يبدو غريبًا حقًّا أن ينتظر المرء خبر وفاة أحدهم، بل إنّ الذهول يعتري من يسمع سؤالًا كالذي طرحناه، وتدور في ذهن السامع أفكار لعلّ أحسنها اتهام صاحب السؤال بالقسوة والحقد تجاه المسؤول عن موته، لكنّ في بلدي صار السؤال عن وفاة الرئيس مألوفـًا ومكرّرًا أكثر من التحيّة الصباحية.

هل مات الرئيس، أين الرئيس، لماذا لم يظهر الرئيس؟ وأسئلة كثيرة من هذا القبيل يطرحها الجزائري بالغدوّ والآصال، في وقت لا تفتأ فيه المواقع الإخبارية تنشر الشائعات لتستثمر في الموضوع ليزيد عدد زوّارها، ولا ينفكّ النشطاء يتناقلون تلك الأخبار ويزيدون عليها فيكثر المرجفون في مواقع التواصل الاجتماعي ويتناطح الناس بين شامت ومتحسّر، ويتمايزون بين مكذّب ومصدّق، ويبلغ الخصام ذروته كلّما تأخرت المؤسسات الرسمية في نشر الخبر اليقين حول صحّة الرئيس، وهكذا دواليك كل أسبوع لا شغل للجزائري إلا تقصّي أنباء الرئيس بوتفليقة، هذا الأخير الذي شغل شعبه بأخبار موته أكثر ممّا شغله بمشاريع تنقذه من الهلاك القريب في صورة تراجيدية تتفتّت لها أكباد الغيورين على شعب ابتُلي بمن يسومه سوء السياسة منذ أزيد من نصف قرن، ويكأنّ هذا الشعب صار ينتظر الخلاص من ملك الموت بعد أن يأس من الخلاص بالانتخاب والتغيير السّلمي!

إنّه لمن ضروب اليأس المريع أن يتعلّق شعب بأكمله بموضوع صحّة فرد من أفراده، حتى لو كان هذا الفرد برتبة رئيس دولة، فالرئيس وإن كان لوحده يمثّل مؤسسة دستورية قائمة بذاتها لا يجب أن تتعطّل لأجله مصالح دولة بأكملها شعبًا وحكومة ومؤسسات، كلّ شيء في البلاد أصابه الشّلل، وبرنامج الرئيس الذي ترافع من أجله أحزاب النظام الحاكم لم يعد وسيلة تعمية كما كان في السابق؛ حيث يقابل كل من قال شيئا عن الرئيس بالسؤال المذكور أعلاه فيبهته ويصيب دعايته في مقتل، ثم يتولّى حاسر الرّأس يجرّ أذيال الهزيمة الدعائية بعدما كان الرئيس مظلّة تختبئ تحتها جحافل الوصوليين والانتهازيين، فأضحى ذكره حرجًا، والحديث عن برنامجه معرّة، وجواب الناس عن صحّته مجلبة للسخرية والتنكيت والتكذيب؛ ما حذا بالوزير الأول إلى القول «علاه أنا كذاب؟ قلت لكم الرئيس راه لاباس» «هل أنا كذاب، قلت لكم إن الرئيس بخير» بعدما أعياه المتتبّعون بالسؤال الأسطوري الذي اتخذناه عنوانا لهذه السطور.

ويتكرّر السؤال وتتضح ملامح الأزمة الحقيقية كلّما سمعناه، فتظهر دلالاته أعمق ممّا يظنّه حتى من طرحه، إذ يحمل بين حروفه معضلة مركّبة من أبعاد سياسية وإعلامية واجتماعية لها أثر واسع على الرأي العام المحلّي، ولتداولها الإعلامي أثر أوسع على سمعة الدولة ومؤسساتها، كما ينطوي موقف المجتمع منها على مخاطر تكشف تضعضع البنية الاجتماعية وتعرّي أزمة الثقة بين المواطن والحكومة.

على المستوى السياسي يشير غياب الرئيس عن تأدية مهامّه وجفول أصحاب القرار عن القيام بخطوة في اتجاه استخلافه، إلى عجز منظومة الحكومة المستندة أساسًا إلى «كارتلات» متصارعة عن إيجاد صيغة توافقية تحفظ توازناتها، إذ ما تزال تحاول ربح الوقت بإطالة عمر الرئيس بتغييب المعلومة الحقيقية إلى غاية إيجاد مخرج قد يتأخر إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة، ولا يخفى عن ذي لبّ أن مثل هذه المماطلة تنمّ عن فشل صارخ في إدارة شؤون الدولة في نظام دأب على ممارسة التدليس والمداورة، تكشّفت سوأته بعد انهيار واجهته، وهي قاصمة الظهر بالنسبة للنظم القائمة على حكم الفرد الواحد الذي يحفظ التوازنات المصلحية والجهوية داخل كياناتها المختلفة.

ويأتي التعامل الإعلامي من طرف الحكومة مع ملحّات السؤال المتداول ليزيد الطين بلّة، ويزيد النظام علّة تضاف إلى علّة رأسه، حيث تغيب المصارحة والوضوح عن قاموس الحكومة التي تفتقد أساسًا إلى ناطق رسمي يمكنه تجميل وجهها ولو بتصريحات مطمئنة تخفف من وطأة الريبة، وتزيل الغموض الذي يلفّ موضوع صحة الرئيس، فعوض استغلال الهيئات الرسمية الموجودة على الأقل ممثلة في الرئاسة ووزارة الاتصال في بثّ المعلومة الصحيحة، وسدّ الباب أمام الشائعات، تلجأ الحكومة إلى أساليب بدائية وأحيانـًا منافية للأعراف السياسية بغية نفي أو إثبات خبر يتعلًق بالموضوع، فتلجأ مرّة إلى بثً صور صامتة للرئيس وهو يستقبل ضيوفه، أو تستعين بتصريحات هؤلاء ليؤكدوا للشعب أن رئيسهم بخير من باب «شهد غريب لفائدة ابن البلد» كما حدث مع الرئيس الفرنسي، أو تستنجد بأحد رجالات الدبلوماسية ليتحدّثوا باسم الحكومة كما هو الحال مع السفير الجزائري في لبنان الذي أخذ على عاتقه مسؤولية التهريج على الشعب لأنّ مثله جدير بالصمت لا الكلام؛ لأنّه أبعد ما يكون عن الواقع، وصوته أضعف من أن يصل إلى مسامع المواطنين في الداخل.

فوضى تصريحات وبيانات تضرّ أكثر مما تنفع تؤكًد مرًة أخرى ضعف العملية الاتصالية لدى الحكومة، وتضعها أمام تحدّي إثبات وجودها قبل إثبات الخبر المراد إثباته.

ونأتي في الختام إلى الدلالات الاجتماعية للسؤال الذي يلخّص عمق المأساة بجلاء، ويُجمل انفصام عرى الثقة بين الحكومة والمواطن في عبارة استفهامية تنطق بما يجول في خاطر هذا الأخير من مخاوف حول مستقبل بلده، فهو لا يخشى في الواقع موت الرئيس لأنّه بشر كغيره، وإنما يخشى المستقبل ويتوجّس ممّا يحاك في الخفاء بعد موته، قلق وارتياب وشك لا يكاد ينقطع يزعزع طمأنينة المواطن الجزائري الذي يطرح السؤال ولا يجد إن طرح عليه السؤال نفسه من ردّ عدا «ومن سيخلفه؟».

قلق يؤزّ ريبة فيولّد خوفـًا من المستقبل المجهول، وكأنّ الجزائري مربوط إلى جذع شجرة غير ذات قرار تميل مع الريح حيث مالت، فهو من جهة يريد التخلّص من الشللية التي يعيش فيها، ومن جهة أخرى يخاف السّير في طريق التغيير بمفرده ويفضّل حالة «الستاتيكو» على أيّ مغامرة بالحراك الفعّال، وبهذا يحشر نفسه في قوقعة الترقّب والانتظار كمن ينتظر فتحًا من السّماء، والناس في بلدي على ثلاث أحوال في هذا الصدد:

مترقّب يكاد يركن إلى ما سيخرج به النّظام، وهو متنصّل من مسؤولياته يبيع مستقبله بعرض من وهم الاستقرار.

ومتجاهل يائس لا يعبأ بالوضع، مستقيل من السياسة لا يهمّه أغرق المركب أم نجا، ولسان حاله يقول العبارة الشهيرة «تخطي راسي».

والثالث مشغول البال مهموم بالتغيير، لا يفتأ يطرح الحلول بجلد الصابر وحماس الثائر، لسان حاله يسأل: «هل سيموت الوطن إن مات الرئيس؟»، ولهذا السؤال دلالات وخبايا قد نطرحها في مقال آخر.

إلى ذلك الحين ما زال الجزائري اليائس يعلق كلما سمع خبرًا جديدًا عن وفاة رئيسه بعبارة الممثل عادل إمام في مسرحية الزعيم: «الزعيم أطال الله بقاءه مات؟ هم الزعماء بيموتوا يا باشا؟».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد