هذا الجهد الفكري العلمي التنظيري، ليس عنوانًا واحدًا يمكن دراسته بأسلوب النقد التفكيكي، أو إعادة بناء معرفي نظري مجرد، فهو خلاصة تجربة استقصائية وحقلية، وتنظير تأملي في موضوع خلافي أصلًًا، يمتزج فيه الواقع العملي، ومتطلبات الدراسة النظرية لظاهرة قديمة متجددة، هي علاقة الدين بالسياسة، أو بالأحرى، الاستغلال الديني للسياسة، وبالعكس، وما نشأ عنها، ومنها ظاهرة ما يسمى «الدين السياسي» الذي هو وجه واحد من ظاهرة أكبر، هي مفهوم السيادينية.
ليس المهم أن يتم ترتيب المواضيع بشكل يوحي إلى وحده بنائية مترابطة ومتسلسلة تهتم بالمنهجية الشكلية الأكاديمية أكثر من اهتمامها بالمنهجية الموضوعية، في هذه المحاولة ربطنا بقوة بين موضوعين مختلفين في الشكل والطرح والكيفية، لكنهما يشتركان في وحدة الموضوع، كما يشتركان في العنوان الرئيس، وهو ربط الدين بالسياسة أو بالأحرى انطلاق الواقع السياسي من أس ديني أو بالعكس.
في الباب الاول تناولنا حوارًا فكريًا جرى بين فهمين مختلفين، ومتعارضين. كلاهما استند بالتبرير والتعليل على خلفية دينية، بالرغم من أن عنوان الموضوع الرئيس كان جدلًا سياسيًا أو محاولة لقراءة سياسية لواقع إشكالي مشوش؛ نتيجة الاضطراب الاجتماعي للأمم أو المجتمعات التي يكون فيها الدين محوري معرفي، أو يلعب فيها الدين دور الشرطي الاجتماعي.
الحقيقة التي لا مناص من ذكرها والإقرار بها، هي أن الدين، كخلفية فكرية وثقافية، يعمل ـ في الغالب ـ بالوعي اللا مباشر واللا منظور من الإدراك البنائي، ويطرح نفسه بقوة في كل المجالات الحياتية التي يعيشها الإنسان، سواء أكان في الماضي أو في الحاضر، ولا يمكن له أن يتخلص من هذه الخلفية، أو يتجرد من تأثيراتها بإرادة، دون أن يصطدم باللاشعور العقلي الذي يتسلل من خلال توارد الأفكار العميقة حين تفعل وجودها الدافع والمثير في رسم تفكير الأنا وخطوط مسيرتها الوجودية، أو من خلال بسط الفكرة ذاتها كواقع فطري أو بدوي طبيعي؛ لنجد أنفسنا ندور في حلقة الدين أو ما يسقطه وعينا العميق به على الواقع.
في الباب الثاني تناولنا الإشكالية ذاتها من واقع تاريخي يتعلق بعقيدة دينية محددة ترسخت فيها القمة الدينية المبنية على قراءة مادية واضحة وصريحة تنحاز لنوع فكري فلسفي مخالف لمثالية الدين، وبذلك نتجت وأنتجت هذه القراءة مجموعة هائلة من الرؤى الفكرية المتنوعة، التي تحتضن المادية بقراءة دينية تظن أنها نجحت في خلط ما هو مثالي أخلاقي روحي بالعنصر المادي الحسي الجوهري في الحياة.
ما يربط الباب الأول بالباب الثاني هو كيفية تسخير الحس الديني بالسياسة، أو بالأحرى هو كيفية تسخير السياسة لبسط وجهة نظر دينية تنحاز للواقع أكثر من انحيازها للدين، كمفهوم معرفي واجتماعي، وأيضا فلسفي.

الدين هو مجموعة الوسائل والقيم والمحددات التي تخاطب العقل تحديدًا؛ لتجعله قادرًا على فهم حركة الوجود، وتسيره ضمن مبدأ الأصلحية والأحسنية، دون أن تهتم بمراعاة الجزئيات في ذلك، لكن الغاية الأساسية منه هي توفير بيئة أكثر إنسانية وأخلاقية للإنسان من واقع يراه الدين مختلفًا.
هنا، الدين، إما أن يكون ندًا للأخلاق والعلم، ومضادًا حقيقيًا للتزييف والانحراف، وعدم الإصلاح بمعنى الفساد، وما ينشأ من تداعيات من هذه المحددات، ويقود العقل الإنساني للمواجهة الحقيقية؛ انتصارًا للإنسان، بشرط أن يحتفظ بمشروعيته الأساسية، أما لو تخلى عن هذا الدور، وانساق بتفسيرات وقراءات بشرية مصدرها الأنا الذاتية المتزاحمة في واقعها، ومع واقعها سيكون الدين وصاحب الدين مجرد لعبة في يد الإنسان، يستثمرها في الكسب السياسي، والمادي النفعي الذاتي، وينتهك فيها علية ومبررات وجود الإنسان.
في البابين أيضا، هناك قراءة مشتركة، تتيح للقارئ، والمتتبع للدعاوى والأفكار التي تسخر من الدين، وتطالب بإبعاده عن واقع الإنسان، وإبدال القواعد الأخلاقية والمثالية فيه بأفكار ورؤى إنسانية بشرية ووضعية، هو يعيد صياغتها، وعلى أسس حداثية، كما يزعمون، أقول من باب الجزم: من يفشل في ترجمة إرادة الإصلاح، ومنهج الإعمار، والتعارف، ليس قادرًا على الإتيان بأفضل مما بين يده، وليس كل دعوة فكرية أخلاقية تملك مقومات النجاح، كما، وليس كل رؤيا يمكنها أن تنجح في إجابة إشكالية الوجود، إن لم تكن تتفاعل بالكامل مع شقي الوجود، وهما عالم الروح وعالم المادة، ومعلوم أن الجانب الروحي لا يمكن معالجته بالوسائل المادية .

في معنى السياديني

السياسة والدين من أدوات التحكم البيني متعدد المستويات الفعلية داخل المجتمع البشري المنظم فقط، ومنذ القدم، وبينهما وشائج الترابط أكثر من خلافات المبدأ، وتناقضات المصالح أحيانًا، فهما يمثلان سلطة القوة، وقوة التحكم الفوقي، نشأت السياسة من روح المجتمع المنتظم على قاعدة المصلحة المدنية بحكم الضرورة، ولضرورات التحكم الرأسي أبتدأ من سلطة الأب داخل الأسرة، وصولًا لقمة الهرم الاجتماعي، كما نشأ الدين أيضا من ضمن مجموعة مشابهة لهذا النمط من التصرف الجمعي، ولكنها ارتبطت بالكثير من القيم الغيبية، وبمجموعة محددات، منها: الأخلاق المستحكمة على قاعدة الحق والباطل، ومفاهيم الخير والشر والحياة والموت والخوف والقلق، ارتبطت وتشابكت وتداخلت العلاقة المستمرة بالدين والسياسة، أو استغلت هذه المفاهيم، مرة للتسويق، ومرة للتبرير، وفي أحيان كثيرة لبسط وجودها الأصلي، وهو تسلط الأنا، وسلطتها المزاحمة.
حتى على الكثير من المتخصصين صعبت اليوم القدرة على الفرز بين الدين والسياسة، برغم التجربة المرة التي عانى منها الإنسان، حين جعل الاثنين في سلة واحدة، أو حين خلط بينهما، دون أن يكون مختارًا في أحيان كثيرة، ومريدًا لهذا الاختيار في أحيان أخرى، هذا الخلط سبب له أن يثير مجموعة من الإشكالات الفكرية والمصاعب بالتوفيق بين أخلاقيات الدين، وبرغماتية السياسة، هنا لم تعد للحدود بين البرير، والتقرير مجال, ولم يعد من الممكن فصل الدين عن السياسة كون السياسي مستعد للمتاجرة بأي شيء لتحقيق هدف سياسي كلي أو جزئي.
في السياديني يتمدد المفهوم ويتحدد وفقًا للمصلحة، دون أن تحتفظ السياسة ببعض المفاهيم، بحدود واضحة عكس الدين في مفهومه الاجتماعي الذي يعني القواعد الأخلاقية الملزمة بالرضا أو بالقهر، هذا التناقض، لم يمنع السياسي من استغلال القواعد الدينية؛ طالما يجد من بين المؤسسة الدينية من يسخر له الطبيعة الفكرية للدين؛ كون قواعده تتداخل فيها أحيانًا قواعد الإلزام بقواعد النصح والإرشاد، فيستبدل هذه بتلك، وتلك بغيرها، حتى أصبح الدين السياسي اليوم مجموعة من الأفكار السياسية، بثوب قس أو إمام أو كاهن.
لم تكن فكرة السياديني ملتصقة بالأديان الوضعية، كما يتوهم الكثيرون، بل هي تجربة إنسانية رافقت البشر منذ عرف الدين، وعرف السياسة، وحينما كانت الآلهة تتزاوج وتلد ملوكًا وساسة وقادة في كل الديانات القديمة، بل كانت بعض هذه الآلهة ساسة، وبعض الساسة تحولوا آلهة، ويكفينا أن نقرأ الأساطير القديمة من بابل وسومر، مرورًا بمصر إلى روما وأثنيا، وغيرها من عوالم الوجود القديم؛ لنرى هذا التشارك بينهما متلاحمًا.
وحتى في المجتمعات الطوطمية والبدائية، دومًا الزعيم المتسلط هو جزء من مفهوم الرب، جزء من حكاية الدين، بل إن الدين يجري في عالم السياسة الاجتماعية مجرى الفلك نحو المركز، هذا لا يعدو أن يكون أمرًا طبيعيًا في مجتمع مبني على الخشية من سطوة رب الدين، وليس من سطوة السلطة، فهو قادر على التمرد عليها، بغياب الحس الديني، لذا نجح من وعى هذه الحقيقة في جعل الدين الدرع الأساسي الذي يحمي السياسة، ويقود به رباط المجتمع من غير تكاليف باهظة، طالما أن الرب هو من يتحمل الخطايا أخيرًا.
بقيت المجتمعات تعاني من فساد الدين وفساد السياسة، حتى أصبحت كل دعوة دينية لا تركن للترابط العضوي الذي صنعته حركة السياسة في فكر الدين، وفي وعي الناس، مجرد فترة لا تعد من التاريخ؛ لضآلة ما تعيشه من عمر زمني، لتتحول بفعل عوامل قوة وحدة حركة الأنا في ذات الإنسان المتسلط، لتجر الدين إلى وحل الأنانية، وإخراجه مهزومًا أمام قوة الثابت التاريخي المختصر في عبارة «لا سياسة قوية، بدون دين ضعيف، في مواجهتها»، هذه الخلاصة لا بد لنا أن نربطها بمحصلة أخرى، أنتجها عصر التنوير في أوروبا بتراكمات إنسانية شارك فيه الديني والفلسفي، وتوصلت لنتيجة مهمة، هي أن الدين عامل عام، واحد من أهم أسباب فشل الإنسان في التحرر من زي السلطة وتحايلها على حق الإنسان بالحرية والمشاركة والمساواة، وأن الحل يكمن بإبعاد الدين عن السياسة؛ لتعرية الأخيرة من ثوب القداسة، وبالتالي سلخ المبرر الذي تستتر به بمواجهة المجتمع.
كان شعار صيانة حرية المجتمع بتجريد السياسة الممثلة بمؤسسة السلطة من المبرر الديني، الذي يمنحها التمجيد والمنعة بمواجهة استحقاق الإنسان لحقه الطبيعي بالحرية، هو الطريق الوحيد الذي يمر من خلال عزل الدين في عنوان ضيق، ومنزو، ومحاط بالشبهات والشك، وعنوان لمرحلة تأريخية امتدت لهذا اليوم، تتصارع فيها فكرة «الدين لله» وفكرة «الدين من الله»، دون أن تنجح أيا من الفكرتين في إعلان انتصارها الحقيقي على أرض الواقع.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، ولا يجد على الدوام إجابة مقنعة، هو: ما هو سر التناقض المزعوم بين الدين والسياسة، طالما أن كليهما من أدوات الضبط الاجتماعي، ومن وسائل الانتظام المدني، ومن العلاقات الطبيعية التي تتواءم مع كونية المجتمع البشري القائم على فكرة أن المدنية قيمة أصلية فيه، وأن الإنحرافات السلوكية التي تنتج من ممارسة الدين والسياسة هي النقيض للطبيعي للتمدن؟ الحقيقة المرة أن السؤال هو جواب خفي وأن كثرة التساؤل لا تعني عدم القدرة على إنتاج إجابة محددة.
يفترض البعض أن الدين قيم وأن السياسة معالجات واقعية قد لا تكون في أحيان كثيرة صالحة لأن تمثل وتنبسط للقيم المثالية الدينية، وبهذا، فالواقع هو من يتحكم بالسياسة، وليس القيم المثالية، في حين أن الدين يفترض عالمًا خياليًا خاليًا من غير المتوقع، ويعيش في واقع هو ما يصوره، ويصيغ شكلياته، وبالتالي، فالحلول التي يطرحها الدين غالبًا ما تكون حلولًا خيالية، لذا فلا يمكن ربط الدين بالسياسة، ولا يجب للسياسة أن تنصاع للمفردة الدينية.
الواقع الذي لا ينكر أن التنظير الفكري ـ أحيانا ـ هو الذي يصيغ عالمًا مثاليًا، ويبسط مفرداته التأملية على واقع غير حقيقي، ومن هنا فليس التنظير المجرد هو ما يقرر الأصلحية وعدمها, التجربة الحسية بقوانينها المجردة هي ما تملك الحق في ذلك، والتجربة الحقيقية التي تجعل من الدين ضابطًا للسياسة في فترات معدودة، عندما كان الدين معافى من التداخل البشري تثبت أن نظرية التعارض مجرد خلط وتحر، وكان على دعاة الفصل بدلًا من ذلك أن يهذبوا التعاطي السياسي بالحس الديني من خلال تقديم الأخلاقيات الإنسانية، بدلًا من فرض الواقع، كمقياس للصحة, المنحرف في سيره والخاضع للتبدلات الأنانية لا يمكن أن يكون قانونًا معياريًا لقياس التوافق الصحيح.
الجواب المضمر في التساؤل هو أن العوامل الضابطة لحركة المجتمع والمنظمة لنشاطه بغض النظر عن مصدريتها يجب أن تتحول إلى منظومة تكامل تسعى وفق منهجية تتلمس الإصلاح الاجتماعي، وتتقيد بمنطق أن المصلحة العامة، والتي تتناسب مع وظيفة الإنسان في الوجود، هي المقياس الذي نحتكم له في المتعارضات العملية، وليس الواقع المادي الراهن؛ لأن الإنسان أساسًا موجود بفلسفة تتمحور حول حريته في الحركة للأمام، وبالتالي تقيده بالواقع ومتطلباته، إنما يعني أننا نركن للانحراف، ونتعبد، سواء بالسياسة أو بالدين، لواقع الأنا المنحازة لذاتيتها التي صنعت هذا الواقع وجسدته كوحدة معيارية.
الخطأ ليس في الدين، وليس في السياسة، الخطيئة في وعي الإنسان، وبدورهما في الحياة، وتحديد مسارات هذا الوعي وتقييده بالضوابط العقلية، الخطيئة عندما تخرق القيم بدواعي المصلحة، وليس بدواعي الحق والخير والجمال، الإنسان مكيف ومكون على أن ينصاع لقوانين تضمن له العيش المنتظم، وتضمن له حق الحرية التي تتفاعل مع وظيفته الأساسية، لكنه أيضا سرعان ما يتمرد على هذه الكونية والكيفية، ويحاول أن يبحث عن مبررات وهمية خارج طبيعة التكوين؛ لأنه يعلم ويعي أنه على خطأ يلجأ لكل ما هو غير حقيقي، وغير طبيعي، ليستمر بمنحنى التزييف، وليذهب في الآخر ضحية هذا المنهج الضال.
إن الوعي بمشكلة التعارض وفهم حقيقة الخلاف والاختلاف الناشئ من عدم جدية الإنسان في البحث عن حلول ممكنة تتراوح بين التنسيق بين الدين باعتباره وعيًا متقدمًا وعمليًا خارج تدخل الإنسان في تغيير المراد القصدي الأساسي منه وبين السياسة؛ كونها ترجمة لمجموعة الأفكار والرؤى التي تضبط إيقاع المجتمع، بما لا يمنح للفوضى فرصة التغلغل في حقيقة تمدن المجتمع المنتظم بقانون البقاء لأجل الإصلاح، والتطور والاستفادة من العامل الروحي الذي يمثله الدين في تعزيز آليات الانتقال من الواقع اليومي إلى حالية التجدد الذي يمنح قدرًا أكبر للإنسان من إشباع حاجات أساسية، ورئيسة تتفرع من هرمية الحرية، وتتغلغل إلى تفصيلات أدق وفق وعي شامل للحياة أنها تجربة إيجابية لا تتكرر.

فهرست الكتاب

5. المقدمة.

9. في معنى السياديني

17. الباب الأول _الرب والسياسة ومصالح القوة.

19. المقدمة الأولى.

25. مبحث تقديمي _مصادر القوة ومضاعفات التفرد.

37. النظام العالمي _ الجديد ومقاربة الصراع
والسلم.

49. عن حوار الجدران

67. الحوار ومبدأ التواصل.

75. الرب السياسي.

87. التعصب الحضاري ومشكلة _ أنا وأنت

97. حق الاستباق حق الرب النقي.

107. حوار أم دوار.

113. الباب الثاني _ الجذور التاريخية للفكر المادي.

115. المقدمة الثانية

119. أساسيات التغيير

123. نتائج التغيير.

129. العلمانية والحداثة.

133. دور الفلسفة في التغيير.

139. الفكر الاسرائيلي ودوره في بناء المادية.

145. الفكر الاسلمي وتأثيره على أوربا.

153. البرغماتية الكهنوتية.

159.العقلنية التاريخية وتصادمها مع المادية
التاريخية.

167. الخلاصة.

182. الفهرست

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد