تمر الحركة الإسلامية بمرحلة هي الأصعب في عمر انطلاقتها من بعد سقوط الخلافة الإسلامية في عام 1924، فهي تتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى، بالإضافة إلى حالة الجمود التي اكتست بها تنظيمات الحركة، والتي اعتادت الانغلاق والتقوقع على نفسها؛ مما أثر بشكل مباشر في جيل الشباب المنطوي تحت راياتها، فكما ذكرنا من قبل أن من إشكالات التنظيمات الحديدية والمنغلقة أنها تجعل من تابعيها قوالب جامدة فاقدة للإرادة، وبالتالي لا تمتلك المبادرة، ومما يزيد الأمر رسوخًا أن هذه التنظيمات تعطي للأمر مظلة شرعية ليقبله مريدوها دون تفكير أو مراجعة، وفي اعتقادي أن هذا الأمر هو السبب الرئيسي في إيجاد حالة التيه والتخبط التي نحياها الآن، فإذا عالجنا تلك الإشكالية فسيتغير المشهد ونرى وجهًا جديدًا لهذه المرحلة.

فمن الواجب الآن على شباب الحركة الإسلامية أن يعي حجم المسئولية التي تقع على عاتقه، وأن يخرج من تلك الحلقات المفرغة التي لا تجدي واستنفذت كل قواه، وأن يعرف أن له تجربته الخاصة التي لم يبدأها بعد، وألا يقف طويلًا أمام تجارب أسلافه التي لم تحظ بنصيبها من النجاح، وأن يكتفي باستثمار ما خرج به من دورس وعبر من تلك التجارب حتى يخرج لنا بتجربة جديدة ناضجة وواعية، وحتى لا تكون نسخة من سابقتها.

فالحلقة الأولى التي وجب على هذا الشباب أن يكسرها هي حلقة النقد المفرط، فغاية النقد الإصلاح، فإن فقد الأمل في الإصلاح لا يبقى للنقد علة إلا إظهار الحقيقة إن كان في غيابها ضرر، فلا يأخذنا النقد مأخذ الشغل ويلهينا عن ما هو أولى ويصبح هو الغاية فنرتكن إلى القاعدين ونضيّع الجهد في رصد الأخطاء واتباع العورات، وهذا أمر يعَد مخالفة جسيمة لأصل الفكرة وجوهر المشروع.

أما عن الحلقة الثانية التي وجب على شباب الحركة الإسلامية كسرها ألا وهي حلقة اليأس. نعم، جميعنا يرى أن المشهد غلب عليه القتامة واكتساه السواد، وغابت عن صف الحركة الإسلامية الروح وتسللت إليه الاستكانة، لكن عظم المسئولية على أكتافنا وثقل الأمانة بين أيدينا يدفعنا إلى الخروج من هذه الحلقة وبسرعة، فالله سبحانه وتعالى أوكل إلينا مهمة الاستخلاف في الأرض وأودع بين أيدينا هذه الأمانة «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)» سورة الأحزاب، فإذا استسلمنا لهذا اليأس واستطاع أن يتمكن منا فبذلك نكون قد ضيعنا الأمانة ونقضنا العهد، واتصفنا بصفة بني إسرائيل عندما قالوا لنبيهم موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- «فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)» سورة المائدة، فلا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين.

أما الحقلة الثالثة التي وجب الخروج منها هي حلقة الانغلاق والتقوقع على ذاتنا، فما نحتاج إليه الآن هو الانفتاح، وأقصد بالانفتاح هنا الانفتاح في كل شيء: الانفتاح في الفكر، الانفتاح في الطرح، الانفتاح في الوسائل والأساليب، فلم يعد القديم منها مُجديًا فهو ابن عصره وعصره قد ولى، فعلينا أن ننتج ونشارك إنتاجنا مع الآخرين من أبناء جيلنا بأيديولوجيات مختلفة، وأن نقبل الأطروحات الجديدة مهما كانت بعيدة عن أطروحاتنا التي نطرح فلا نقيد أنفسنا بأفكار ثابتة، فالأفكار في النهاية ما هي إلا إنتاج بشري قابل للتطوير والتحديث، فلا قداسة إلا لوحي والوحي قد انقطع. كما وجب علينا أيضًا إيجاد مساحات مشتركة مع الآخر؛ مما يتيح للمشروع الانتشار ليخرج من كونه مشروعًا خاصًا بفئة بعينها إلى كونه مشروعًا للأمة كافة، وهذا أيضًا من جوهر فكرتنا ففكرتنا ليست فئوية فهي لكل الناس وليست محلية فهي لكل الدنيا.

أما عن الحلقة الأهم فهي حلقة غياب التخصص، فلن تقوم للمشروع الإسلامي والحركة الإسلامية قائمة دون وجود نخبة من المخصصين، فواجب الوقت على رواد التجربة القادمة من أبناء الحركة الإسلامية تبني مشروع تأهيل كوادر متخصصة وإنتاجها يكون بمقدورها إدارة مشروع بحجم المشروع الإسلامي، ولتخوض تجربة ستكون مليئة بالعقبات والتحديات، وبدون تلك النخبة المتخصصة سوف تحول التجربة إلى حركة عشوائية تسير ببوصلة خربة ترجعنا إلى الخلف بسرعة ضوئية، ومما يبث الأمل في النفوس ظهور صفوة ممن تربوا في كنف هذه الدعوة، والذين لم يتخطوا الثلاثين بعد من الباحثين يحملون بين جنباتهم روح جديدة وملكات فريدة وأطروحات مميزة، تنم عن نضج ووعي بطبيعة المرحلة، وأملي أن يكون هؤلاء هم مفكرو الحركة الإسلامية في السنوات القادمة، وظني أن كل تخصص يحوي نخبته التي لم تتجل لنا بعد، ومن هنا ينعقد الأمل في التخلص من آفة العشوائية التي استمكنت من تنظيمات الحركة لفترة طويلة.

وفي الأخير إن استطعنا أن نكسر تلك الحلقات التي ندور في فراغها؛ نستطيع وقتها أن نجهر بصافرة البداية لتجربة جديدة تحمل بين طياتها كل مقومات النجاح والقدرة على الإنجاز، وبعدها يكون بالمقدور أن نسطر -وبكل يقين وفخر- أننا ها قد خرجنا من عنق الزجاجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد