في بيت من بيوتنا العادية، قام ببنائه في هذه المدينة أحد المتعلمين الأوائل ببلدته، بعد أن نزح منها إلى المدينة مدرسًا للغة العربية، ثم ناظر مدرسة؛ تبدأ قصتي مع القراءة بداية تكاد تكون تقليدية جدًا ومكرورة.

الحكي الذي فُطر عليه الأجداد كان أولى المتع التي تعرفت عليها عندما بلغت الرابعة – أو جاوزتها قليلا – مع جدي في غرفة على سطوح بيته بها فرن بلدي، صباحا في الشتاء وعصرًا في الصيف وأثناء قيام جدتي بالخبيز أيضًا، ربما من هنا بدأت معي عادة الأكل أثناء القراءة مع استبدال الشيكولاتة بخبز جدتي وما جدّ من مسليات.. ربما!

“الدهشة هي بداية المعرفة الإنسانية” – أنيس منصور – مات الجد في تسعينيات القرن الماضي وأورثني الدهشة والشغف بما تطويه أغلفة الكتب من عوالم وبقيت مكتبته تلك البوابة التي أطلتُ الوقوف أمامها لتأمل ألوان الكون.

كان هذا في أوائل العمر, قبل أن أدرك فيما بعد أن ما تحويه هذه الكتب التي كنت أراها مكدسة بمكتبة جدي له بُعد آخر يتعلق بالمعرفة وتغير القناعات وتطورها حسب حجم الوعي المكتسب, المسميات التي لم أكن لأدركها عندما كنت أحرص أن يشتري لي أبي مع جرائده صباح الجمعة مجلات ميكي وسمير وفلاش ثم المغامرون الـ 13 ورجل المستحيل وملف المستقبل في مرحلة متقدمة من الطفولة.

قد يكون الدافع الأكبر لي على مداومة القراءة هو الاختيار الحر، أن أنتقي عالما خاصا مع كل كتاب مما تبقى من مكتبة جدي؛ روايةً كان أو شعرًا أو أسطورة ألف ليلة وليلة المصورة، طبعة دار الشعب المزينة برسوم بيكار التي كانت جدتي تمنعني من قراءتها أو حتى الاطلاع عليها بدعوى أنها “عيب, مينفعش تقريها. شوفيلك كتاب تاني”، كانت هذه النسخة أولى الطبعات الأربع المختلفة التي تزين مكتبتي المنزلية الحالية, مع كامل اعتذاري لجدتي.

في مرحلة ما بعد الطفولة وتشكل الوعي الأول، تمثل القراءة في حياة أي مهتم بها الفنار الذي يكشف بنوره الطريق، والدفة التي توجه مركبه العقلي للتحرك في السبيل الذي يختار بناءً على المعطيات التي يكتشفها بفعل النور, وبداية تكوين مكتبته الخاصة التي سيصبح كل كتاب منها جزءًا من عمره صعب التخلي عنه، ستجد عند تكوين هذه المكتبة ملاذًا خاصًا لا يخرجك منه أحد, بل إنك دونما إرادة منك تحيط نفسك فقط بمن يشاركونك هذا الملاذ أو – كبديل آمن –  لا تحيط نفسك بأحد قط. أن تكون حياتك وعلاقاتك جولة معرفية انتقائية، واختيارًا وتدقيقًا وتوقًا إلى معرفة، وأحياناً تصحيحًا واستبدالًا، ومن هنا تكوّن لدي مجموعة من (شركاء المود) أشباه الكتب، كانوا الدافع الأقوى للاستمرار حتى بعد الاصطدام بالتساؤل… أي جدوى؟

أدركت حين تقاسمت مع أحدهم حياةً وبيتًا ومكتبة منزلية مشتركة نعتبرها أنا وشريكي – القارئ النهم – ضخمة وغير متواضعة على الإطلاق، ولا ننتهي أبدًا عن استزادتها مهما ضاقت بها الجدران, إن رؤية الكتب بشكل يومي تتيح لك في كل فسحة من الوقت المتخم ممارسة فعل التجول بينها محملًا بشهوة الانتقاء. أضع يدي على أحدها ليرافقني لأيام قد لا أفعل فيها شيئًا سوى قراءته، وقد لا يتيح الوقت سوى الاطلاع ببطء شديد، لكني لا أمتنع أبدًا عن هذه العادة القديمة بالقراءة الليلية قبل النوم مهما بلغ مني الإرهاق أو الإحباط. فالكتب أبدًا.. لا تملك نقيصة الخذلان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الكتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد