طالما كانت المدرسةُ الأدبيَّة شمس الحداثةِ في التاريخ، نوعٌ استثنائيٌّ مِن التأريخِ لروحِ العَصر والباطن الإنسانيّ وضَريبةُ الوجود، وفي طلائعِ هذه المدرسة تَقفُ الرواية باعتزازٍ وفَخرٍ يَليقُ بِها وبِما قَدمتهُ لصياغةِ النفسِ الإنسانيَّة، والوجود، وتجسيد روح العصر، بكافة المعايير، الاجتماعيَّة منها والاقتصاديَّة والسلطويَّة والفلسفيَّة، ولكن هذا التجسيد لم يكن بلغة التأريخِ ولا بخطِّ المُنتصر، بل بالفنّ لا غَيره، وفي هذا المَقال سوف نتحدث عن فنّ الرواية.

طالما تَعمَّقَ الإنسان في متاهاتِ الفلسفةِ والتَفكيرِ والإثارة مع الرواياتِ من حقبةٍ زمنيَّة غابرة، أو الروايات المعاصرة، فالأدب العالميّ منصةٌ تَحملُ روح كُلِّ منّا ليجد ذاته، ليكون باحثًا عن حلٍّ لأفكارهِ المشوّشة، وغالبًا تتجسَّد هذه الأفكار بشخصيةٍ تُشبههُ لحدٍّ ما، وتُعبّرُ عن عنّه وعن عُمقِهِ الفكريّ، وهُنا يَلعبُ الروائيّ دوره في تَجسيدِ أكبرِ عددٍ من الشخصياتِ في باكورةِ أعمالهِ الروائيَّة. ولنَتذكّر دائمًا أنَّ الروائيّ لا يَكتبُ ليُرضي القارئ، بقدرِ ما أنّهُ يَكتب ليُرضي وجوديَّته وباطنهُ الفلسفيّ، ويُجسِّدَ روح عَصرهِ ونَظرتهُ للأمورِ والأفكارِ والمُعتقدات، تاركًا بَين الصَفحات خطوةً تَنقُلنا لمرحلةً أفضل مِن الحَداثة والارتقاء لفَهم الذاتِ البَشريَّة. ولأن هذه الأفكار غَيرُ مُطلقة بل نسبيَّة لحدٍّ كبير، وتَختلفُ بَين روايةٍ وأخرى وقدرةِ كاتبٍ وآخر “وهذا إن اعتبرنا أنَّ كُلَّ ما كُتب من ترتيب أحداثٍ وسرد وتأسيسِ شخصياتٍ غَريبة، على بعضِ الصَفحاتِ البَيضاء يُسمى رواية” ولهذا اخترتُ كتاب يُجسِّدُ مَعنى فنّ الرواية، ويُشرح مداها الفلسفيّ وأثرها في التاريخ، وصقلِ الوعي البشريّ ليكون بمرتبةٍ أفضل، وهو كتاب الروائيّ والمُفكر ميلان كونديرا. سوف نَكتشف في هذا الكتاب رؤية كوندرا لتعريف الرواية وغايتها وأهميتها وفلسفتها.

ميلان كونديرا هو كاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشيكية. يبدأ كونديرا في كلامه عن الرواية من مقولات فلسفيَّة وتاريخيَّة تبدأ مع هوسرل وديكارت في الفلسفة، ومع سرفانتس ورتيشاردسون، وتولستوي وجويس في الرواية. تقوم هذه المقولات، على أن الفلسفة، المنبثقة من الفلسفة اليونانية التي طوّرها الفلاسفة في ما بعد تنظر الى العالم في مجموعه بصفته مشكلة يجب حلّها عبر تعميق المعرفة التقنية والرياضية بها متناسية العالم المحسوس للحياة.

 

يقول ميلان كوندرا:

” عالمُ النظريّات ليس عالمي، هذه التأمّلات هي تأمّلات مُمارسٍ لفنّ الرواية. فمجموع أعمال كُلّ روائيّ تنطوي على رؤية ضمنيّة عن تاريخ الرواية وعن ماهيتها. هذا التصوّر عن الرواية المُحايث لرواياتي هو الذي جَعلتهُ يُفصحُ عن نفسه في هذا الكتاب”

في مقدمة الكتاب يتحدث ميلان كونديرا عن تحوّل الفلسفة إلى شكلٍ آخر وهو الرواية، مُدعيًا أنَّ العِلم وبَعضٌ من الفلسفة، تناسوا كينونة الإنسان، رَغبتهُ بلغةٍ يَنجبلُ مَعها ليَكتشف ذاته أكثر، وهي الرواية. وكيف استطاعت الرواية أن تُجسِّد الوجود الإنسانيّ، فالروائيّ يَبدأ بالبحث عن ذاته وتجسيده كإنسان قبل أيِّ شيءٍ آخر كما ذَكرت. وطالما حاولوا الروائيين وصف باطنِ الإنسان بكلِّ حقبةٍ زمنيَّة وهذا انطلاقًا من الغوصِ في ذاتِهم وانتهاءً بالغوصِ في كُلِّ ذاتٍ بَشريَّة تَتجسَّدُ في نصوصهم.

يتكلم كونديرا عن نشوء الرواية في أوروبا الوسطى، حَتَّى أنّهُ يَربط نشوء فنّ الرواية بالكامل، بتلك الحقبةِ الزمنيَّة، ومن هُنا يُقدم فكرته وهي ربط  نشوء الرواية باندلاع الحَرب والألم والقمع، من السُلطة والطبقة البرجوازيَّة، فالرواية أول من أطلقَ التساؤل التالي ” لِمَ الحَرب؟ ” وبرأيه أن فنّ الرواية بتلك الحقبة الزمنيَّة اعتمد إجابةً واحدة، قُدمت بأشكالٍ مُختلفة وهي

“لا هدف لها إطلاقاً، إنها عنف القوّة الذي لا يريد سوى إرادته، إنه اللامعقول الخالص”

يحاول ميلان كونديرا من خلال هذا الربط والتساؤل تبيين فكرة أثَر الواقع على نشوء الرواية، وطالما تنشأ الروايات من بين ركام الحروب والألم والانكسار العاطفيّ، أو الصراع الداخليّ ولنقل، فالرواية لا تُكتب دون أن تَطرح سؤالها الأول وهو ” لِمَ الحَرب؟ ” ولا تَنتهي إلّا بإجابةٍ فَلسفية لا ترضخ للواقع والانتماء بقدرِ رضوخها للرؤية المُحايدة التي تُشّرِّح أفكار الشَخصيات؛ الظالم، المظلوم، الضحية، البطل، الخائن، المجنون، الحكيم، السُلطة. هذا هو أهم منطلقات الرواية فهي ليست تأريخ يكتبه المُنتصر وليست تقرير أكاديمي يكتبه المُنتمي، بل فلسفة داخليَّة تتحدث من منطلق الفنّ الصارِخ ضد هذه الفوضى، فنّ يَعكس رؤيته لا أكثر.

الصعوبة في تَفهم القسم الأول من الكتاب أنَّ كونديرا اعتمد عدد كبير من اسماء الروايات والشخصيات التاريخيَّة، وتحتاج لثقافة واسعة لتفّهم رمزيَّة كُل رواية وشَخصية، ولكن مع ذلك تبقى الفكرة الأساسية من القسم الأول في متناول القارئ من خلال مقتبسات ميلان كوندرا عن كل رواية تُذكر.

يتساءل كونديرا: هل مِن المُمكن أن تموت الرواية!؟

يوضح لنا الكاتب هُنا بثقته الكاملة بما يُسمى روح الكتاب، ولهذا يَنفي موت الرواية بشكل نهائيّ، فالرواية تَملك روح تُغذيها روح العَصر وتَنتقل من شكلٍ لآخر، ولكن الموت! هذا أصعب ما يمكن أن يَحصل. يوجد رابط وثيق بين الوجود الإنسانيّ وفنّ الرواية، لأنها مرآة تَعكس وجوده وفلسفته وغايته ومخاوفه. ولكن مع ذلك يفرض جدلاً كونديرا أنَّ الرواية سوف تَختفي، وبرأيه أنَّ حتَّى لو حصل ذلك فهو لا يفقد الرواية قيمتها، بل يعني أنها أصبحت بعالمٍ غيرِ عالمها، وكم سيكون ذلك العالم خاملاً بدونِ الرواية!

ويَصف ميلان كونديرا أنَّ الرواية هي الروح الأكثر تعقيدًا، وهذا التعقيد يتناسب مع عُمرّ الرواية، فكل رواية تقول للقارئ أنَّ الأمور أكثر تعقيدًا ممّا يتخيَّل. ولأن الرواية وليدة الوعي الاجتماعي في كُلِّ زمن، فهي روحٌ تزداد حدّة فلسفتها مَع كُل تقدم للوعيِّ البشريّ.

القسم التالي من الكتاب هو قسم على شكلٍ حواريّ بَين كريستين سالمون وميلان كوندرا، نَجد في هذا الحوار تفاصيل رؤية كونديرا للكثير من الروايات من الأدب العالميّ مثل ديستوفيسكي الذي يعتبره فيلسوفٌ روائيٌّ قّدّم فلسفته الوجوديَّة من خلال شخصياتِ رواياته، كما يعتبره أنّه مُمثل للرواية متعددة الأصوات، التي سوف نتعرف عليها فيم بعد، كما يَعتبر فرانز كافكا، أنه أحدى ثورة في الأدب التي لن يحصل مثيل لها. ويعطي لمحة عن باطن روايات من الأدب العالميّ، وهذه اللمحة توضّح معنى فنّ الرواية بشكلٍ أدق وأبعد ممّا يتضحُ للقارئ.

من أهم الأفكار التي تتضح في الحوار هو توجه ميلان كوندرا إلى مقولة دانتي

” في كُلِّ فعلٍ يكون القصد الأول للذي يَفعل هو أن يكتشف نفس صورتهُ الخاصة”

ليَشرح لنا كونديرا رابط وجود فنّ الرواية مع هذا المُقتبس الفلسفيّ، فعل الرواية بحدِّ ذاته هو قائم لاكتشاف الـ أنا، من يكتب الرواية هو شخص ينفذ مقولة دانتي حرفيًا، بطريقةٍ فنيَّة، ليكتشف نفسه أكثر، ويكون ذاته بشكلٍ يَليق باكتشافاته للباطن في روحه الثوريَّة، وإلى أين سوف تأخذُه في عالمِ الرواية، عالمٌ بِلا حدودٍ ولا صدامات. وعلى هذه الوتيرة يحاول كونديرا بكلِّ جهد أن يصيغ رابط الوجود والإنسان والرواية، فيقول:

” إن الإنسان والعالم مرتبطين مثل ارتباط الحلزون وصَدفته، والرواية هي أحد الوسائل التي تُشير إلى هذا الرابط”

كل رواية ترتبط بالمنحى التاريخي الذي كتبت بها، لتصيغ رؤية الروائيّ كما يراه، وتشرح الـ أنا السائدة في ذلك العصر، فلا تقع الرواية في الواقع بل في الوجود بالكامل، فالروائيّ ليس مؤرخاً ولا نبيًّا، بل مكتشفُ وجود.

ينتقل بنا ميلان كونديرا لنغوص قليلاً برواية المسرنمون وهي ثلاثية كتبها هرمان بروخ وتتألف من:

باسنوف وتعني الرومانسية

إش وتعني الفوضى

هوغناو وتعني الواقعيَّة

تُقدم لنا هذه الملاحظات عُمق الوجود الإنسانيّ المُستخلص حين الوصول للعدم، مهما بلغ اقتناعك بعدميَّة هذه الحياة فأنتَّ تَطمح لترك شيء منك في الوجود، وحتَّى بعد موتك وانتقالك للعدم تتمنى أن تموت بشكلٍ يَليق بالوجود، فيقول كونديرا:

إذا كان مُرعبًا أن يكون المرء محكومًا بالأعدام، فإنه لا يطاق البتّة أن يكون الحكم عليه بلا سبب، أن يكون شهيد اللاشيء

يحارب كونديرا الواقع المهيمن على أوروبا بتلك الفترة، ويوجه مخالبه اليساريَّة نحو الطبقة الحاكمة، ويصفها أنها مُقسّمة إلى حاكم علويّ، وهو من يرتدي لباس القس، والحاكم الدنيوي، وهو من يرتدي زيّ العَسكر، وهذه المقارنة تتضح بالأحداث بين بطل الرواية باسنوف وزوجته التي لا تُحبه.

قسم ما وراء السببيَّة

يتجسَّد هذا الطابع الاسببي والاعقلاني والامتوقع في النفس البشريَّة، تلك التصرفات الساذجة التي نعزيها بتبريرات لا تقل سذاجة أيضًا، ويستعين ميلان كونديرا لتوضيح ذلك بقصَّة قصيرة عن رجل وامرأة لم يستطيعوا أن يعترفوا بحبهم “لسببٍ ما” وأعزوا ذلك الضعف “لسببٍ ساذج”

ولأن الإنسان طالما حاول أن يفعل ذلك، وهو ما يسميه الكاتب التعبير الغامض للفعل الإنسانيّ، تغيير لا يدرك بشكلٍ عقلانيّ، بل هو ما أعمق من أن يفسر تحت راية العقلانية، وهذا ما تسعى الرواية جاهدة لشرحه بشكلٍ فلسفيّ، ويشرح هذا التغيير الاعقلانيّ من خلال ملاحظات عن رواية آنا كارنينا.

 

قسم التعدد المعرفي الروائي والأدبي

هو مصطلح من ابتكار الكاتب النمساويّ أدالبير ستيفر، وهي النوع الأدبي الذي يتيح للقارئ مجالاً كبيرًا من الساحة المعرفيَّة في كافة المعايير،ولا تختص بالوجود البشريّ بذاته، بل كل عصر يحمل مجموعة معارف ويجب توضيحها، نستطع أن نسميها رواية علميَّة أو رواية معرفيَّة إن صح التعبير، أو من الممكن أن نصفها بأنها كتاب علميّ كُتب بطريقةٍ أدبيَّة.

“آخر روايات الروائيّ دان براون -الأصل- تمثل هذا النوع من التعدد المعرفيّ الأدبيّ”

الناحية المعرفية من الرواية تتكون من اعتمادها على المراجع العلمية والثقافية، التي يستخلص منها القارئ معرفته التاريخية والعلمية والاقتصادية والجغرافية، مثلما يستخلص منها معرفته الفلسفية والوجودية، من الممكن أن تتكون الرواية من حوار علميّ وأحداث تجري في مُختبر ما، وهكذا تكون أصدرت معرفة كاملة عن ما يجري بذلك المختبر للقارئ، وهنا نستطع أن نصفها بأدب التعدد المعرفي، وروايات الخيال العلمي التي تعتمد على مرجعية معرفية في تكوين الخيال العلمي في النص الأدبي تُعتبر من نفس هذا النوع من الأدب.

ومن هُنا نستخلص مصطلح شبيه به وهو الرواية متعددة الأصوات، أو الرواية البوليفونية؛ هي سمة من سمات السرد القصصي ونوع أدبي للرواية الحديثة الذي يفسر الواقع من عدة وجهات نظر متراكبة في آن واحد، ولا تعتمد فحسب على وجهة نظر وحيدة. ويصبح الواقع بداخلها أمرًا معقدًا للغاية، ولا يحاول فقط إعادة إنتاجها ولكنه يهدف إلى استبدالها داخل محيطها الأدبي، حيث تطيل السرد أكثر مما هو معتاد وتصبح الرواية عملًا كونيًا، ونستطع أن نأخذ روايات من الأدب الروسي، مثل رواية الأخوة كارامازوف للروائيّ ديستوفيسكي، هي رواية تضاربت بها الأفكار والآراء ووجهات النظر بشكلٍ واضح، ولم يتبنى الكاتب وجهة نظر منهم، بل كان روائيّ يَعتمد تعدد الأصوات المتضاربة في روايته.

قسم حوار حول الفن والموسيقى

برأي كونديرا أنه لا فرق كبير بين المقطوعة الموسيقية الكبيرة زوبين الرواية الكبيرة، بل الاثنين يعكسون فنّ عظيم يعتمد على نفس المنطلق من التركيب، يصف ذلك من خلال المزج بين تركيبة البوليفونيا، التي هي التطوير المستمر والمتزامن لصوتين، أو عدّة أصوات مرتبطة فيما بينها على نحوٍ تام، وهكذا تحتفظ باستقلاليتها وكأنها قطعةٌ واحدة. والأمر لا يختلف عن الرواية، أو ولنقل البوليفونيا الروائيَّة، ولهذا يَجب أن تكون الرواية تَحمل نفس النمط الموسيقيّ، وسوف يُكمل كونديرا شرح هذه الفكرة، وكيف يمكن لنا مزج الرواية مع المقطوعة الموسيقية.

يتبع بالجزء الثاني من المقال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد