اقتصاديات الفساد في مصر

الدكتور عبد الخالق فاروق له كتاب مهم أرشحه لك لقراءته، لتكون مطلعًا على الواقع، وما يحدث في مصر بشكل أوعى، وأكثر تركيزًا مما يحدث على الساحة الآن وهو كتاب اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين. لا يقدم لك هذا الكتاب أي كلام مرسل؛ فهو يوضح لك كل شيء مما يحكي عنه، بكم من البيانات والوثائق بشكل يدهشك، ويجعل رأسك تدور، أكل هذا الفساد موجود فعلًا! لاحظ أننا نتكلم عن وقائع حدثت منذ أكثر من عقد من الزمان، ما يحدث من فساد الآن لن تستطيع دفات أي كتاب أن تحتويه!

يمكن النظر لسياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعها السادات منذ عام 1974 أنها مدخل للطابع المؤسسي لكيان الفساد في مصر الذي توج بتولي الرئيس مبارك شؤون الحكم في عام 1981 حيث بدأت تأسيس سياسات معينة من شأنها تأطير الفساد بشكل ممنهج من شأنه استهداف الأفراد والجماعات و المؤسسات بشكل ممنهج وصولًا لإفساد دولة بكاملها دب في أواصرها عفن لم يتوقف بعد استئصال الرأس، بل تراكم وازداد رسوخًا من الرأس التالية.

كيف اختفى 32 مليار من أموال المنح و المساعدات الخارجية ؟

إن كنت محتارًا بخصوص خبر اختفاء 32 مليار من أموال المنح والمساعدات الخارجية في الموازنة العامة، فدعني أحدثك أنه وفقًا لما ورد في الكتاب فهناك ما يقارب من خمسمائة مليار جنيه لم تدرج في الحسابات القومية ومصفوفة الدخل القومي، على مدار 10 سنوات انتهت تلك السنوات العشر قبيل قيام ثورة يناير تقريبًا، وهي متمثلة بأكبر النسب في الفساد في مصر في تجارة الأراضي والفساد في الاتجار بديون مصر، والاتجار بالعملات الأجنبية فقط تذكر أننا نتحدث عن سعر صرف للدولار لم يتخط الستة جنيهات.

ناقش الكتاب بشكل كبير الفساد في قانون الخصخصة، وما يحدث من بيع لشركات حكومية لقطاع خاص ووجود عمولات مهولة تكشف هذا الجانب تمامًا في وقتها إلي جانب القوانين التي تسهل من عمليات جذب الاستثمار الأجنبي لمصر فتركزت تلك الاستثمارات في صناعات بعينها أدت الي خلق فجوات بين روافد أي اقتصاد لدولة تنمو أو حتي تفكر في أن تنمو فتأكلت المساحات المزروعة و انخفص اسهام القطاع الرزاعي و الصناعي في الاقتصاد المصري بشكل ملحوظ فحين تم التركيز على قطاعات سريعة الربح مثل بناء القري السياحية ، مشاريع البترول والأسكان العقاري.

الاقتصاد الخفي و أعمدة الاحتكار

تحدث الكتاب عن الاقتصاد الخفي الذي يتمثل في الأنشطة التي لا يعني بها كبار الفاسدين في مصر مثل القطاع الصحي الذي كشف عن فساد فيه يقترب من  مليارات جنيه سنوياً ، إيضاً الدروس الخصوصية التي كانت اقتربت في الفترة الزمنية التي تمت كتابة الكتاب فيها من 18 مليار جنيه اضافة الي الفساد الكامن في المحليات والذي يقترب من 25 مليار جنيه سنوياً ولا يخضع لأي رقابة على الاطلاق.

أقترب الكتاب كثيراً من أعمدة الفساد في مصر  وقتها وتحدث بجراءة شديدة عن الاحتكار و الرجل الحديدي وقتها أحمد عز – الذي يتكرر نموذج مثله كل عدة سنوات مهما كان مصير من يسبقه – والفساد في توفير الطاقة ببخس الثمن لمصانع تتحصل علي دعم الدولة دون أن تساهم بجزء من أرباحها من خلال الضرائب لتلك الدولة التي تستغل موارد الطاقة بها دون أي حساب.

في هذا المنطقة يلفت لنا مؤلف الكتاب أنظارنا لنقطة غاية في الأهمية و هي الدعم و التلاعب في مسماه بعد 2005 حيث كانت اعتمادات قيمة الدعم في هذا العام في ميزانية الدولة حوالى 13 مليار جنيه ثم ظهر فجاءة في عام 2005/2006 بند جديد تحت عنوان دعم المشتقات البترولية قدر وحده بحوالي 41 مليار جنيه وهم دعم كما اسماه الكاتب “دعم ضمني” حيث عامل المشتقات المنتجة داخلياً بنفس سعر المشتقات المستوردة وأفترض ان فارق السعر بين تداولها داخلياً و بين سعرها العالمي هو بمثابة دعم يمكن تمريره في الموازنة العامة للدولة تحت مسمي دعم الفقراء تتكفل به الحكومة دون ان تدفع فعلياً قيمة هذا الدعم للفقراء .

حينها ظهرت الصورة كاملة عندما تم توجيه 75 % من هذا الدعم الافتراضي لتشغيل 75 مصنع منهم 40 مصنع كثيف الاستخدام للطاقة من ضمنهم مصانع ملك الحديد وقتها أحمد عز  وعدد من أباطرة صناعات الأسمنت و السيراميك و الالمونيوم والسجاد فحين كانت منتجات تلك المصانع التي استغلت اكثر من ثلاث ارباع اعتمادات الدعم الضمني للفقراء – تقترب أسعارها من اسعار نفس المنتجات في الاسواق العالمية ولم يتم عملياً تخفيض سعرها نتيجة الدعم التي حصلت عليه و في النهاية صب الفارق في اقتصاد خفي نعجز نحن عنه رؤيته !

وبخصوص الاقتصاد الخفي فأن الكاتب يذكر في الصفحات الاولي للكتاب ان حجم الاقتصاد الخفي في مصر عام 1998 وصل نسبة 65 % من جحم الناتج المحلي الاجمالي متجاوزاً المعدلات السائدة عالمياً التي تتراوح ما بين 15-50 % وثق بأن بعد اكثر من عقدي من الزمان فان تلك النسبة تقدمت كثيراً حيث لو أن له ان يكتب مثلك ذلك الكتاب الآن سيواجه متاعب جمة في ادراج عقود التوريد المباشر للجيش مع رفع الدعم و التلاعب و الوساطة في أسعار العملات الاجنبية خاصة الدولار و المكاسب الخرافية التي تديرها عائلات تعد علي اصابع اليد الواحدة.

إيضا سيضيف الي حق منح الرخصة الثالثة لمشغلي المحمول في كتابه و التي حدث بها الكثير من التلاعب و اهدار المال على الدولة – النسخة الرابعة للمحمول – إضافة إلى باب جديد يمكن ان يجعل من صفحات كتابه آكثر من ألفي صفحة و هو باب اهدار أموال المصريين في حفر قناة السويس الجديد في عملية طرح شهادات استثمار علي المصريين بعائد 12 % سنوياً لمدة خمس سنوات وتم جمع مبلغ 64 مليار جنيه في خلال ثمانية أيام او ما كان مساوياً لما يقرب من 8 مليارات دولار وقتها والآن وبعد مضي أقل من عامين فقدت تلك الأموال قيمتها الحقيقية لتصل تلك المليارات حالياً لما يساوي أقل 4 مليارات دولار بعد تعويم الجنيه وتحرير سعر صرفه.

تحدث الكتاب وقتها عن خمسة مجالات يتم التلاعب فيها و تكاد تختنق من معدلات الفساد العالية فيها وهي المشتريات الحكومية وتقسيم وبيع الأراضي والعقارات ونظم الجباية الضريبية والتعيينات الحكومية وإدارات الحكم المحلي بالمحافظات،‮ إلا ان الآن الفساد في مصر أصبح هو النموذج الذي تخاف من الوقوع فيه كل دول العالم ودخلت مجالات جديدة في الأعوام الثلاثة السابقة كانت عصية علي ان يتم إفسادها مثل الدواء و الصناعات الدوائية و السلع الاستراتيجية و المتاجرة في فوائد القروض و التلاعب في أرقام خاصة بالدين المحلي الاجمالي والضرائب و أسعار الكهرباء مثلاً واسناد مشاريع البنية التحتية لموردين يحصلون علي الدعم الكامل و لديهم قوي عاملة مجانية الأمر الذي يساهم في اضعاف المنافسين المحليين و حتي العالميين و إفلاسهم و خروجهم من السوق ليصبح هناك محتكر وحيد وتتحقق نظرية محمد علي باشا القديمة في أن يصبح الزارع الوحيد و الصانع الوحيد و التاجر الوحيد في المحروسة !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد