قال ابن خلدون – طيّب الله ثراه – في مقدّمته الشهيرة: «إن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه و نحلته و سائر أحواله و عوائده».

يمكن القول: إن عماد كتاب «سلطة الثقافة الغالبة» قائمٌ على هذه القاعدة، يناقش المؤلف ويستعرض كيف تأثَّرت وخضعت النخب الفكرية العربية الإسلامية لسلطة الثقافة الغربية، وكيف حاولت أن تواكب الثقافة الغربية بالعبث في التراث الإسلامي والعمل على تطوير الوحي ليتوافق مع الذوق الغربي، وأنَّ العالم الإسلامي العربي قد خرج من احتلالٍ عسكري إلى آخرٍ ثقافي.

ومِمّا وقفتُ عليه في الكتاب ما جاء في: التجديد، وحد الردة، والمرأة.

باب التجديد

قال فيه: «إنما معنى التجديد عندهم تحوير وتعديل الأحكام الشرعيّة لتتفق مع ثقافة الغالب، وأنّه يجب تغيير أحكام الإسلام وتطويرها لتتناسب مع الذوق المعاصر».

فمثلًا نجده قد حصر التجديد في «تغيير مناسك الحج وصيغتي الصلاة والصوم، وتحليل الخمر والربا والقبول بإقامة علاقات بين الذكر والأنثى قبل الزواج».

ولا أدري أيخاطب المؤلف مسلمين عاقلين عرفوا الله وآمنوا به وبرسوله، أم أناسًا لم يفقهوا بالإسلام شيئًا ولم يقرءوا قرآنًا أو حديثًا؟ هل يوجد مسلم عاقل عرف الله ورسوله حق المعرفة يطالب أو يرضى بالذي ساقه المؤلف من أمثلة على أنها تجديد؟ أم أنها محاولةٌ لاجتثاث مفهوم التجديد من الفكر الإسلامي، وإلصاق كل صورةٍ فاسدة وأمثلة باطلة به، والقول إن هذا هو التجديد؟ وأنّهُ لا حاجة لنا إليه، فضلًا عن أن يكون لنا فهمٌ ومقدرة عليه، عملًا بالرأي القائل: إن السلف لم يترك شيئًا للخلف.

إن التجديد أمرُ ضروري مطلوب، نحتاجهُ ومطالبين به في كلِّ عصرٍ وزمان، والتجديد الصحيح هو الذي يكون مضبوطًا بالوحي والسنة، وهو كما عرّفه الأستاذ محمد أبو موسى: «هو تناسل الأفكار من رحمٍ واحد، فكر اليوم من رحم الأمس، لكنه ليس كفكر الأمس». هذا هو التجديد القويم، والذي نرتضيه، تجديدٌ يتعامل مع إشكاليات اليوم، إشكاليات لم يسبق لها أن وُجِدت كالدولة القوميّة والمواطنة والنظام الرأسمالي والانفتاح المعرفي والثورة الرقميّة والنظام الدولي الجديد، إلى آخر الإشكاليات والظواهر الحديثة.

قضية المرتد عن دين الإسلام

أما في قوله عن وجوب قتل المرتد فلا أوافقه فيه، وأرى أن للإنسان الحريّة الكاملة في الإيمان أو الكفر، ما دام لم يحمل السلاح على الدولة، فلا يقتل الإنسان لمجرد خروجه من الإسلام ولا يحق لأحد أن يقتله ما دام مسالمًا، وهذا ما ذهب إليه الأستاذ الفقيه أحمد الريسوني.

حول المرأة

في الجانب الذي تناول فيه هذا الموضوع، أودّ الإشارة إلى تناقضٍ قبل التعليق على ما ورد في هذا الباب، إذ يقول: «كما ميَّز الله الرجل على الأنثى في آيات قرآنية متعددة، فقال في القوامة: «الرجال قومون على النساء»، وقال في الميراث: «يوصيكم الله في أول للذكر مثل حظ الأنثيين»، وأعطى الطلاق للرجال: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ»، وهذه الآيات لا يفهمها العقل الغربي المعاصر أيضًا، وينفر منها، ويرى فيها معاملة تمييزية».

الإشكال في اعتراف المؤلف في البداية أن الله ميّز الرجل على الأنثى، ومن ثمّ احتجاجه على النخب التي تعظّم الذوق الغربي بالآيات التي تناولت موضوعي الرجل والمرأة في القرآن الكريم بأن نظرة العالم الغربي إليها لن ترى فيها إلا تمييزًا وتفضيلًا للذكر على الأنثى وعدم مساواةٍ بينهما.

فإذا كانت رؤية الغرب لهذه الآيات تمييزية كما ذكر، والله ميَّز الرجل على الأنثى كما ذكر ذلك أيضًا؛ فأين وجه الاحتجاج الصحيح والاختلاف الصريح؟

ومن ثمَّ، فالله لم يميّز أحدًا على أحد، ولم يجعل للذكور فضلًا ومرتبة على الإناث، والعلاقة بينهما ليست محكومة بالتفاضل، إنما بالتكامل، ومقولات التمييز والفضل هي نتاج موروثات باطلة ونزعات وتصوُّرات مُلِئ بها التراث، ناتجة عن تقاليد الجاهلية وعاداتها، وليس المكان للتعرض للآيات الواردة في هذا الشأن وبسط الأقوال حولها.

يُلاحظ أن المؤلف قد شدّد القدح والذم على من وصفهم بالنخب والمفكرون الحداثيون، ومن المعلوم أنَّ من كل فئةِ وجماعة هناك الجيد والسيئ، الصالح والفاسد، ومن الظلم وليس من الإنصاف بمكان التعميم وشمل الجميع.

هذا جزءٌ مِمّا وقفت عليه في الكتاب، كان لا بد من الحديث عنه والإشارة إليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد