هل وصفك أحد أصدقائك مرة على سبيل المزاح بأنك “برجوازى متعفن”؟ هل شاهدت بطريق المصادفة فيلم “فوزية البرجوازية” بطولة إسعاد يونس؟ أو شاهدت واحدا من أولئك اليساريين المتجهمين دائما فى الأفلام، وهو يطلق ذلك اللفظ أينما ذهب، من الممكن أيضا أن تكون سمعت بالثورة الفرنسية وارتباطها بالبرجوازيين. إذا ما هى البرجوازي وما طبيعتها؟ وهل يعيش حقا بيننا من هم كذلك ؟

 

 

 

 

 

– البرجوازية la bourgeoisie :

 

دعك من تلك المقدمات التاريخية الطويلة عنها، والتى ترسخ عهودا طويلة من البراجماتية والأنانية التى لا نظير لها، باختصارهى الطبقة – الحاكمة فى المجتمع الرأسمالى ـ التى تمتلك أدوات الإنتاج وتتحكم فى البضائع والمؤسسات من أجل الحفاظ على مصالح أفرادها، والاحتفاظ بأكبر كم ممكن من الامتيازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون باقى الطبقات.

 

 

 

تظهر مع بدايات العصور الوسطى متحالفة بشكل ما مع الكنيسة الكاثوليكية فى توجهها للقضاء على الإقطاعيين، وتقضى فى نهاية تلك الحقبة على”الإقطاعى الاكبر” وهو الكنيسة ،

 

 

 

ثم تشتعل الثورة فى فرنسا فتتحالف مع الفلاحين ومع الفقراء من العمال والكادحين (البروليتاريا) للقضاء على طبقة النبلاء ورجال الدين، وتنقلب عليهم فيما بعد وتصعد بنابليون بونابرت إلى العرش: منصبة إياه إمبراطورا، ثم تجهز على الأرستقراطية تماما مع بداية الثورة الصناعية، معلنة نفسها طبقة حاكمة جديدة تقود البشرية حيث تشاء أهواؤها.

 

 

 

 

 

 

 

لتلعب منذ ظهورها وحتى الآن ذلك الدور الأبرز فى الاقتصاد والسياسة والثقافة، فكانت حامل شعلة عصور التنوير الأوروبية، وشكلت كذلك علاقات إنتاج جديدة قائمة على الاستغلال والربح محولة حياة الغالبية العظمى من البشر إلى مجرد ساعات يقضونها فى العمل، مجردة إياهم من الحياة الطبيعية، واضعة المال كمعيار أساسي للنجاح، ومحطمة مبدأ تعادل أو “تكافؤ” الفرص.

 

 

– البرجوازية والبروليتاريا :

 

كان الفيسلوف والاقتصادى الألمانى ماركس هو من أسرف فى الحديث عنها، فكان الأعنف بين منتقديها، حيث وصفها كطبقة تهدف إلى تشكيل العالم وفقا للمفاهيم الخاصة بها، وعلى الأسس الجديدة لعلاقات الإنتاج -المستغلة والغير عادلة – التى وضعتها، لنقل إنه قد وضعها خصما أول للبروليتاريا لابد من الاصطدام به فى طريق الصراع الطبقى المؤدى للثورة التى تطمح للخلاص.

 

 

 

وهو ما يؤكده ما ذكرناه من قبل عن خيانة البرجوازيين الفرنسيين للعمال، إبان الجمهورية الأولى، وهي في رأيه أيضا عمود الأساس للنظام الرأسمالي الذى تدور نظريته وكتاباته حول ضرورة القضاء عليه، واسترسل لينين (قائد الثورة الروسية ومن أهم تلاميذ ماركس) فى الحديث عنها مفسرا طبيعتها وتكويناتها ما بعد الثورة الصناعية، مقسما إياها إلى عدة فئات أدناها تلك “البرجوازية الصغيرة” المتمثلة فى صغار التجار والموظفين والحرفيين.

 

 

 

 

 

على ما يبدو فقد استخدمت إحدى تلك المقدمات الطويلة التى حذرت منها، ولكن ما يهم الآن هو الحديث عن التصور العربى لتلك الطبقة وتأثرها بها.

 

 

 

 

– البرجوازية العربية (الهجين) :

 

انتهت الحقبة الناصرية وبدأ عصر انفتاح ما بعد معاهدة السلام فى مصر، وأيضا مع بداية الحقبة البترولية في الخليج العربي، صعدت إلى السطح طبقة جديدة من الأغنياء أصحاب رؤوس الأموال والتجار الكبار والملاك،

 

 

 

 

 

وبدأت فى تشكيل شبكة من العلاقات المتصلة بالدوائر الاقتصادية والسياسية للدولة، فبعد أن كان هؤلاء مجرد “تجار” يتحكمون فى الأسعار أصبحوا ساسة ورجال أعمال، بل رجال دين، يتحكمون فى المجتمع يوجهون بوصلته حيثما شاؤوا بما يحفط مصالحهم، ويضمن امتيازاتهم، حتى جعلوا من المواطن العربي.

 

 

 

 

عموما أداة تعمل بكل ما أوتيت لصالحهم وتكتفى بما يسد الرمق ويحفظ الجسد من الهلاك فى معظم الحالات وإن اختلفت بصورة كبيرة فى دول الخليج.

 

 

 

 

وعلى عكس البرجوازية الفرنسية مثلا التى ساهمت أشد مساهمة فى النهوض بالعلوم والفكر والثقافة في أوروبا، بل شكلت نمطا خاصا من الحياة ـ وان كان معيبا- فإنها قد أسست لمبادىء إنسانية – ولو على المستوى الجغرافي الأوروبي – كالحرية الشخصية وحرية الرأى والتعبير واحترام الحقوق المدنية والاجتماعية للأفراد،

 

 

 

على العكس من ذلك، فإن ما لا يجوز تسميته بـ “البرجوازية العربية” ذلك الهجين الذى لم يأخذ من الشكل والنمط الأوروبيين إلا الاستهلاك، وهو ما يقوم على استغلال واستنفاذ الطبقات الأقل حظا والغارقة فى الديون والفقر.

 

 

 

 

أهمل الهجين الغني العلوم وهبط بالثقافة، إما الحرية فهى مفهوم لم يستوعبه القاموس من الأساس، وهو ما يدل على أن مصطلح البرجوازية العربية معيب، وإنما يتم استخدامه مجازا؛ لوصف الطبقة الغنية فى المجتمعات العربية، والتى هى فى الأساس ” طبقة غنية بدائية” ترى فى العلم والثقافة والحرية شرورا لابد من القضاء عليها ومجابهتها، وكل ما يهمها هو الاستحواذ على المال والسلطة.

 

 

 

– البرجوازى العفن

 

“البرجوازي العفن” ذلك المصطلح الذى استخدمه ماركس لوصف الفرد المنتمى لتلك الطبقة، وهنا نتحدث عن البرجوازي العربي العفن أو المصري على وجه الخصوص.

 

 

ـ فى الاقتصاد :

 

ليست هناك بيانات أو إحصاءات أو دراسات اقتصادية معقدة، فالمسألة أبسط من ذلك! ونشعر بها يوميا: فما أحدثه ذلك الفرد الهجين المتغطرس بالاقتصاد المصري لا غبار عليه.

 

 

فى الوقت الذى يقبع فيه ما بين 40 إلى 50 بالمائة من المصريين تحت خط الفقر، يحتل ثمانية مليارديرات مصريون عدة مراكز متقدمة فى قائمة فوربس لأغنياء العالم لعام 2015م،

 

 

 

 

ناهيك عن محاولة الانعزال الديموغرافى عن بقية أفراد الشعب من الطبقات المتوسطة والعاملة وبالطبع طبقة الفلاحين، وهو ما عاصرناه على مدار السنوات الأخيرة فى صورة مجموعة من المشاريع العمرانية الهائلة التى تحمل جميع الخدمات التعليمية والصحية التى حرم منها الشعب، وتبعث برسالة واضحة ” ابتعد عن تلك الحشرات إلى مكان هادىء يخلو من ضجيجها”.

 

 

 

 

ـ السياسة = المصلحة الشخصية :

 

سيطرت تلك الطبقة على الحكومات المتعاقبة بصورة مفجعة، حتى تكاد تخلو الحكومات من أي فرد اختير على أساس الاختصاص والكفاءة، ولابد لمعالي الوزير(رجلا أو امرأة) أن يكون واحدا من الأغنياء بالأحرى من البرجوازيين ـ الذين هم على ما يبدو لا يعلمون أنهم كذلك!

 

 

 

 

ـ يجتهدون ليل نهار لإقناعك بأنهم أبناء هذا الشعب وخدمه، حتى أن الأمر قد وصل فى بعض الأحيان إلى تعيين رجال أعمال أو “حيتان كبار” فى وزارات تختص بمصالحهم الاقتصادية والتجارية الشخصية، فلنعين مثلا صاحب مشفى استثمارى وزيرا للصحة، أو صاحب شركة مساهمة وزيرا للتجارة، أو صاحب توكيل سيارات كبير وزيرا للنقل!

 

 

 

ـ فى الدين:

 

“البرجوازى مهمته أن يجعلك فقيرا، وكاهنه مهمته أن يجعل وعيك غائبا” ماركس

 

 

 

لا حرج على رجال الدين من الانخراط فى تلك اللعبة الطبقية بامتياز، فقد سارت الدعوة الدينية (المسلمة والمسيحية) على السواء فى العهود الأخيرة على إخماد كل تلك الأفكار التى تنتقد التفاوت الاجتماعى والفجوة الاقتصادية الرهيبة – غير المبررة – والقائمة على أساس من الفساد المالي والإدارى، وعلى قواعد الغش وتغليب المصلجة الشخصية والربح بأي طريقة كانت، وهى المبادىء التى ترفضها كل الأديان وتدعو لنبذها.

 

 

 

 

 

ولكن ما يبدو عليه الحال أن الكثير من رجال الدين قد شكلوا هم الآخرين نمطا مسيطرا على الأبواق الدعوية يوجه الناس إلى مفاهيم “الرضا بالمقسوم” وأن غنى الأغنياء – الغير مبرر – هو قضاء من الله وقدر لا يجوز الاعتراض عليه، حتى ظهر فى الآونة الأخيرة جيل من الدعاة الشباب على الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى محور كلامهم،

 

 

 

 

 

وكل ما يرمون إليه هو إقناعك بكل الظروف المادية القميئة المحيطة بك، وبما صار الفجوة الفاحشة التى تتسع كل يوم، فالحياة عندهم جميلة والأمور كلها وردية مبشرة، حتى وإن كنت فقيرا بالإجبار، لا عن منقصة أو عجز منك، فعليك فقط أن تصبر!

 

 

وقد قالها الإمام علي رضى الله عنه: “لو كان الفقر رجلا لقتلته”

 

 

ـ فى الرياضة :

 

حتى الرياضة لم تسلم من نزعة التحكم والسيطرة عند هؤلاء، والمثال البين على ذلك هو كرة القدم التى تحولت من رياضة ولعبة شعبية إلى مجرد اداة للربح الشخصى كالعادة، والأندية كما هو معروف هى ملك للدولة والربح الشخصي ذاك من أموال العامة ودافعي الضرائب.

 

 

 

 

 

فأصبح كل ما عليك فعله هو أن تنخرط فى النادي إداريا وماليا لتحمل كل ما تسع ذمتك من الأموال، وإذا طلب منك رجال السياسة أن تلعب دورك خارج المستطيل الأخضر؛ لإلهاء الناس عن المشاكل والأزمات المتفاقمة، اطلب سعرا لا يشترط أن يكون ماليا فقط اطلب ما تشاء.

 

 

 

 

 

 

ـ موقفهم من الثورة :

 

البرجوازيون هم أصحاب المصالح، وكما قال العبقري نجيب محفوظ : “أصحاب المصالح لا يحبون الثورات”.

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد