إنها كتبي

أعرفه والهموم تركبه؛ فالأزمات تحيط به، والخسائر في التجارة والدراسة تتوالى عليه، لكنه اليومَ مشرقُ الوجه سعيدٌ، فما ترددت: طمني عسى أمورك المالية تحسنت؟! فأجابني على الفور: لا؛ والحمد لله، لا جديد، وإن كنت تسألني لما تراه من فرحي، فذاك لأمرٍ أهمّ من المال؛ إنها كتبي!

كنت أعرف أنه أُبعد عن بلد إقامته ودارسته مُكرهًا، وخلّف وراءه مكتبة تربو على 4 آلاف عنوان، وهي أغلى عنده من كل ماله.

فمضى بنا الحديث فصار يترنّم بقول الشاعر:

قد يَجمعُ الله الشتيتَين بعدما .. يظنّان كل الظن أن لا تلاقيا

وفي حالتنا السورية جرّبنا كل شتات، ومضى اليأس بالنفوس حتى قاربت شفا جحيم اليأس، لكن الله يقيّض لنفوسنا المرهقة كل حين مطرًا يغسل عنها اليأس، فينبت فيها الأمل من جديد، فتخضرّ وتزهر لتبدأ فيها حياة من جديد.

ولو نظرتَ فينا – نحن السوريين- لوجدتنا باكين الشتات ومرارةَ الفراق؛ فواحدٌ يبكي فراق أمّه، وثانٍ يبكي فراق زوجه وأطفاله في بلدٍ مُنع من الوصول إليهم فيه، وثالثةٌ تئنّ وحدَها في الليل لا تجد مَن يمسح دموعَ فراقِها أبناءَها في القبور وفي المعتقلات، وعاشرة تسأل ربَّها الفرج لتجتمع مع زوجها وقد رمَى به البحر بعيدًا في بلاد الضباب!

فالكل يبكي ويئنّ، يبكي أروحًا لا أشباحًا فحسب، فإن قيل في بكاء ما خلا من روح فتلكم أوجاع لا يحيط بها العدّ ولا يجمعها إحصاء!

فهل نبكي بيوتًا أكلت منا زهرة أعمارنا حتى استوت بزينتها وفرشها؟! أم نبكي مزارع وبساتين زرعنا فيها أحلامنا قبل محاصيلنا؟! أم نبكي محلات وتجارات ورثناها كابرًا عن كابرٍ؛ فهي سيرةٌ أجداد وآباء وأبناء؟! أم… ويطول العدّ ويرهقني النسيان ألا يأتي فأرتاح! فمَن سلمَ له أهله أُصيب في ماله، ومَن أدركَ شيئًا فأمّنه فاتته أشياء خسرَها يبكيها.

ولا ضيرَ في البكاء؛ فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا. فهل كلّ البنين أحياء لهم أرواح؟! أليس لنا أبناء وبنات هنّ منّا مثل قطع أكبادنا؟! بلى، بلى. تلك هي كتبي.

فإن جئت أصفها ضاقت بي الكلمات، لأن كلماتي تاهت فيها، فتناثرت من ذاكرتي حينما فارقتها، وإن جئت أمدحها أُرتج عليّ لأن المدح يقصر دونَها ففيها المدح وكل أغراض القول، وإن جئت أبكي فراقها منذ 9 محرم 1437 خنقتني الدموع؛ فذاك عُمرٌ طويلٌ. ما زلت أثمّرها كتابًا إلى كتابٍ، خزانةً إلى خزانةٍ، حتى استوت نحوًا من 10 آلاف مجلد، ولله الحمد والفضل.

وابتلاني الله -ولله الحمد على كل حال- فخسرتُ في تجارتي ثمرة عمري لسنين طويلة خلت؛ فاسترجعت وحمدت الله واجتهدت في النسيان، لكنني مذ أُصبتُ في كتبي فحُرمت منها كان البلاء والكرب؛ فلا نسيانها أستطيع، ولا على بعادها أقوى.

فما زلت أطرق الأبواب، مرةً بالمال وأخرى بالجاه والشفاعات، فهذا يدفعني وذاك يماطلني، وآخر يهزأ بي أن أطلب كتبًا وأدفع فيها والناس تعضدّ على القرش تدّخره؛ وأعذرهم، فقد صدق مَن قال:

لا يعرف الشوق إلا مَن يكابده … ولا الصبابة إلا مَن يعانيها

فداومتُ الإلحاح مع الدعاء، حتى منّ الله عليّ وأكرمني بفضله وكرمه، ثم بجهود إخوةٍ -لا عدمتُهم من أفاضل عزّ الزمان بمثلهم- فحُملت إليّ عبر الدول، برًّا وبحرًا، وأنا أرقبها تحبو إليّ كأنما هي ولدي، أفرح كلما اشتدّ فمشى أكثر وهو يقارب حضني، فنسيت مع وصولها كلَّ ما تكلّفته من مال وجهد، كما ينسى الأبوان مع أول صرخةٍ لمولودهم كل الهموم والأوجاع.

إنها كتبي!

الأم الحنون؛ فتلك الأمّ تغذي أبناءها لبنها لتقوى الأشباح، فيؤدّون ما كُلفوا به، وهذه تغذي الأرواح ليعرفوا التكاليف، فيقومون بأمر الله على نحو ما أراد الله؛ فهي كتبي وهي أمّي.

إنها كتبي!

الصديق الصدوق، وقد قيل: صديقُك مَن صَدَقَك لا مَن صَدَّقَك؛ فإن ضجَّتْ حياتنا بالكذب والنفاق، واختلط الأصحاب بالأعداء، فما عدتُ أعرف حقًّا صديقي من عدوي؛ هرعت إليها أبثّها أوجاعي لأنها صديقتي، فلم تكذبني ولم تخدعني، وأبانت لي الحدود وعرّفتني الأشياء حلّها من حرامها، وصحيحَها من سقيمها، حقًّا حقًّا: وخير جليس في الأنام كتابُ؛ فهي كتبي وهي صديقي الصدوق.

إنها كتبي!

عائلتي فيها الصغير يرضى بالكلمة والقرش، وفيها الكبير يُحوجك لساعات وساعات حتى تقضي منه ما تريد. فيها الذكر تكلّمه وتقسو ليفهم عنك، وفيها الأنثى ترقّق لها القول لتقبل منك، وإن أنت قسوتَ نفرتْ وأعرضتْ. وما كتبي من ذاك ببعيد؛ فإن رمتُ صغار العلم جلست إلى صغيرها فأخذته برمّتها ومضيتُ، وإن أردت الغوص في كبار العلم شمّرت وأخذت للغوص عُدّته، وأبحرت فيها، بل أغوص أبحث عن اللآلئ في بطونها، وقد يطول الغوص ويُرهق، لكنني لا شك عائدٌ بالنفيس الطيب. فيها الكلام الرقيق يريق دموعك وأنت تمضي في صفحاته وتحلّق في ملكوته، وفيها الصوارم المسلولة فوق الرقاب تتحفّز منتصبة في كل مسألة يأخذ بها أحد الأعلام حتى لتنتهي من الكتاب وتخرج كأنما عليك غبار معركة؛ فما أبدعَها في تفاوتها وما أروعَها في تنوّعها، فهي كتبي وهي عائلتي.

إنها كتبي: أمّي، ولا أمّ سواك يا عاليه، إنها عائلتي؛ ضممتها لزهرات حياتي فكانوا معها وكانت معهم، وإن خلا منها دفتر العائلة، إنها صديقي الصدوق؛ ولولا أصدقائي الصادقون ما اجتمعت بها. إنها كتبي؛ جمعني الله بها بعد شتات، وأكرمني بها بعد حرمان.

فاللهم لك الحمد يا ذا الجلال والإكرام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد