عن فهم خطابه الفلسفي المركب في كثير من المواضع. وإذ بي وأنا أنتقل إلى نهاية الجزء الأول من الكتاب، أحمل معي ما تيسّر حمله من الأفكار الثقيلة على عقلي الغير ناضج فكرياً، فأجد حينئذ أن الرجل قد وضع ما يشبه منهجاً جديداً في التحليل، ورؤية للعالم مبهرة في واقعيتها وملاءمتها لسنة الخلق. كان ذلك كافياً في نظري كنهاية لكتاب رائع، لكن يبدو أنها كانت مجرد مقدمة لما يريد الكاتب أن يقوله في الجزء التالي من الكتاب.

 

 

والسبب في النصيحة التي استهللت بها المقال هو أنك إذا وضعت مقياسك للأمور نصب عينيك وأنت تقرأ الكتاب، فلا شك أنك إما ستواجه صراعاً مع فكرة من الأفكار في أي موضع من المواضع، أو سيقودك ذلك لإساءة فهم بعض من الأطروحات الواردة.

أما مشكلتي أنا، فقد اتفقَتْ مقاييسي مع كل ما جاء بالكتاب في نصفه الأول حتى وصل الأمل للانبهار والحماس، ثم جاءت بعض الاستنتاجات المترتبة على النصف الأول في النصف الثاني صادمة ومؤرقة لي، تنذر ببعض المتاعب الأخرى القادمة في الطريق. و حين نظرت إلى جزء من الأجزاء التي لم تعجبني و قسته بمقياسي وجدت الآتي:

صفحة 283: “و حيث إن الزكاة حق للفقراء فإنه سيتم توفيرها بالقوة إذا لزم الأمر”.

استناداً إلى ما ظل يؤكد عليه المؤلف من ثنائية الفرائض الإسلامية، ومنها الزكاة، فإن ما ذهب إليه في هذه الجملة أعتبره من المغالاة في التأكيد على وظيفة الزكاة الاجتماعية (وهي نابعة من الجانب الاجتماعي/ الدنيوي/ المادي) للزكاة. وأرى أنه إذا أُخذ في الاعتبار الجانب الآخر من هذه الفريضة (وهو الروحي) فهو لا يجوز إطلاقاً فرضها بالقوة على من لا يرغب في تأديتها. و بما أنها (فريضة) دينية كما ذكرت ففرضها قد يتعارض مع المبدأ القرآني في الآيات:

 

– (فَذَكِّرْ‌ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ‌ ﴿٢١﴾ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ‌) (الغاشية: 21-22).

 

– (لَا إِكْرَ‌اهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّ‌شْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ‌ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْ‌وَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256)

 

– (مَن كَفَرَ‌ فَعَلَيْهِ كُفْرُ‌هُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) (الروم: 4)

– (إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) (الزمر: 41)

 

لذلك ففرض أي فريضة دينية بالقوة تحت أي ظرف هي وصاية دينية لا تمارسها، إلا الأنظمة و الجماعات الأصولية. و ينبغي أن يدق العقل ناقوس الخطر إذا لاحظ شبهة إجبار سلطوي في أي من الطقوس والعبادات، حتى تلك التي تحوي جانباً اجتماعياً بارزاً مثل الزكاة.

 

 

في المقابل، ما يمكن أن يتم تحديده و إجبار الأغنياء على إنفاقه هي الضريبة – أي نوع من الضريبة. طالما لم تكن زكاة (أي لها جانب ديني أو تجلي روحي). و إذا كان الكاتب إذ قال: “ينبغي أن يتحقق المبدأ بالتزام فريق الأغنياء في المجتمع بالإنفاق على فقراء المجتمع لسد احتياجاتهم اللازمة للحياة” كان يقصد أنه يجب على المجتمع الإسلامي تحقيق المبدأ الديني بالإنفاق على الفقراء، فلا غضاضة من تكميل مساهمة الزكاة في ذلك عن طريق فرض الضرائب العادلة على الدخول وصرف إعانة محددة للفقراء كما تفعل الكثير من الدول. لكن الواجب هو عدم ربطها بفريضة الزكاة التي هي فريضة على الإنسان المسلم الفردي قبل أي شيء، وليس على المجتمع أو “الدولة الإسلامية”.

فلا ينبغي التعدي على الحرية الشخصية فيما ارتبط بالممارسات الدينية؛ لأنها لا تخضع إلا لاختيار العابد الذي بمقتضاه سيحاسب أمام الله، انتهى. يذكر أنني بعد الانتهاء من الكتاب ما زلت على رأيي في رفض هذا الجزء و أجزاء أخرى. فليس من الضروري، حتى إذا اعتبر المرء أن كتاب ما هو من أهم الكتب وأكثرها صواباً و دقة، أن يتفق مع كل شيء يستنتجه أو يقول به المؤلف. فعلى أية حال، فإن الموضوع الذي أخذ الكاتب على عاتقه التصدي له هو إذا جاز التعبير (مراجعة وتمحيص كل ما وصل إليه العقل الإنساني من رؤى في فهم العالم، ثم تعمد سلوك طريق مختلف تماماً مستنداً على ادعاء خطير للغاية بفهم مغزى “الإسلام” بعامة، والزعم بلا مواربة أن ذلك الطريق المختلف الذي تمثله الفلسفة الإسلامية هو الطريق القويم و أن كل ما قال به الفلاسفة والعلماء من قبل لم يصبه من الصواب نفس الحظ الذي أصاب رؤية الإسلام للعالم).

كل ذلك في كتاب متوسط الحجم لا يتعدى 350 صفحة، مما حدا بالكتاب لاختصار الكثير من الأفكار التي كان من الممكن الاسترسال والتعمق كثيراً في بحثها. و أذكر أنه قد أشار إلى ذلك في مكان ما، و أكد بشكل غير مباشر أنه لا يدعي أن ما يكتبه هو حقيقة مطلقة، وأنه من الحتمي أن يقع – بسبب اختصاره لأفكار كبرى، واختزاله لعصور كاملة من التاريخ ومدارس كبرى في الفلسفة في عبارات قصيرة – في الكثير من الأفخاخ مما يفتح المجال أمام سيول من الحجج التي يمكن إقامتها ضد كلامه. وقد اكتشفت بنفسي الكثير من تلك الثغرات الظاهرة أمام النقد بصدر عار.

و لأن الكتاب هو بهذه الدرجة من الطموح، و بما فيه من مساحات شاسعة تترك للقارئ الحرية في الذهاب بفكره أينما يشاء وتسمح للناقد بصيد وفير من الحجج، فهو كتاب صعب الإلمام به وإشباع العقل منه من مجرد قراءة واحدة. و بالتأكيد سوف أعود إليه لاحقاً أقرأه، واضعاً في الحسبان تلك النصائح التي أوجهها لنفسي قبل القارئ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد