ثلاث مراحل تنتظر مظاهرات الجزائر

دولة ذات خصوصية معتبرة، بما عانته منذ قرابة عقدين ونيف، لذلك لم يكن مستغربًا عندما غربلت رياح الربيع العربى جيرانًا كثر من حولها، أن تظل هي تراقب من بعيد، وكأن الأمر لا يعنيها في شيء؛ فندوب عشريتها السوداء كريهة المنظر تخرس الألسن، وتجهض في مهدها أدنى بادرة.

سمح صعود عبد العزيز بوتفليقة للسلطة نهاية القرن الماضي 1999، وطرحه ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، بإنهاء عهد الدم والرعب ومنح مستراحًا لالتقاط الأنفاس، وتضميد الجراح، وطي صفحة الاقتتال الأهلي.

استمر بوتفليقة في الإمساك بزمام السلطه فعليًّا قرابة العقد ونصف، قبيل إصابته بجلطة دماغية أرخت قبضته، وإن استمر من على كرسيه المدولب واجهة فاخرة للحاشية الجائعة للاستمرار في السلطه، مرات تكاد تعد على أصابع اليد ظهر فيها الرئيس الجزائري طيلة عهدتة الرابعة. طلة سقيمة ضامرة لشيخ فان تنبئ برجل قد يحتاج معاونة لاستخدام المرحاض، لا ليستمر زعيمًا سياسيًّا لدولة بحجم الجزائر ما أجج غضب العموم من ترشحه لعهدة خامسة، وسط احتجاجات التف عليها بوتفليقه، أو بالأحرى من يقف مختبئًا وراء كرسي بوتفليقة بإعلان تأجيل الانتخابات، وعدم ترشح الرئيس مرة أخرى.

يبدو لأول وهلة أن ما حدث انتصارًا، ولكن هل حقًّا، كان تنحي رأس الدولة أو امتناعه عن الترشح يحدث فرقًا ما في مجريات الأحداث، وفقًا لما رأينا في سيناريوهات الربيع العربي، أم كان فقط خطوة تتبعها خطوات في عملية إعادة تدوير، ربما يصاحبها التخلص من بعض الحرس القديم، أو تغيير شكلي لبعض أدوات الحكم السلطوي على سبيل المزاح مع الشعوب، كتغيير اسم مباحث أمن الدولة إلى جهاز الأمن الوطني، كما حدث في مصر، وكم ذا بمصر من المضحكات.

بنظرة سوداوية، أو بالأحرى واقعية، لما حدث في ثورات الربيع العربي والتغيير الذي جاء به، نستطيع أن نتوقع مراحل تنتظر المشهد الراهن في الجزائر، وكيف سينجح النظام الحاكم عبرهم في فرض إرادته من جديد، كما فعلت أنظمة ما قبل الربيع العربي، ولا سيما النظام المصري من يعد، ولا شك، الأكثر نجاحًا في ذلك.

1- الانتصار المزيف

يقبع الحاكم العربي في مكانه فترة طويلة، حتى إن مجرد إزاحته عند الغضب الشعبي غير المؤدلج يعد نصرًا وهدفًا مجردًا في حد ذاته ينسي الثورة نفسها، تعي الدولة العميقة تلك الحقيقة جيدًا؛ فأحيانًا ما تلجأ إلى التخلي والتضحية برأسها وكبيرها، ولكن فقط إذا تأكدوا من وصول التظاهرات إلى ذروة الغليان والتصميم، وأنه لا رجوع كما حدث في يناير (كانون الثاني) – رحمها الله- واقتراب العامة والأوضاع برمتها من الانفجار، لتبادر الدولة كالحرباء فتغير لونها كي تحمي نفسها، وتلقي للعموم شيئًا يهللون له ويتلهون به، ريثما تلتقط أنفاسها وتستعد للقادم، لم ينتظر المصريون كثيرًا قبيل إعلان حسني مبارك تنحيه عن السلطه، خلا ميدان التحرير أيقونة الثورة المصرية من مئات الآلاف من المتظاهرين، الذين لم يجد معهم شيء لإخراجهم من هناك، ولا حتى عبر الطرق الكلاسيكية، و غزوات رجال على جمال، وفلول على خيول، كما حدث بموقعة الجمل الشهيرة.

اختصر المصريون آلام، وإحباطات، ومواجع، وفواجع عقود طويلة في شخص جنرال ثمانيني، فسرعان ما انتشوا بخروجه من السلطة، واكتفوا فاختفوا وانفض الجمع وتلاحمه بمجرد نهاية مبارك.

يعيش، أو اقترب من أن يعيش، الحراك الجزائري في تلك الأثناء نشوة ذلك النصر المزيف، ونجاحهم في منع بوتفليقة من ترشحه لعهدة خامسة، أو حتى إجهاض تمديده عهدته الرابعة، رغم معرفتهم أنه بالأصل كان غير متاح، ربما يكون مغلقًا طيلة عهدته الرابعة، ليتمحور موضوع التظاهر وغايته فقط تجاه شخص بوتفليقة المريض.

2- حرب الاستنزاف

نهاية أيام ثورة يناير الأولى، وإحالة حسني مبارك إلى الاستيداع، بدأت مرحلة امتدت نحو الثلاثة أعوام، كانت ذروتها وحلقتها الأخيرة تظاهرات الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013، عشرات المعارك الجانبية، وآلاف الآراء المتناحرة، و التي دفعت بدورها نحو عشرات المعارك الجانبية وآلاف الآراء المتناحرة، والتي أفرزت في نهاية الأمر عشرات المعارك الجانبية وآلاف الآراء المتناحرة، حلقة مفرغة دارت قرابة الثلاثة أعوام نعي الآن بعد أن راقبنا الأوان وهو يفوت من كان طرفها الساذج، ومن كان الذكي الأريب، الذي لعب بالجميع ولديه بصمات لا تمحى على قفا كبار السياسيين، إن كان هناك من الأصل في مصر شيءكهذا، متلازمة إنهاك مزمن أفقدت الثورة تأييد الجمهور لها، وألقت بالثوار لقمة سائغة لدولة قوية متخندقة مؤقتًا تنتظر لحظة نضوج الطهي، فانقضت ولم ترحم من وضعها في ذلك الوضع المزري غير المسبوق، منذ أصدر مجلس قيادة الثورة أمرًا بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية.

مرحلة مرة علقم ستبدأ فور الفروغ من المسأله البوتفليقيه، سيغذيها ضبابية المشهد السياسي، وخلو الساحة من المعارضه المنظمة والجادة في ساحة يعرفها النظام جيدًا، ويملك كافة خيوطها هو الخصم فيها، وهو أيضًا الحكم.

3- صعود الفرعون الجديد

أصبح الطريق ممهدًا لصعود ديكتاتور جديد بعد ليالٍ كابوسية ساخنة فيها الكثير من عدم اليقين، واستفحال
أزمات تمس حياة المواطن العادي اليومية، الذي يزهد تمامًا في أي وعود يسمعها عن الديمقراطية وما تمنحه من عدالة ومساواة، ويهرع هاربًا إلى أحضان الفرعون الجديد بمجرد ما تبدأ الدولة في تقديمه عبر كافة وسائل إعلامها وأبواقها.

تضيق الأرض بما رحبت على راغبى التغيير وتتحول الدعوة للتظاهر إلى دعوة للتخريب، ويتحول المطالب بالديمقراطية إلى عدو للاستقرار ممول خارجيًّا، وينحسر الحلم شيئًا فشيئًا مع ترسخ الواقع الجديد.

لا يبدو أن دائرة بوتفليقة المقربة تملك تقديم الديكتاتور الجديد؛ فسعيد الحظ تلك المرة لن يكون السعيد بوتفليقة، الأخ الذي يبدو أنه يتذوق أيام العز الأخيرة، أو أحد مساعدي رئيس الجمهورية؛ فالتظاهرات أنهت أي تصور كهذا ما يزيد من فرص أحد الجنرالات من دائرة رئيس الأركان أحمد قايد صالح الذي قد يكون المشير طنطاوي للحراك الجزائري، ويرعى المرحلة الانتقالية بالجودة والشفافية نفسها التي يشهد بها أغلب سجناء الرأي الحاليين، فسنه المتقدمة نوعًا لا تحتمل دورًا من أي نوع آخر، وإن كان لا شيء مستغربًا، فإنه الشرق الأوسط.

مصطلح مهم جدًّا للشاب الجزائري عانت منه تركيا ما قبل أردوغان الأمرين، وكلف شباب مصر خسارة ثورة بأكملها «الدولة العميقة»، تحالف كبير داخل عمق الدولة ومؤسساتها السياسية، والاقتصادية، والأمنية يجتمعون فيما بينهم على أهداف أبرزها، الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم الشخصية، وعدم التعرض لأي ملاحقة قضائية عند اهتزاز النظام السياسي والقضاء على أي خطر يهدد استمرار سيطرتهم على كافة مفاصل الدولة وأجهزتها، بما في ذلك المواطن نفسه، إذا لزم الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد