إننا اليوم نعيش بعالم متصارع لا يختلف كثيرًا عن عالم القرنين الماضيين، فقد كان معسكر الغرب المتمثل في الدول الأوروبية الاستعمارية كبريطانيا وإسبانيا أكثر الدول بحثًا عن أطماع بالعالم سابقًا حتى تم اكتشاف أمريكا وأستراليا وبالطبع استعمارهم وليس التعايش مع سكانهم الأصليين، وكما هو معروف تاريخيًّا الصراعات التي كانت جزءًا من تاريخ أمريكا ما أدى إلى تكون تكتل برجوازي أقوى متمثل اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت الأقوى بالعالم نسبيًّا حتى فترة قريبة بفضل القوة المكونة لها وهي بريطانيا العظمى سابقًا؛ الأب الروحي الذي نما تلك القوة البرجوازية بسياسات دولة أقرب لكيانه ودولته بكل شيء، حتى بدأت الاستقلال وأبراهام لينكولن ثم الفدرالية وبالتالي نظرة تلك القوى الاستعمارية البرجوازية رائدة معسكر الغرب لابد أن تكون على تلك الشاكلة، رغم الحرية والديمقراطية الداخلية إلا أن المواطن الأمريكي هو بنظرة تلك الدولة له الأفضلية على العالم، وخاصة العرب والشرق أوسطيين والأفارقة وذلك يجعل النظرة عنصرية لأن السياسات الاقتصادية أولًا والسياسية، إضافة للتكتل الثيوقراطي المسيحي واليهودي خاصة الموجود لتطويع الشعب، خاصة بالولايات الجنوبية مما يخدم القوة المسيطرة على القرار الأمريكي، وخاصة بما يخص الإقليم الذي نتحدث عنه وأسميه جوهرة الغرب.

ولكن يلوح في الأفق تغير لنظرة وسياسات تلك القوة البرجوازية، وهذا من الأساسيات البرجوازية الآن التي تدعم الكيان، فإذا ما تغيرت نظرة أمريكا للعالم الشرق الأوسطي والعالمي ومصالحها ذاتها بوصفها دولة انعدم أو انخفض على الأقل الدعم المستمر للكيان، إلا أن براثن التكتل الصهيوني بأمريكا والتي فقدت طوال فترة أوباما ومنذ بداياته كثيرًا من نمط العمل الخاص بها، وتصارع لاستعادته في شكل بوش جديد وسيظهر بالأشهر القادمة وأثره على منطقتنا، وهنا نحن ننظر إلى الواقع بنظرة جديدة ليست مكررة، فقد انقضت نظرة اليسار وأثرها بهذا العالم ومحاولاتها للتغيير، وانقضت نظرة الليبرالية بشكل ما وأثرت وغيرها من مختلف الأيديولوجيات بما فيها الأيديولوجيات الثيوقراطية للأديان، والتي بدأت منذ العصور الوسطى بأوروبا وفشلت، وبالتالي علينا أن تكون نظرتنا أكثر عمقًا وجوهرية لتأثير أكثر تغييرًا اليوم.

من يحلم بعالم يتصف بالعدل والمساواة والاتزان والأمان عليه أن ينظر بتلك النظرة للعالم ويبدأ التغيير بالتحالف مع كل الثائرين المؤمنين بنفس الهدف، وخاصة الشرق الأوسطيين والأفارقة وكل المسلوبة حقوقهم بالعالم، وأيضًا من شعوب هذا المعسكر الغربي، وبالتالي يبدأ هذا بالتحليل لتوازنات القوى العالمية والتحالفات الجديدة وأساليب الحرب العصرية، ويتلخص جوهر هذا بالنظر إلى حال الشرق الأوسط ودول أفريقيا. هذا الإقليم عامة هو مستعمرة الغرب البرجوازي منذ قرون كما هو معروف تاريخيًّا، ولكن الجديد في الأمر أن الحرب العصرية أصبحت السلاح منذ بداية الألفيات، وجاءت الفكرة من الجمهوريين وتكتل اليهود الأمريكان الجمهوريين سياسيًّا، وبالطبع معروف أنهم تكتلوا واستغلوا الحروب والصراعات العالمية، والتي أبرزها فاشية هتلر وأطماعه البرجوازية، إلا أنه بالنظر لتجربته فهي شكل صغير جدًّا للبرجوازية المتطورة التي ظهرت فيما بعد وأصبحت كتلة وسلطة اقتصادية بدول أوروبا وأمريكا، حتى أصبحوا ورقة ضغط على تلك الدول، مستغلين جنسياتهم المختلفة والدساتير والقوانين والحقوق والحريات، أي دولة القانون، للوصول لأهداف وخطوات في سبيل حلمهم وهدفهم الأساسي الذي نراه الآن يعربد بفلسطين وبالعالم كله، بأذرع اقتصادية وسياسية وأحيانًا سلطوية.

هذا شكل للبرجوازية الفاشية التي تحولت لثيوقراط فاشي بعد ذلك، والعجيب أن الماسونية كانت قوة مسيطرة وأكبر من هذا التكتل إلا أن هذا التكتل أصبح هو القوة الصهيونية المسيطرة وأصبحت الماسونية فكرة تابعة، وتناسق واندمج الاثنان لأنهما برجوازيا الهوية.

الآن نأتي إلى القوة الشرقية. فروسيا بعد فشل استمرار الاتحاد السوفيتي بتجربته نتيجة لسياسات ستالين، تحول لروسيا الاتحادية اليوم بعد عدة مراحل وقد أثرت عليها رائدة البرجوازية أمريكا (أمرك) حيث طوعت النظام والمجتمع بداية من التوجه الديني والمجتمعي، فعاد الكرملين والديانة الرسمية ليس لدين إنما هي خطوه للقضاء على الشيوعية مستغلة جانب الإلحاد لأن الشيوعية اشتراكية اقتصاديًّا وتنحاز للفقراء دائمًا (البلوريتاريا)، عكس توجههم الرأسمالي المنحاز للربح أولًا وأخيرًا، ما يهمهم العامل صاحب قوة العمل التي تؤدي للربح فلا يوجد باقتصادهم مراعاة لحق العامل بتوازن بين الربح وقوة العمل، لأن الاثنين بحاجة لبعضهما البعض فلا ربح دون عمل وقوة عمل، ولا عمل دون رأس مال لقيام أنشطة العمل. ولكن روسيا اليوم تسير بشكل أقرب للقومية الرأسمالية التي هي ضمن بوتقة البرجوازية أيضًا، وبالتالي لا مانع من الفاشية والاتفاق والتصالح مع القوى البرجوازية الأخرى.

كذلك الصين استغلت أمريكا تحالفها معها وحولتها لدولة رأسمالية المضمون، اشتراكية المظهر، شيوعية الملامح أو ذات معالم شيوعية كحزب وسلطة، بل هي مستعمرة اقتصادية أمريكية فترة طويلة منذ الحرب العالمية، حتى أصبحت مستقلة إلى حد ما اقتصاديًّا مؤخرًا وأصبحت تحسب من قوى معسكر الشرق، أو ما نسميه القوة الأخرى وبالتالي فنظرتها هي الأخرى نظرة دولة برجوازية، فقد اكتسبت السمة طاعون الأمركة لذلك لم يعد بالعالم سوى أمريكا اللاتينية تناهض البرجوازية.

تلك هي القوة العظمى العالمية وتكتلاتها، أما عن التكتلات الصغيرة فلا يوجد حركات أو تكتلات ثورية، إنما تنوع ما بين صهيونية وبرجوازية وثيوقراط بالعالم وخاصة الشرق الأوسط، مما يسهل تمهيد الطريق للشرق الأوسط الجديد.

وللمفارقة فإن الأستاذية هي هدف أسمى للوبي أو التكتل الصهيوني، وشبيه له مع اختلاف الدين بالدول العربية، فيتمنون أن يكون العالم كله مجتمعًا واحدًا ونسيجًا واحدًا وفكرًا واحدًا ودينًا واحدًا ورأيًا واحدًا، وخدمًا لعمل ومرشد أو قائد أو أيًا ما كان، ورأسمالية احتكارية واستغلال وفاشية دموية، العالم لا يدرك نعم الرب، فالضعيف حين يقوى والفقير حين يغتني والمظلوم حين يصبح قادرًا يصبح أشرس من القوي والغني والظالم وينسى بؤسه وحاله سابقًا، فإلى أين؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد