لماذا لا نمجد أبطالنا و شخصياتنا التاريخية و نخلد ذكراهم بأفلام و مسلسلات؟

لا شك أن أزمة القراءة والمطالعة في بلادنا خاصة، وفي العالم العربي عامة، كانت لا زالت سببا لتأخرنا عن ركب الحداثة والحضارة، رغم أن الأخيرة تسير بخطى حثيثة نحو الفناء ممهدة لمرحلة جديدة، «مرحلة ما بعد الحداثة»،و التي نظر لها جمع من الفلاسفة المعاصرين أمثال الكندي جوردن بيترسون بعد أن تنبأ بذلك نوابغ فلسفية الفرنسيين «جاك دريدا» و«ميشال فوكو» طيلة ستينات القرن الماضي.

و لكن دعنا من هذا، إن المطالعة والقراءة غريبتنا عن هذه الأرض، ولكن قد انتشر منتصف القرن الماضي تقنيات وآليات لإنتاج أفلام وفيديوهات قد تعوض نسبيًا ما كان يمكن أن توفرها المطالعة وقراءة الكتب، وهو ما يفضله الجيل المعاصر. ومع اقتراب ذكرى 06 أبريل 2000، ذكرى وفاة أول رئيس للجمهورية التونسية، كنت بصدد البحث في تفاصيل حياته، صدمت بالكم الهائل من الصور والتفاصيل الصغيرة المتوفرة في الإنترنت، ولكن مع كل هذا، لماذا لم تقم الدولة الوطنية الحديثة بتصوير فيديو خاص، فيلم وثائقي، يتناول حياة مؤسسها وبانيها؟ فيلم خاص عن بورقيبة يتناول نشأته وتكوينه وحياته الخاصة بسيناريو محكم وديكور مناسب لتلك الحقبة، فيكون بمثابة الوثيقة المصورة لمن أراد الخوض في حياة بورقيبة بعيد عن الأوراق والأسطر الطويلة.

الزائر لضريح الزعيم «الحبيب بورقيبة» يندهش بكم صوره، إذ إن بورقيبة كما يقول معاصروه كان مغرمًا بنفسه (تضخم الأنا)، وكان يعتني كثيرًا بمظهره العام ويقف كثيرًا أمام المرآة، كما أنه من أول الرؤساء الذين تبنوا مصورًا خاص بهم «البحري السوسي» (1). زيادة على ذلك، فإن الكتب والمراجع التي تناولت سيرته، والتي تناولت تاريخ الحركة الوطنية أيضًا، مليئة بالأخبار والأسرار والتفاصيل عنه وعن حياته. فلماذا هذا الجحود والتقاعس عن تصوير فيلم له رغم توفر المادة التاريخية والأدبية؟

لا أعتقد أبدًا ولا يمكن أن تكون المشكلة مادية، انظر عدد الأفلام التونسية من الاستقلال وحتى الآن، كما أن الأمر لا يعدو أن يكون حول شخص بورقيبة بقدر ما هو، حسب رأيي، مشكلة مجتمعية، إذ إنه بالإضافة إلى بورقيبة، ليس هنالك أي مادة مصورة تونسية لأي شخصية تاريخية رغم كثرتها كحنبعل، عليسة، عقبة بن نافع، الكاهنة، ابن خلدون، علي بلهوان، فرحات حشاد…

إن المشكلة حسب رأيي، لا يمكن أن تكمن كما أشرت في في المادة الأدبية الممهدة للعمل الفني، ولا مادية ولا لندرة الشخصيات، وإنما لدأب أهل تونس، أو إفريقية، والعرب عامة، على مناصرة ومعاضدة الحاكم الحالي ونسيان الحاكم السابق وتجنب ذكره مخافة إثارة السخط، أو أن يردف ذلك في باب الخيانة، وهو ما يمكن تلخيصه في عبارة «الله ينصر من صبح»، وهو ما يعني أن الشعب، أهل الحاضرة حينها، هم مع من أصبح في العرش كائنًا من كان، سواء أكان «شارلكان» أو «خير الدين بربروس» أو «الحسن الحفصي»(2)، وهو وإن كان مرده لطبيعة سكان الحاضرة المهادنة حينها، ولعدة عوامل أخرى كأن المقتتلين أجانب ولا تمت لهم بصلة ما عدى جباية يؤدونها على مضض، إلا أن هذا السلوك، أو هذه العادة، قد انصهر مع الأسف في «الكود الجيني» الجماعي، وهو واضح في كل مرة ينخلع باي أو رئيس، إذ يتنكر له مناصروه، ليستصبغوا على الفور بلون الحاكم الجديد.

لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية المادة المصورة، الفيديو، إذ تساعد كثيرًا في استيعاب ما يستلزم كتبًا لصياغته. في الأخير، يبقى الأمل في أن تتبدل الأحوال مستقبلًا وتراجع السياسات فيما يخض الذاكرة الوطنية الجماعية، إذ إنه ليس من المعقول أنه في زمن الأفلام التي تصور كلها بكاميرا هاتف ذكي (وتحصد جوائز عالمية أيضًا)، أن لا توجد أفلام تخلد ذكرى شخصيات ساهمت في تاريخنا الجماعي المشترك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد