إن الكائن الذي يسمونه «إنسان» لهو عبارة عن كتلة من العاطفة، فإنه لا يطلب المعلومة من الكتب أو المقالات، وإنما ياخذها من الإعلام الذي غالبًا ما يكون ديماجوجيًا ويستغل عواطف العوام وهكذا يفرح الإنسان حينما يسمع ويرى شخصًا يثير عواطفه، فهو يفتقر لعاطفة تثيره. وإن هذا الإعلام مع الأسف قد يكون مغررًا به أو مدفوعًا سياسيًا أو عاطفيًا.

إن الإنسان حينما يقرأ الكتب فإنه يتثقف متجردًا عن العاطفة؛ إذ يأخذ المعلومة وهو مسيطر ومتاح له التفكير فيما يقرأ، دون إكراه نفسي، فلا يتبع إشارات الكاتب أو نظراته، مثلما تفعل بعض البرامج الإعلامية التي تهدف إلى زرع المعلومة جاعلة المتلقي يتأثر بحركات الإعلامي الجسمية، ويكون جل انشغال المتلقي كيف يتبجح هذا الإعلامي بأصابعه ويتلاعب بصوته وحواسه البرانية، وفي الأغلب يأتون بإعلامي طليق اللسان ووسيم حتى يؤثروا في العوام.

أما ذلك الإنسان الذي يتثقف عن طريق الكتب، فكأنه من أتباع الفلسفة الرواقية؛ حيث لا يندفع أو يتأثر بما حوله وبما هو موجود في الكتب، إلا قليلًا؛ لأن القراءة نار الفكر وجوهر التفكير، فإن المرء الذي يكتمل من القراءة، يلجأ الى التفكير فيما قرأ، أما إذا سمع المعلومة أو رآها، فغالبًا ما يكتفي بالسمع والرؤيا دون التفكير بما سمع أو رأى؛ لأنه تأثر فيمن رأى ووثق به ثقة عمياء؛ لكونه وسيمًا ولبق الكلام.

يعد اعتقاد بعض الناس بالإعلام المرئي والسمعي وتشبثهم فيه من بقايا المنطق القديم، لأنهم يكتفون بوسامة الفرد الذي يلقي عليهم وطلاقته في الكلام فيتأثرون كما كانوا يتأثرون بالوعّاظ، معتمدين على مقولة: العقل السليم في الجسم السليم، وحسب المنطق:

هو يتكلم بطلاقة = إذًا كلامه صحيح!

والدليل هو أولئك المراهقون الذين يتابعون بعض ممن اعتبروهم مجرمين على «اليوتيوب» ويعجبون بهم، ليس لأفعال هذا الشخص الحسنة (الحسنة)، وإنما لشخصيته العالية وأسلوبه في الكلام والأغاني الحماسية التي تثير العواطف.

فما أن رأوا شخصًا يتحدث في «يوتيوب» والتلفاز عن موضوع علمي أو اجتماعي حتى هبوا قائلين: «هذا والله خوش يسولف»! (كما في العراقي)، أو «باوعوا: والله ينگط عسل! هذا كلامه صحيح»! ما قاله فلان لا شك فيه! وغيرها من الكلمات.

بلغني أن إحدى البرامج العلمية التي تبث على «يوتيوب» توقفت، فرأيت الناس يتباكون قائلين: راح الغالي! هذا جبل علمي! افتقدنا طريقته في التعبير!

وحينما أنشر شيئًا، يأتون ويقولون: أنت لا تتابع فلانًا أليس كذلك؟ خذ رابط قناته واستمتع!

المضحك أني نشرت عن نظرية داروين ذات يوم، فقال لي أحدهم:

إنك والله تأخذ كلامك من فلان على «يوتيوب»! هذا واحد كذاب!

وبالطبع فأنّي لا ادري من هو فلان الكذاب هذا، ورحت ابحث عن اسمه في «يوتيوب»، فوجدته رجلًا دميمًا ويتلكأ في كلماته، فعلمت لماذا هو كذاب حسب وصفه، واعتقدت أن سبب وصفه هذا لأنه دميم غير وسيم وفي كلامه تلعثم.

إن هذا الشخص وغيره، يقيسون العلم بقوة الشخصية ورصانة الأسلوب وغير ذلك. لكني أظنه لا يعلم بأن أنشتاين وهو من الأذكياء، في فترة ما كان لا يعرف كيف يتحدث.

ناهيك على أن بعض هؤلاء الإعلاميين لا يعطونك الحقيقة بكاملها كما تقدمها بعض الكتب، وإنما يقول الحقيقة التي يؤمن بها هو، ويهمل باقِ الحقائق.

إن المتلقي للإعلام المرئي والسمعي غالبًا ما يتاثر في طريقة الكلام، وهذا ما عهده الإنسان منذ القدم. فالناس سابقًا كانوا لا يدونون أحاديثهم، وإنما يتعاملون بالأصوات أو بوساطة اللغة الشفهية. فلا أعلم، ربما أيقن الإنسان ضرورة الاحتكام لتدوين أخباره حتى يقرأها ولا يسمعها من شخص متبجح في كلماته اللبقة. لأنهم ربما علموا أن الاعتماد على الإصغاء لحديث المرء يعد تشويهًا للواقع، فإن للجسد وحركاته تأثيرًا في عرقلة وضوح الواقع.

العاطفة هي عدوتكم يا أيها الناس، لنسافر إلى الكتب، فلا محل للعاطفة هناك، إلا قليلًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد