استهل الكاتب كتابه بمقولة من أجمل ما قرأت:
Le bon sens est la chose la mieux partagée au monde
بمعنى أن الحس السليم، أو بالأحرى العقل هو الشيء الأكثر مشاركة بين الناس.
و في هذا إشارة إلى أنه لا يؤمن بمونوبولية الفكر إن صح التعبير. وفي موضع آخر يقول بوضوح أكثر:
La diversité de nos opinions ne vient pas de ce que les uns sont raisonnables que les autres, mais seulement de ce que nous conduisons nos pensées par diverses voies, et ne considérons pas les mêmes choses. Car ce n’est pas assez d’avoir l’esprit bon, mais le principal est de l’appliquer.
بمعنى أن تنوع الآراء الحاصل بين الأفراد، ليس نتيجة أن طرفًا أعقل من الطرف الآخر، لكن هذا نابع من كيفية تفكير كل طرف على حدة، فلكل قواعده، أسسه وقيمه التي يرتكز عليها.

كتاب حديث الطريقة هو حديث بين الكاتب والقارئ في إطار مشاركة طريقة تفكيره ومنهجه المتبع للوصول للحقائق. الكتاب

ينقسم لستة أجزاء صغيرة الحجم، حيث أن الكتاب في مجمله لا يتجاوز المائتي صفحة.

و قبل أن أعطي نبذة عن الأجزاء الستة، أحب أن أشير أن ديكارت ليس فيلسوفًا فقط، بل له إسهامات عديدة بالرياضيات، البصريات، الأخلاق، … بخلاصة موسوعي.

في كتابه «حديث الطريقة» بدأ ديكارت بسرد وجهة نظره حول مختلف العلوم والمدارك، حيث قال إن الشعر والبلاغة لا تكاد تكون سوى مواهب نفسية. الرياضيات مع ما لها من الوثاقة والوضوح لم يجد لها تطبيقًا إلى في الميكانيكا، وهذه تهمة كبيرة في حق الرياضيات، فالرياضيات لم تعد تلك المعادلات البسيطة التي تفضي لنتيجة معينة، بل هي طريقة تفكير، وإسهاماتها لم تعد مقتصرة على جانب العلوم الحية، بل تجاوزتها للعلوم الإنسانية. أما الدين فيقول صاحبنا أنه يحب الجنة وفي هذا إشارة لتشبثه بالدين. كما أنه يقول عن العلوم الباطلة أنه تجاوز مرحلة أن ينبهر أو يقع عرضة خديعة هذا النوع من العلوم. ويقصد الخيمياء – وهذا الأخير هو مجموعة من الممارسات التي كانت تمارس بحثا عن الإكسير، حجر الفلاسفة، التنجيم، …

هذا عن الجزء الأول، أما في الجزء الثاني فقط سرد ديكارت مجموعة من أصول القواعد التي يتبعها في منهجه:

1- «لا نقبل شيئا على أنه الحق ما لم نتأكد من ذلك» وبالتالي فالمسلمات لا مكان لها بمنهج ديكارت.

2- «تقسيم كل معضلة إلى أجزاء على قدر المستطاع»

3- «تسيير أفكارنا وفقا لنظام مع مراعاة التدرج بدءًا بالأبسط، حتى نصل للمعرفة اليقينية».

4- «القيام بالإحصائيات الكاملة تجنبا لإغفال شيء ما»، وهنا وجب الوقوف عند هذه النقطة، فهي واحدة من معضلات مجتمعات العربية، التكلم في ما لا نحسن أصبحت واحدة من سمات الفرد العربي الذي عرف كل شيء بمجرد سقوطه من رحم أمه، تجعله محللا رياضيا، مرشدا دينيا، استراتيجيا عسكريا، محللا سياسيا وما إلى ذلك.
سيدي العربي، اتخذ من هذه النقطة منهجا لك، لا تتكلم إلا في ما تتقن، وقول «لا أعرف» ليست عيبًا بل برهانًا عن نضج فكرك.

ننتقل الآن للجزء الثالث، حيث عرفنا ديكارت عن بعض القواعد الأخلاقية:

1- «يجب إطاعة الإنسان لقواعد بلده، احترام عاداته وتقاليده وأن يثبت على الدين الشائع في مجتمعه»، وهذه النقطة بالضبط في نظري مخالفة لمنهج ديكارت التشكيكي، وبالأخص نقطته الأولى في الفصل السابق التي تشير لضرورة عدم قبول فكرة ما دون التحقق منها. وبقليل من التفكير سنجد أن العادات، التقاليد، أو حتى الدين ليست كلها على حق.

2- «أن يثبت في العمل ويتجنب الشك والتردد في سياسة حياته»، بعد قراءتي لهذه النقطة، أحسست أن هذه النقطة موجهة للإنسان العربي عامة والمغربي خاصة، كأن ديكارت يعرف صعوبة الحصول على عمل، ويعرف أن الحياة اليوم تعرف تقلبات، فالشخص أصبح مؤمنا بأفكار ومشاريع، فلا يمسي إلى وتلة من أفكاره تتهدم أمام عينيه. لكن هذا ليس منهجا لإدارة الحياة، حياة الشخص لا تتجاوز 60 سنة، وليس من العدل، إضاعتها في عمل روتيني مميت أو حياة رتيبة، بل الأحرى العمل والحياة وفقا لقيم ومبادئ، ولو تطلب الأمر، البقاء دون عمل.

3- «أن يجتهد في مغالبة النفس والحد من رغباتها»، وهذه ليست بغريبة عنا، فالدين الإسلامي أحد الداعين لتنقية النفس وترقيقها.

بعد سرد النقط السالفة الذكر، انتقل ديكارت لتطبيق منهجه الشكي راجيا الوصول لحقيقة ذاته إضافة للذات الإلهية.
بدأ بتجاهل كل ما يعرف، وكنتيجة للتفكير بذاته بطريقة عقلانية توصل لكنه ماهيته التي ارتبطت بالتفكير، ومنه جاءت مقولته:

«Cogito ergo sum أنا أفكر، إذن أنا موجود»  هذا عن ذاته، لكنها لا تخلو هي الأخرى من النقصان، وهنا بدأ التفكير بالجمال المطلق، الخير المطلق، … الشيء الذي سيقوده للتفكير بذات تجمع هذه الصفات، أطلق عليها الذات الإلهية. وهنا سيكون قد برهن عن طريق منهجه التشكيكي العقلاني بوجود الإله.

أما ما تبقى من الكتاب، فالجزء الخامس ما هو إلا هرطقات علمية لو عرضناه على العلم الحديث، فديكارت بنظرته المكانيكية للكون والإنسان، يشرح طريقة عمل القلب ويدعي أن الفرق بين الذات الإنسانية والحيوانية، أن الإنسان عبارة عن جسم ونفس. أما الحيوان فشبهه بالآلة بدون نفس.
كما اختتم كتابه بإعطاء رأيه حول أهمية دراسة الطبيعة، ما سينتج عنه فهم للطبيعة دون إهمال فهم الذات الإنسانية أكثر.
كتاب «حديث الطريقة» من أجمل الكتب صراحة التي تؤسس للمنهج العقلاني، وجدير بالذكر أن التشكيك ليس وليد ديكارت، بل سبقه أبو حامد الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» وهو الكتاب الذي يقال أن ديكارت استقى منه الكثير. كما تجب الإشارة أن منهج ديكارت التشكيكي هو منهج الشك البناء الذي يبتغي البحث عن المعرفة.

هنا أكون قد أنهيت القراءة، موعدنا كتاب آخر وفكر من طينة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كتّاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد