معرض دائم للفن التشكيلي في ليبيا

يقول إليوت عن موضوعية الفن في النقد الحديث: « الفنان الحقيقي ليس هو الذي ينتظر حتى يعبر عن تجاربه الذاتية المباشرة وحدها، والفنان الأصيل لا يمكن أن يكتفي قي كتاباته بألوان التجارب التي تقع لشخصه» (عويضة كامل، ص31، 1996).

يمارس الفنان التشكيلي الليبي عدنان معيتيق، قراءته النقدية للفن التشكيلي في ليبيا، بالنقد المبني على فهم تاريخ الفن، وفهم الواقع الفني في ليبيا، وبالفعل تحتاج الحركة الفنية من يفهمها ويكتب عنها بوعي حقيقي، مثلما تفعل صحيفة الجارديان، مع الناقد الفني أدريان سيرل.
لا يستطيع الفنان أو الناقد إلا أن يكون انتقائيًّا، هي ليست حيادية أو تحيزًا؛ إنما نسميها انتقائية مبنية على المثاقفة والتذوق الفني، وعلى دراية بالحركة الفنية. فممارسة الانطباعية مهمة جدًّا في صحافتنا؛ سواء للحركة الأدبية أو الفنية؛ فهي تزيل الراكد، وتعيد تشكيل المفاهيم، وتضيء أهم التجارب.

خاصة أن وسائل الإعلام الليبية تمارس علينا نظرية حارس البوابة؛ أي إنها تفلتر لنا ما يريده الرقيب بكل أنواعه، أو تستخدم نظرية دوامة الصمت التي تقوم على الأقلية الصامتة، فتجد شبه غياب للفنان التشكيلي في المضامين الإعلامية، وهذه ليست إشكالية ليبية فقط؛ بل هي حتى عربية.
يتكئ معيتيق على تجربته الفنية الزاخرة المتطورة الثابتة؛ فشخوصه حاضرة في فنه، لديه أسلوب فريد في تشكيل شخوصه داخل لوحته، فهو مشبع بفكرة الزمن والفضاء، هذا الفنان الذي انطلق من محليته، من قريته الصغيرة، ثم من إقامته في بريطانيا لفترة من الزمن، ومشبع فكريًّا أيضًا بقراءاته النهمة للمجلات والكتب المختلفة، وتأثره بالـ (روك آند رول)، ولأنه قارئ جيد للأشخاص القريبين منه؛ جدّه الشاعر، أصدقائه الفنانين، جيرانه البسطاء، طبيعة عمله الوظيفي الحكومي؛ فتجده قارئًا جيدًا للشخوص. كل ذلك انعكس عليه في تجربته في تشكيل لوحاته، بدايته كانت برسم جدته بشكل كبير، ورسمه لأبرز الفنانين والأدباء وتشكيله لشخوص غريبة وفريدة في لوحاته. هو حادّ جدًّا في لحظات كثيرة، وهذا من سمات مزاجه الشخصي. فستجد تيمة الثور تظهر كثيرًا في تشكيل شخوصه؛ فما هي إلا خروج هذا اللاوعي وتمثله في تيماته التشكيلية، بكل هذا العنوان الحاد.

واستخدام الأحمر والأصفر كثيرًا في تجاربه الجديدة ما هو إلى مرحلة متقدمة من النضج الحاد الواقف بين النضج الفني والتراكمية الفنية.

يؤمن معيتيق بقضية الفن التشكيلي إيمانًا كبيرًا جدًّا، يقول: «من الضروري في هذه الظروف الراهنة، حيث عصر الانحطاط بامتياز والنكسات المتلاحقة للوطن، التركيز وإبراز الملامح الثقافية والفنية، التي تميز الفن الليبي كرسالة محبة إلى العالم أجمع وترميم الصورة المهترئة من فعل التفكير السلبي في المجال السياسي والثقافي والاجتماعي» (مكامن الضوء، ص8).

وحساسيته أعطته القدرة على زيادة اهتمامه بكل ما يتعلق بهذا الفن بكل مدارسه، ما يدهش حقًّا هو قدرته على التقاط كل ما يخص التجارب الفنية في كتابه «مكامن الضوء» الذي يعد كتابًا توثيقيًّا يقدم قراءة نقدية انطباعية في تجارب الفنانين التشكيليين في ليبيا بأسلوب الصحافي، ووعي الناقد، والإدراك الحسي للفنان التشكيلي.

يكتب عدنان بأسلوب أدبي بسيط عن تجارب غيره بانتقائية انطباعية؛ وهو ما فعله بذكاء شديد، فنقل عن طريق الإحساس ما عبر وكتب عنه ونقله إلينا، كما يؤكد ذلك الكاتب عدنان عويّد: «إن الانطباعية في سياقها العام بالنسبة للأدب كما هو الحال في الفن التشكيلي، تقوم على فكرة جوهرية هي (الإحساس)، فطالما الأديب يحس بوجوده وبالظواهر التي تحيط به، فهو قادر على نقل هذه الأحاسيس الخاصة به وحده والتعبير عنها إلى الآخر».

«الإنصات بكل حواس إلى وقع العالم الخارجي، تتبع الانفعال الداخلي وما امتزج بالمتبقي من الباطني العميق المتسرب على مهل في تلك السنوات المليئة بالقلق والحيرة» (مكامن الضوء،ص20).

من أجمل المقالات في الكتاب ما كتبه عن تجربة الفنان الليبي القذافي الفاخري، بدأ مقالته بلغة أديب يقول: «ضوء عابر مشبع باللون- النور على أجساد شبحية طافحة بشهوة التلوين والتدوين وهي تنتقل بكل خفة في جداول ري الجسد المتعطش للمعرفة، وبقع اللون المتصلة بنبض الروح، ومنابع وجود الكون بأسره» (مكامن الضوء، ص 33-34).

من أفضل المقالات التي استوقفتني كثيرًا في أسلوبها وفي القدرة على قراءة تجربة الآخر والكتابة عنها بطريقة أدبية ساحرة؛ كأنها متجزئة من رواية يوكيو ميشيما؛ هي كتابته عن تجربة الفنان (يوسف فطيس) يقول عدنان: «الجسد وهو يتكئ على جدار الوقت لرغبات ومشاعر البشر المتعددة، حوار، لقاء، فراق أيضًا، وحدة، غموض، وضوح في آن ، فرح ، حزن، متعة التسوق…» أو عندما يقول: «كأنها أجساد منغمسة في عتمة الوقت بألوانها المتعددة من الماضي السحيق» (مكامن الضوء، ص61)
كتاب مكامن الضوء كتاب مهم عن تجربة 27 فنانًا تشكيليًّا في ليبيا يشكل حافزًا للمؤسسات الثقافية الرسمية التي عزفت عن الاهتمام بالفن التشكيلي؛ مثل صناعة الأفلام الوثائقية والمعارض الفنية الدائمة، أو عن بناء البنية التحتية للفن التشكيلي، كالمتاحف والمعارض، والاهتمام بالمؤسسات التعليمية لكي تستطيع تخريج نقاد وفنانين برؤى مؤسساتية، والأهم من هذا كله دعم الفنان التشكيلي في ليبيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كتّاب, مكامن
عرض التعليقات
تحميل المزيد