​انتشرت في هذه الأيام وبكثرة فكرَة الإلحاد، وأخذ هَذَا الفكر ينتشر بين الشباب، وأصبح حديث معظمهم.

بل أصبح موضة العام، وانخرط كثير من الشباب في هَذَا التيّار، ولا أدري هل تعبيري صحيح أم لا، إن قلت تيارًا.

ولكن الكثير من الشباب ينتمي لتيارات كهذه، فمنها الدينيّة والعَلمانية والليبرالية، وأخطرها الدينيّة المتشدّدة، فهي أخطر من الإلحاد؛ لأنها تدعوا للقتل جهرًا، وتنادي بمحاسبة المخطئين، ولا نعلم من هم المخطئون؛ لأن كل تيار أو حزب أو حركة دينية له وجهة نظره في تحديد الخطأ والصواب، فكثير ممن ينتمون إلى التَيارات الدينيّة أو العَلمانية أو حتى تِلْك التي لا تؤمّن، كثير منهم، وليس جميعهم،  لا يعلم ماذا يريد، أو ما الهدف من بث أفكار كهذه في المجتمع، لا يعلم ما أجندتهم ومن يحركهم ويقودهم من خلف الستار كدمى المسرح ذات الخيوط.

إن كل فكرة تخرج وتنتشر هذه الأيام يجب أن تُدرس جيدًا قبل تبنّيها، والمحاربة من أجلها، وكأنّها هدف سام؛ ليتبين بعد حين أنها تخدم مصلحة أناس آخرين بعيدين كل البُعد عنا وعن مجتمعنا، همهم الوحيد تغليف عقول الشباب بمعزل عن التّفكير؛ لأن الشباب هذه الأيام تعود أن يَجِد الفكرة جاهزة حتى يصبح التفكير لديه صعبًا، ولم هذا العناء، لم يجهد عقله بالبحث والتفكير، مادامت الأفكار تأتيه جاهزة؟ هكذا منطق البعض هذه الأيام.

حتى لا أبتعد عن موضوع مقالي الإلحاد والمؤمنين كل منهم يجب أن يؤمن بفكره؛ فلا يمكن أن تَكُون ملحدًا ما لم تؤمن أنك على حق، وإن فكرك ومنطقك صحيحان تمامًا. إذ ليس من الممكن أنك تقول إني ملحد، وأنت في قرارة نفسك تؤمن بوجود إله؛ لأن ذلك ما فُطرت عليه، وذلك ما لم تستطيع أن ترغم قلبك عليه.

حتى الاعتقاد بالإلحاد يتطلّب إيمانًا قويًا ورصينًا. لتتمكن من إعلان “أن الله غير موجود” لابد للإنسان الإيمان بالمعرفة الكليّة بجميع الأشياء، وأن يكون قد قام ببحث كل الكون ومشاهدة كل الأشياء. وبالطبع لا يدعي الملحدون ذلك.

ولكن ذلك هو المعنى عند إعلانهم أن اللَّه غير موجود. ولا يستطيع الملحد إثبات عدم وجود الله. فذلك يتطلب الإيمان بعدم وجود الله بنفس مقدار الإيمان المتطلب للإيمان بوجوده.

وحقيقة لا أعلم سبب عناء بعضهم في البحث وتفنيد الأديان والتشكيك بها. لم يريد البعض نسف أديان قامت منذ آلاف السنين، هل هي مضرة بالقدر الذي من أجله يتحمل البعض السباب واللعن وحتى القتل. لم هذا الإصرار في التشكيك؟ هل الإيمان يتطلب الشجاعة التي لا يستطيع الملحد أو المشكك بالأديان أن يتحلى بها مهما حاول؟

سيجيبني البعض بأن الملحدين شجعان بإعلانهم نسف حقيقة وجود إله، والوقوف في وجه أناس أباحوا دمهم، ومؤكد أن الجواب سيكون خاطئًا؛ لأن الإيمان يتطلب الشجاعة بمحاربة النفس وصدها عن رغباتها وشهواتها وتقنين حرية الفرد الحيوانية والاعتداء على الغير، نعم هذا ما جاء في جميع الأديان عش مسالمًا، ولا تعتدي على غيرك، ساعد الناس جميعًا، لا تفرق بين أحد.

المشكلة تكمن في المتدينين والعلماء الذين يطبقون هذا الدين نعم المشكلة في رجالات الدين، لا في الدين نفسه، فمنهم من يبيح قتل الآخرين والاعتداء عليهم، كلها اجتهادات شخصية من قبل رجال أصبح لهم نفوذ ديني كما هو الحال في كل مجالات الحياة، فمثلًا لو كان قاضيًا مرتشيًا من يستحق الحبس يخرج بكل سهولة، ومن يستحق العقاب يعتذر منه، هل القانون هنا هو الظالم والفاسد، أم أن رجل القانون الذي يطبق الأحكام كان مفسدًا، وهكذا في الطب والزراعة والصناعة. أريد أن أوضح في أمثلتي هذه أن النظام والقوانين كالدين ليست فيها عيوب، لكن الشوائب والعيوب في الرجال الذين يطبقون هذه القوانين أو الأحكام.

لماذا يقبل الناس على الإلحاد ؟ لم يوجد الإلحاد؟ ولم لا يُظهر الله نفسه؛ معلنًا وجوده للناس؟ فبالطبع إن ظهر اللَّه للناس الجميع سيؤمنون! وأكثرها طرحًا هل الله موجود؟ من المشوق أن هذه القضية تجتذب كثيرًا من الجدل. الإحصاءات تدل على أن 90% من الناس يؤمنون بوجود اللَّه، ومن المثير للاهتمام أن مسؤوليّة إثبات أن اللَّه موجود تقع على عاتق الذين يؤمنون بوجوده، وليس العكس.

إن الله لا يريد مجرد إقناع الناس بوجوده، ولكنه يريد منهم أن يقبلوا عليه وأن يطهروا أنفسهم، يمكن لله الظهور، فهو قادر على كل شيء. إن لم يكن الإنسان على استعداد بقبول وجود اللَّه بالإيمان، فإنه لن يكون مستعدًا لقبول الخلاص بالإيمان. وحقيقة قبول وجود الله بالإيمان، لا تعني أنه يجب أن نلغي العقل، فهناك الكثير من الإثباتات على وجود الله وبطرق منطقية.

بالنظر إلى النّجوم أو فهم اتساع حدود الكون أو دراسة عجائب الطّبيعة أو رؤية غروب الشّمس، نجد أن لدينا دلائل على وجود إله صنع كل هذا بإتقان، بل أقامه على حسابات دقيقة جدًا، وأن كل شيء في مكانه الصحيح. وإذا كان كل هذا غير كافٍ، فهناك شيء في كياننا يدرك أن هناك شيئًا آخر بعد هذه الحياة وخلف خليقة العالم.

النظريات العلمية على وجود الله

النظرية المنطقية

التي تستخدم مبدأ تعريف الله لإثبات وجوده. وتعرف الله ”بأنه ذاك المدرك الذي يفوق في العظمة كل شيء آخر“، ولأن الموجود أعظم من غير الموجود، إذًا فإن أعظم كائن مدرك لابد أن يكون موجودًا.

النظرية التطبيقية

نظرية مبنية على المبدأ: حيث إنه من الواضح أن الكون مبني على نظام معقد وعجيب، لابد أن يكون هناك مهندس إلهي. فمثلًا إن كان موقع الكرة الأرضية بضعة كيلومترات أقرب أو أبعد من الشمس، فلن تكون المكان المناسب للحياة الموجودة عليها. وإن كانت العناصر الجوية مختلفة ولو بمجرد كسور، لمات كل شيء موجود على الأرض

النظرية الكونية

لكل مسبب، سبب خلفه. الكون وكل ما فيه هو مسبب، وعليه لابد أن يكون هناك سبب لوجود كل الأشياء. أيضًا لا بد أن يكون هناك شيء “غير مسبب” موجود، وهذا الشيء هو السبب في وجود جميع الأشياء. هذا الشيء “غير المسبب” هو الله.

التصميم الذكي أو الرّشيد: هو حجة دينية تدعي بأن “بَعْض الميزات في الكونْ والكائنات الحية لا يُمكن تفسيرها إلا بمسبب ذكي، وليس بمسبب غير موجه كالاصطفاء الطبيعي وهي بنظر مؤيديها نظرية علمية تقف على قدم المساواة أو تتفوق على النظريات الحالية التي تتعلق بالتطور وأصل الحياة. وهناك أيضا مفهوم التوافق الدقيق للكون الذي يدعي بأن الكون قد صُقل بعناية ليسمح بظهور الحياة على الأرض.أثار مفهوم التصميم الذكي جدلًا في المجتمع العلمي بسبب محاولة أنصاره إدخاله إلى مجال التعليم المدرسي، إضافة لجذبه عددًا من العلماء والفلاسفة، ومنهم الفيلسوف أنطوني فلو الذي أعلن تأييدهُ للتصميم الذكي، وأن هناك مصممًا ذكيًا يقف خلف التطور، ورجوعه عن الإلحاد.

أسباب انتشار الإلحاد في بلدان أغلبها مسلمين

لا أعلم كيف ينتشر الإلحاد في دول مثل الدّول العربيّة ذات الأغلبية المسلمة والمحكومة بالأعراف والقيّم الإسلامية سؤال طرحه الكثيرون قبلي أساتذة وصحافيون مقالات عدة نشرت عن الإلحاد مفهومه وتاريخه وأسبابه كثيرون هم الذِين تكلموا عن هذه الظاهرة التي أصبحَت موضة هذه الأعوام.

باعتقادي أن من أهم ألأسباب التي جعلت مثل هذه الظاهرة تنتشر في مجتمع كمجتمعنا العربي المسلم، الصراع بين العلم ورجال الدين الذين لم يحملوا انفسهم عناء الرد بالدلائل العلميه والمنطقية، بل تقاعسوا عن واجبهم بالحفاظ على دينهم الذين ينتمون إليه. ولأن رجال الدين هذه الأيام شغلهم الشاغل تجنيد الأطفال والنساء للقتال في سبيل الله، وأي إله هذا الذي يريد معونة كهذه من أُناس تعفنت عمائمهم، ونسج عليها الشيطان شباك الرذيلة والفسق. قد يعترض البعض على وصفي، ولكن هذه هي الحقيقة؛ لأن من يبيح قتل الآخرين لاختلافه معهم فكريًا أو أنهم يقفون في وجه مصالحه والحول دون تحقيقها هو شيطان، ومن يجند الأطفال، ويبيح للمرأة أن تعاشر مجموعة من المقاتلين بحجة الجهاد في سبيل الله، والله بريء من هذه الأفعال، وتلك الأمور التي يندى لها الجبين.

إن ظاهرة الإلحاد وغيرها من الأفكار يجب أن تحارب بدلائل علمية لا بالعنف وسب الآخرين وهدر دمهم.

الدين الإسلامي فيه جواز قتل المرتد عن دينه والكافر، ولو أني أؤمن أن العقاب والثواب بيد الخالق وحده ولم يعط هذه السلطة لأحد على الأرض، ولكن على رجال الدين مواجهة أمور كهذه بطرق علمية صحيحة ودحض الفكر بحجة وبينة علمية قائمة على الحقيقة يقبلها العقل ولا تخالف المنطق، لا بالترهيب والقتل وهدر الدماء.

رهان باسكال.. أعتقد بأنه الجواب الأكثر إقناعًا لمن يحاورك بالإلحاد والتشكيك

الصيغة الأصلية للرهان كتبت في فقرة قصيرة في الـ(Pensées) حيث عرضها (باسكال) من بين عدة رهانات مشابهة. جذور الرهان تمتد لـنظرية اللعبة والتي من خلالها استنتج أن الخيار الأفضل هو الإيمان بالله، وذلك لأن هذا الخيار يقدم لنا الربح الأكبر، بغض النظر عما إذا كان الله موجودًا حقيقة أم لا.

إن آمنت بالله وكان الله موجودًا، فسيكون جزاؤك الخلود في الجنة، وهذا ربح لا محدود. إن لم تؤمن بالله وكان الله موجودًا، فسيكون جزاؤك الخلود في جهنم، وهذه خسارة لا محدودة. إن آمنت بالله وكان الله غير موجود، فلن تُجزى على ذلك، وهذه خسارة محدودة. إن لم تؤمن بالله وكان الله غير موجود، فلن تُعاقب، لكنك ستكون قد عشت حياتك، وهذا ربح محدود.

الأرباح والخسائر في النقاط 3 و4 يمكن اعتبارها كخسارة الفرص الناتجة عن ادعاء الإيمان والعيش حسب قوانين الدين كونها في أغلب الأحيان أكثر صرامةً من القوانين المدنية. هذه الخسائر محدودة لأن الإنسان سيموت. رياضيًا، أي ربح محدود أو خسارة محدودة يمكن إهمالها عند المقارنة بالأرباح والخسائر اللامحدودة، وهذا هو الحال في الحياة الأبدية بعد الموت. وبالتالي، استنتج باسكال أن الإيمان بالله هو الخيار الأفضل مقارنة مع عدم الإيمان به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تصميم ذكي
رهان باسكال
هل الله موجود هل هناك دلائل علي وجود الله
إلحاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد