العاشرة إلا وجع من صباح الجمعة الهادئ الصاخب في آنٍ واحد، التاريخ يُشير إلى 17/12/2010، كان يدفّئ يديه في برد ديسمبر وهو ينظر بهدوء إلى الخضروات المتجمدة على عربته البسيطة، تلك التي جاد به عليها هذا العالم الكبير، ونسي أن يلتقط له صورة ليُخبر الناس عن صدقته التي أخفاها عن يمينه، وعلمتها نصف الكرة الأرضية.

 

محمد يعلمُ أنه نسخة مكررة عن الآلاف من الذين لا واسطة لهم، إلا الله، من المسحوقين المطحونين، الذين لا صوت لهم، فقد فقدوه ذات اختناق، وصادرت الحكومة ما تبقى لهم من كرامة حين أخبرتهم أن الله عيّن المُوحى إليهم من قادتها في الأرض جُباةً لا دعاة، وأن عليهم إن أرادوا العيش أن يتعاطوا نوعاً أخفّ من الحياة، أكثر بساطةً من ورعِ وتقوى وزُهد الأمراء الذين لا قِبل لكم بدولاراتهم. أدمن محمد المخدّرات/الانفراجات التي يبثها الحزب في كل خطبة جمعةٍ يصعدُ فيها الرئيس على المنبر ويُخبر الناس أن الفرج قادم، ليكتشف الناس بعد كل جمعةٍ أن الله كان فارجاً للأمور عليهم، لكنهم فيما يبدو لم ينتبهوا. مع كثرة الإدمان وقلّة ذات اليد، أصبح محمد يتعاطى أرخص أنواع الأمل، والحياة.

 

العاشرة والنصف، الدخان يحجب رؤيتها، كما اعتادت أن لا ترى الناس إلا من خلف زجاج السيارات المُعتم، ومن قلب الأبراج العاجية التي لا يستطيع الناس شراء شقّةٍ فيها تُكلّف 80 ألف دولار، أو من تلك التي وزّعها الحزب في جلسةٍ تنظيمية في قبو المسجد لأولئك المؤلفة جيوبهم. تنفثُ آخر ما تبقى من سيجارة المالبورو التي بيدها، تسحقها على الأرض بقدمها كما فعلت مع الكثير من البشر من قبل، ترشف آخر ما تبقّى في فنجان قهوتها الملكي، وتخرج إلى سيدي بوزيد، المدينة الوادعة التي اختطفها سيّدها في ذات غفلة تاريخية من أهلها عام 87، تُرتّب ياقة قميصها، قبّعتها، وبدلتها العسكرية التي درس الصغار أنها من أجل حماية الوطن، وتخرج إلى السوق.

 

كان مشهد “محمد البوعزيزي” وهو يعرق في وسط الشارع البارد مستفزاً لـ”فادية حمدي”، لم تعتد أن ترى الناس الفقراء إلا عبيداً يقدمون ولاءات الطاعة وهم لا يجدون في جيوبهم قوت يومهم، لم ترهم يوماً يفكّرون بحقوقهم، تعتقد هي ورئيسها وحزبها أن الفتات الذي يجودون به على الرعيّة أمر يستجلب الولاء بشكل كامل، وأن الشكر مطلوب على كسرة الخبز المُعطاة لهم من رغيفهم المسروق.

كمثل كل العسكر في هذا العالم، تلثّمت فادية بالسلطة التي منحتها إياها بندقية الرئيس التي تقاوم الإمبريالية العالمية، وأخبرت محمد أنه لم يقبّل يدها بالشكل المناسب، إنها تريده أن يركع أكثر، فيموت، فتصعد على جثّته وتسميه “الشهيد” لتبني مجدها، وتعمر جيبها.

بكل عجرفة العسكر التي تتلائم مع مشاعرهم التي تشبه تجاعيد البسطار الذي يلبسونه، أخبرت محمد بصوت يملؤه الكِبر: dégage، كانت تقول له بالفرنسية أول كلمة تعلّمها في الحياة. إذا لم يعجبك عالمُنا يا عزيزي، عليك أن ترحل منه!

 

تحسّس محمد أثَر الصفعة التي طبعتها على رقبته قبل أن تقول له “إرحل”، نظر في وجوه البشر الذين ضجّ بهم السوق، تمنّى بعض رجولتهم، النخوة التي شاهدها فيهم ذات حرب، والعنفوان الذي رآه في صغره حينما كان جيش الجنرال بأكمله لا يُخيف البلدة، وهاهي البلدة الآن تخاف من نصف إنسانة، ملثمة، تلبس البدلة الميري. رمقوه بنظرة عطفٍ، كان ذلك أكبرَ مافعلوه، ونظرت له تلك الشرطيّة باحتقار.

مسحت عن يدها آثار رقبة محمد المتسّخة كما تراها، ركلت بقدمها عربة الخضار، فتساقطت حبات الطماطم، وتساقطت معها أحلام محمد. غصّت الدموع في عين ذلك الشاب الجامعي، كما غصّت بها من قبل، أراد الصراخ، لكنه تذكر أن صوته قد سُرق منه، سكت بحسرته، لملم ما تبقّى من خضاره التي لم تلوثها قدم تلك العسكرية. على ناصية الشارع الأخرى أشعلت فادية سيجارة، ومضت.

كان ذلك آخر مشاهد الدراما التي لم تتوقعها مصّاصة الدماء الأنيقة، وسيدها، ورئيسها، ومندوب شعبة الحزب المناضل في ذلك الحي الوادع.

 

تمام الحادية عشرة والنصف قهراً، وقف محمد أمام محطّة البنزين التي بناها أحد قادة الحزب المبجّل، والتي لا تدفع ضريبة التكافل بالمناسبة، لأن أملاك المناضلين المجاهدين المقاومين لا تخضع للقانون، القانون ذاته الذي يعمل حسب الطلب، دليفري لدى الطغاة. لم يحتَج كثيراً من الوقت، بنصف دينار اشترى لتري بنزين، وعاد إلى البيت. تصفّح جيداً وجه أمه، احتضن أطفاله، طلب من زوجته الدعاء له بالمغفرة، قلَّب ما تبقى له من صفحات سوداء في هذا الكون، وفي لحظة هادئة جداً كان عود الكبريت يقترب من جسده ليتخلص من الحياة، أو من الموت بشكله الآخر!

 

بسرعة، تسرّب الخبر إلى المواطنين، وتناقلت وسائل التواصل الخبر بشكل متسارع. “سامية”، أخت محمد، كتبت منشوراً من قلبٍ محترق على الفيسبوك، وبلمحة موتٍ انتشر في العالم الافتراضي انتشار النار في الهشيم. أكثر من 7 آلاف لايك، و 4 آلاف مشاركة، كان هاشتاق #‏شيراتون_الغلابة الأكثر انتشاراً، وكتب الناس على صفحاتهم: la révolution.

صبّ الناس كل غضبهم على بلدية سيدي بوزيد التي لم تقم برصف شارع واحد في البلدة منذ استقلال الوطن، وكانت فرنسا صاحبة آخر شارع شُقّ في المدينة التي يهم رئيس بلديتها المنظر الحضاري أكثر من المنظر الإنساني. لم تقم البلدية بخدمات المجاري، المياه، الحدائق العامة، مستوى الفقر، لم تقف بوجه هوامير نهب الأراضي، والمحتكرين من ذوي السلطة الإلهية المطلقة، ولم تصنع للناس فارقاً سوى في شفط جيوبهم، وتحصيل الضرائب.

كتب الآلاف عن “نزار بونقيشة” رئيس البلدية، شتموه بما يساوي قُطر الأرض مرتين، وطالبوا باستقالته الفورية مع كامل طاقم البلدية الذي وظّفهم جميعاً الرئيس، ورضي عنهم ذات تعيين.

 

أعلنت سامية، التي كانت تكتب عن تطورات حالة أخيها، عن وقفة احتجاجية هامّة لإقالة رئيس البلدية، وحلّ مشكلة الآلاف مثل محمد أخيها. تحمّس الكثيرون، ربما ستكون اللحظة التي يقلبون فيها الطاولة على الجميع، وفي لحظة الصفر التي أحس الحزب أن زوبعة الفنجان بدأت تعكّر صفوه، أعلنت كل وسائل الإعلام المباركة خبر زيارة “مسنود البوزهّار” أحد قادة الحزب المعروفين في تونس إلى المستشفى، حيث يصارع محمد الموت والموت!

حتى ذلك الوقت، كانت كل وسائل الإعلام المقاوِمة للإمبريالية الفرنسية تنشر أخباراً عن أمطار اسطنبول، مشهد شروق الشمس في كوالالمبور، وعن نيّة شركة آبل إصدار آيفون 3 نهاية العام الذي سيأتي بعد أيام. كان محمد عرَضاً جانبياً إخبارياً سقط من زاوية التحرير التي يتمترس فيها مبايعو الحزب، وسحّيجته.

لسببٍ ما، أُلغيت الوقفة الاحتجاجية، وسُكب دلو ماء بارد على رأس الجميع. كتبت سامية أن المساس بالحزب خط أحمر ولا علاقة له بما تفعله البلدية التي وظّفها الحزب نفسه، وأن ثمة حراك جاد، جدّي، مهم، وتلوح في الأفق وعودات طائلة ببحث قضية محمد على طاولة مفاوضات الحزب في أول اجتماع له سيتلو موته بالنار وذهابه إلى جهنم.

 

تنفس أعوان الحزب الصعداء، كتبوا مزيداً من التقارير الاستخبارية، ونشطوا مرة أخرى من داخل جحورهم التي اعتادوا الحياة فيها. أيّدوا الخطوط الحمراء، بما في ذلك الخط الذي يشمل عدم تعكير أي صفو عام، أي مظاهرة، أي مطالبة بالحقوق بغير طرقها المشروعة، لأن المؤامرة أكبر من محمد وعربته، ولأن فرنسا والجزائر وليبيا تتربص بتونس، وتحيك لها المؤامرات، في ظل حصار خانق تتعرض له البلاد لا تُعرف أسبابه، ويعرفه جيداً المشاركون والمنتفعون والمستفيدون منه.

كتبَ أحد الأحذية التي يرتديها القادة على صفحته “الخروج للشارع هي عمالة واضحة وصريحة للمحتل الفرنسي، أرسلوا مطالبكم بالطرق المشروعة إلى سيادة الولاة ليبحثوها بهدوء” سأل أحدهم عن الطريقة المناسبة لإرسال المطالب، وأخبره منافق آخر: عبر الإيميل!

 

تابع الجميع ثورة الفيسبوك، تويتر، الواتساب، وبقية وسائل الثورة الافتراضية، كتب الكثيرون مطالبهم، وكتب الأكثرون عن صمتهم، سخر الوزير السابق لهذا الحزب من محمد، واعتبره بطلاً سفيقاً لرواية أراد أن يحجز لنفسه دوراً رئيسياً، قال أن تونس ليست الغابون، وأن نهاية القصة بدأت. ردّت سامية بمنشور طويل، ثم اكتفى صاحب حرف “د” بإزالة المنشور، وبثّ حقنة تخدير إضافية لعموم الشعب.

 

تمنّت بلدية سيدي بوزيد السلامة لمحمد، قالت أنها تتابع تطورات حالته، وأنها مستمرة في توفير بنزين مجاني لمن أراد أن يقلّد البوعزيزي. فتح “نزار” صفحة فيسبوكه، وضع التكييف على درجة 17ْ، أمر السكرتيرة أن تأتيه بكوب نسكافيه، ثم راح يبحث عن أسعار الرحلات السياحية إلى جزر هاواي التي تتمتع بعلاقة مميزة مع حزبه.

خرج محمد من المشفى، أعلنت أخته ذلك، اُجّلت الوقفة الاحتجاجية إلى يوم القيامة، بقي نزار رئيساً للبلدية، بقيت البلدية تُزيل عربات الخضار التي تشوه المنظر الحضاري، بقي الشيراتون الكبير شامخاً بنزلائه من كبار مسؤولي الحزب وزوجاتهم، بقي البوزهّار في موكب حراسته يسأل بشكل حثيث عن مصير بوكيه الورد الذي جلبه للمستشفى: هل تمّ التقاط صور كفاية له؛ وبقي محمد وحيداً.

 

جلس محمد أمام الحاسوب، تصفّح قليلاً صور الناس في “سيدي بوزيد” على حساباتهم الفيسبوكية، تذكّر عربة الخضار، لِتْرَي البنزين، أمّه، والمرأة التي ضربته الكفّ الأخير على قفاه الذي علّمت عليه الحكومة والأجهزة الأمنية والبلدية، واستخدمه الحزب الاشتراكي الدستوري سبوبةً للفوز بانتخابات البرلمان، وكذلك فعلت كتائب زين العابدين بن علي في انتصاراتها النقابية والحزبية على مدار الحروب/العقود الثلاثة التي خاضتها ضد فرنسا!

 

علم محمد أخيراً أن التكنلوجيا تسري في دماء أبناء وطنه أكثر من الحرية، وأنّ العالم الأزرق أضيق من أن يقود ثورة. قبل أن يُغلق محمد حاسوبه، ويُخلد للنوم كالآخرين، رأى تصريح الحكومة للخروج من الضجّة التي فعلها انتحاره: أعلنت الوزارة عن أزمة خانقة في وقود المستشفيات. لا يتذكر محمد في سنوات عمره الضائعة أن الحكومة أعلنت عن أزمة وقود في سيارات جهاز الأمن الرئاسي، أو الحرس الحِزبي، ولم يحدث أن وزارةً أخرى تسوّلت السولار كما تفعل وزارة الصحة.

 

ضمن أصناف الدواء التي تُعلن الوزارة كل شهرين عن قرب نفادها، لم تعلن يوماً أن حُقن التخدير إلى نفاد. لديها مخزون يكفي طيلة فترة حُكمها، وتمتلك الأذرع الحزبية كميات متساوية من أمبولات Diprivan، آخرها كان تحذير كتائب بن علي لفرنسا من عدم إلتزامها بالتهدئة، رغم أنه لم يُنفذّ أي شرطٍ فيها منذ عامٍ وثلاثة أيام، وأن الحال على ما هو منذ نهاية الحرب الأخيرة. قالت الجزيرة أن سراً خطيراً سيُكشف، ليس هروب بن علي، وليست اللحظة التي هرمنا من أجلها، بيعَت الأوهام بثمن بخس، ووقف الجميع أمام المايكروفون يسترون عارهم بنظريات الصمود والمقاومة، ولكثرة التصريحات الصحفية، وانشغالات قادة الحزب، ما عادوا يفرّقون بن التحذير والتخدير، نقطة تصنع المعنى، ومحمد لم يعرف كيف يصنع الفارق في نقاط بنزينه المشتعلة.

 

رأى محمد هاشتاقاً آخر أكثر أهمية فيما يبدو، حقنة تخدير أخرى؛ ولسببٍ ما أيضاً لم تُلغَ الوقفة الاحتجاجية أمام سفارة الجزائر، ووقف الناشطون الرائعون يصرخون ملء حناجرهم، ولم يحدث أن تسببت هذه الوقفة بتعطيل حركة السير، أو التخابر مع أعداء الوطن!

 

قلاع الرمل التي يبنيها الهواة على الشاطئ، تجرفها موجة واحدة. يُمكن للبحر أن يصنع الفارق إذا ما كان الرمل، والهواء، أقصى أحلام الذين يسبحون أمام شاطئه، ولا يصنع المد والجزر شيئاً أمام الصمت. الأشياء غير المرئية لا تعني هذا العالم كثيراً، والحمقى يعتقدون أن قوة خارقة ما ستأتي بالتغيير!

 

بعد يومين، كان محمد يقرأ الفيسبوك أيضاً، تأمّل كثيراً صورة فتياتٍ يقفن في وجه طابور من العسكر ويهتفن #‏طلعت_ريحتكن. انتقل إلى الإجابة على السؤال الذي يسأله إياه مارك كل يوم: بماذا تفكر؟ وأجاب: لقد أثبت بنات لُبنان اللاتي لطالما كنّ محطّ سخريتنا أنّهن أرجل من ذكور تونس، وأن يوم الحشر هو أول مظاهرة حقيقية ستشهدها هذه الأرض!

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي وللثورة، وأقِم الرثاء؛ إن الرثاء ينهى عن الأمل في الموتى، ولظُلم البشر أكبر، والله يعلم بما تتخاذلون.

 

ضغط على أيقونة “نشر” ثم تمتم: تقبّل الله لايكاتكم، وكل فنكوش وأنتم بخير.

ـــــــــــــــ

*كل تشابه في هذا المنشور مع أحداث واقعية في غزة تتعلق بـ #‏روتس_الغلابة هو محض تعمّد لا أكثر. كل التحية لتونس الحقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد