أكثر ما يُخفّف القهر ليس الصراخ والغضب، بل الرِقّة!

يمر المنشقون عن الجماعات الإسلامية بالعديد من الاضطرابات الإسلامية بمختلف مسمياتها بقدر ليس بالقليل من الاضطراب النفسي الخطر، يدفعهم أحيانًا إلى مزيد من العنف والكره والحقد والغضب تجاه المجتمع بكامل أطيافه، إن لم يكونوا محاطين بقدر من الطمأنينة أو الوعي الذي يقودهم إلى العودة من جديد إلى حياة طبيعية سوية.

بلا شك، كان محظوظًا، ومدينًا إلى تلك اللحظة بالفضل إلى الأدب وفنونه والموسيقى والسينما، إضافة إلى خروجه المبكر من بين أنياب تلك الجماعة بفضل فطرتة التى شكلها والده دون دراية منه، كان يراقب والده أثناء سهره على تلك اللوحات التى كان يرسمها، ويقلب فى المجلات الثقافية والفنيه التى كان يحفظها والده بعيدًا. ومتابعة نظرات والده المتوترة بعد انتهائه من إحدى لوحاته والحديث عن توقعات أصحاب اللوحات بعد رؤيتها، كما أنه لم يفسر فرحة والده بعد فوزه في إحدى المسابقات الفنية التي شارك فيها.

كان الفن هو الشيء الوحيد الذي يخفف عصبية والده الدائمة.

بدأت تنازعه روحه ونفسه؛ أيهما أصوب: الدين أم الفن؟ والده الذي يرسم لوحات عارية؟ أم الشيخ الذي سمعه ذات مرة يحرم كرة القدم! أصدقاؤه الذى تركهم فى تلك الجماعة الدنيية أم أصدقاؤه الحاليون الذين لا يدركون سوى صلاة الجمعة أحيانًا!

دفعه كل ذلك الاضطراب النفسي الكبير، إلى العزلة، ودوامة فكرية هزت اعماقه، فضلًا عن الشطحات الفكرية التى بدأت تضرب عقله، والمحزن أنه لم يجد أية إجابة لأية معضلة طرحها على نفسه. قادته قدماه إلى أحد المساجد الكبيرة بالمدينة، قائلًا بحماسة وقليل من الفرح: سأجد الإجابة هناك.. بكل تأكيد؟

جلس أمام الشيخ في وقار ساردًا عليه كل ما يدور فى عقله عن الخلق والخالق والقيامة وأهوالها وعن الكفر والإيمان والدين والفن، نصحه الشيخ بالذهاب لمعالج قرآني؛ لأنه يتوقع أن يكون مصابًا بمس من الجن.

زاد الشيخ الأمور تعقيدا أكثر فأكثر

ترك الشيخ، وسحبته قدماه إلى مكتبة كبيرة بالمسجد، بها العديد من كتب التراث الإسلامي وبعض الكتب المترجمة التي تدعو للدخول فى الإسلام. قلَّبها، لفت انتباهه كتاب إحياء علوم الدين، سر قلبه؛ لأنه يسمع عن هذا الكتاب كل الخير. بدأ في قراءته متوقعًا أن تنتهى الأزمة عند آخر صفحة في الكتاب، لكن الأمر كان عكس توقعه، زاده اضطرابًا أكثر من السابق، وحمله فوق طاقته. شعر أنه مهما بلغ من الإيمان فهو هالك لا محالة!

زاد على كتاب إحياء علوم الدين، بقراءة بعض الكتب الأخرى الموجودة في المكتبه عن الدين وفروعه، لكن لم يجد إجابة، أحس بأنه يدور في حلقة تزيد من اضطرابه ومعاناته، بدأت من الشيخ، مرورًا بالمعالج القرآني الذي نصحه بأن يتوضأ بماء بعد أن يتلو عليه آيات من القرآن الكريم، وانتهاء بكتب التراث الإسلامي، وبعض الكتب الأخرى على نفس النهج.

​خرج بعد قضاء يوم كامل في مكتبة المسجد، انتابته نوبة بكاء شديدة، جلس على أحد الأرصفة بعيدًا عن المارة، وأخذ يصرخ بكل قوة: أين الإجابة؟ هل أنت موجود؟ إن كنت هنا ألهمني الإجابة! الآن؟ أين رحمتك التى أخبرني بها رجال تلك الجماعة في السابق؟ هل أخرجتني منها؟ أأعود إليهم كي أحس بوجودك وأشعر بتلك الرحمة؟ هل لابد أن أكون متدينًا ولي رفقاء من تلك الجماعة، كي ترحمني ؟ لم يحدث كل هذا؟ إلى أين أهرب؟

ذهب إلى أحد أصدقائه المتدينين؛ طامعًا فى أن يجد عنده إجابة، أو على الأقل السكينة والهدوء قليلًا. بدأ صديقه يسمعه، بعض مشايخه الذي يأخذ منهم أمور الدين والشرع، كان أولهم محمد بن رسلان، ومحمد حسان، ومحمد يعقوب ومن على شاكلتهم، لكنها لم تزد الأمور سوى مشقة أخرى عن السابق.

فترك صديقه، عائدًا إلى عزلته، فانتبه لكتب الأدب والرويات العديدة التى كان يهملها في السابق، بدأ فى قراءتها، كان أولها رواية إدوارد والله، للروائي الفرنسي ميلان كونديرا، ثم شرع فى قراءة كل الروايات التى بدأت تهدئ من روحه، وتضعه أمام بعض المواقف الفلسفية التي أهدته بعض الهدوء النفسي، وأن الأمور لا تؤخذ على مجملها، ولابد من تفكيكها على مهل، ثم الشروع فى التفكير فيها كل على حدة. كان أول ما انتبه إليه أن الله موجود في كل مكان، وكل شيء، فهو ليس موجودًا فقط في الدروس الدينية لأفراد الجماعات الإسلامية، وأن الفن والأدب يقوم بدوره في معرفة الله أيضًا، وأن شكسبير ليس كافرًا كما أخبره شيخه فترة انضمامه لتلك الجماعة.

رويدًا رويدًا، بدأ يتجه ناحية الموسيقي، لعل حسه الديني وما ورثه في السابق دفعه إلى الموسيقى الصوفية، التى رققت من روحه وقلبه كثيرًا، ثم اتجه إلى الموسيقى الكلاسيكية، وبدأت العقده تتفكك رويدًا رويدًا، من خلال استزادته قراءة الأدب بكل فروعه والفن على مختلف أنواعه، والفلسفة التي استوعب كل تقلباته الفكرية، وعلم النفس الذي أوضح له بعض الغموض الخاصة بنفسه.

بالشك نصل، وباليقين نهلك.

شعر بأن روحه قد عادت إليه، وركن إلى تلك العزلة، لا يحيط به سوى كتب الأدب بأنواعه، والفن، والموسيقى، والسينما، معترفًا بفضلها في تخلصه من قدر كبير من المعاناة التي لاقاها في السابق، إلا أنها لم تنته، ولن تنتهى.

المعاناة باقية ومرهونة ببقاء الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

_أدب, _سردذاتي, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد