ولد الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة في وجدة بالمغرب سنة 1937 من عائلة متواضعة، درس في البداية بالمدارس الفرنسية موازاة مع التعليم العربي في الزاوية الهبرية.

التحق بالثورة التحريرية في سن مبكرة إثر إضراب الطلبة، وفضلت قيادة الثورة في الناحية الغربية تكليفه بمهمة عبر الحدود المالية الجزائرية، وهناك التقى بالسيد محمد الشريف مساعدية وتعرف عليه وأصبح اسمه الثوري «عبد القادر المالي»، إلا أنه فضل العودة إلى الحدود المغربية، حيث كانت قيادة أركان الولاية الخامسة في وجدة، وهناك تعرف على المرحوم هواري بومدين.

بعد الانقلاب العسكري لبومدين والذي عرف بالتصحيح الثوري، قضى بوتفليقة سنوات طوال على رأس الدبلوماسية الجزائرية، كما استغل بوتفليقة عطف بومدين عليه وأصبح الابن المدلل في نظامه.

كان بوتفليقة هو حامل توجهات وأفكار بومدين الثورية للشعوب والأمم المكافحة في العالم، تدرب على فنون الخطابة والفصاحة باللغتين العربية والفرنسية، ومكنته سيرته واحتكاكه بالسياسيين في الداخل والخارج من إتقان الدهاء والمراوغة والمداهنة والحيل والألاعيب والتباكي والمواجهة حسب الظروف، فكان صاحب شخصية مزاجية متناقضة مضطربة، يقول الشيء ويأتي بنقيضه، كما أنه يعشق ويهوى حياة البذخ.

بعد وفاة المرحوم بومدين، كانت المخابرات الجزائرية بقيادة المرجوم قاصدي مرباح بالمرصاد لطموحات بوتفليقة فتمكنت من إقناع قادة الجيش في استبعاده. وتمكن مجلس المحاسبة من إثبات تهمة الاختلاس لبوتفليقة عبر ثغرات مالية، إلا أن الرئيس الشاذلي فضّل حفظ الملف ولم يحاكم أمام محكمة الجنايات باعتباره مجاهدًا، ولا تجوز إهانته هو ورموز الفترة البومدينية.

وعلى إثر ذلك اختفى الرجل عن الحياة السياسية بعد مثوله أمام لجنة الانضباط الحزبية التي اقصته من الحزب.

غادر بوتفليقة الوزارة والحزب في ظروف نفسية صعبة ومؤلمة، ولكنه لم يقطع حبل الأمل في المستقبل، حين ودع إطارات الوزارة قائلًا لهم: «سأعود، سأعود».

انفجرت الأوضاع غداة وقف المسار الانتخابي عام 1992، فكانت الجزائر تحترق والأرواح تزهق، وفي ظل الاحتقان الكبير في أعلى هرم السلطة قام الرئيس زروال وهو الزاهد في الحكم منذ البداية بحسم الموقف بطريقته الخاصة، حيث أعلن في 11 سبتمبر (أيلول) 1998 تقليص عهدته الرئاسية وإجراء انتخابات رئاسية مسبقة، مع الالتزام بعدم المشاركة فيها.

لم تجد قيادة الجيش أحسن بديل من بوتفليقة لحل الأزمة، فكان الجنرال العميل لفرنسا العربي بلخير هو مقترح جلب بوتفليقة باعتباره مجاهدًا يطمئن له الشعب، وبذلك أقنع المؤسسة العسكرية بهذا الاختيار، ثم أقنع المخابرات بقيادة محمد مدين المدعو «توفيق»، والذي يقبع اليوم في سجن الحراش بعد الإطاحة ببوتفليقة، ثم أخيرًا تم إقناع الجنرال خالد نزّار، وهكذا تم الإجماع على بوتفليقة.

كان بوتفليقة في قمة السعادة؛ لأن الفرصة قد لاحت له للانتقام ممن أهانه، وأبعده عن الحكم، والانتقام من الشعب الذي لم يدافع عنه، ولم يطالب به كرئيس بعد وفاة المرحوم بومدين.

عمليات الإقالة للإطارات

كانت أولى القرارات هي طرد 14 إطارًا ساميًا نظيفًا برئاسة الجمهورية، وإهانتهم من خلال صيغة البيان الرئاسي. ثم قام بعزل 22 واليًا بأسلوب مشين ومهين أيضًا، وقد تحدّدت قائمة المعزُولين حسبَ الأهواءِ والميُولات والمعارف والوشايات. وفي عملية استعراضية انتقامية جديدة قام بعزل 74 رئيس دائرة مع حرمانهم من الوظيف العمومي، متهمًا إياهم ظلمًا وجورًا بالانحراف والتجاوزات المهنية دون دلائل أو استجوابات من الأمن حتى! وبعد حوالي سنتين تم إعادة تعيين بعض الولاة المشطوبين بناء على علاقاتهم الخاصة، بل رقي البعض منهم إلى وزراء، في حين ظل البعض على الهامش.

كما قرر إنهاء مهام حوالي 40 سفيرًا و14 مديرًا مركزيًا بالوزارة، وأعطى مهلة شهر لإخلاء المقر، والتحويل إلى مكان آخر ليضم مبنى الخارجية لمصالح الرئاسة.

قانون الوئام المدني

من المغالطات الكبرى التي أراد الرئيس تكريسها وتوثيقها على أنها من أكبر المنجزات، هي نسبته إلى قانون الوئام المدني، ونزول حوالي 5 آلاف من مسلحي الجماعات الإرهابية. والحقيقة أنّ المخابرات التي اخترقت الجماعة الإسلامية المسلحة، وتمكنت من التواصل مع مزراق وجماعته بحضور أحيانًا الجنرال إسماعيل العماري. وقد أفضت تلك الاتصالات إلى استمالة مزراق مدني وإقناعه بإعلان الهدنة من جانب واحد في سبتمبر 1997. ومن ذلك الوقت جمدت معظم العمليات الإٍرهابية، فالجيش الإسلامي للإنقاذ وضع السلاح عمليًا قبل وصول بوتفليقة إلى الحكم بعامين. فالاتفاق حاصل والتجسيد ميدانيا قائم ولم يبق سوى الإعلان والتشهير السياسي.

الفرعنة والتسلط

قامَ بوتفليقة من أجل أن يحكُم كلّ شيء بنفسه، بإلغاء التعيينات عن طريق المراسيم التنفيذية، فأصبح مثلًا الأمين العام لبلدية يعين بمرسوم رئاسي! فلا الوزراء مسؤولون أمام رئيس الحكومة، ولا المديرون المركزيون مسؤولون أمام الوزراء، ولا رؤساء الدوائر أمام الولاة، فالكل يحتج بالمرسوم الرئاسي ويعتبر نفسه مسؤولًا أمام الرئيس دون سواه. وبهذا انتشرت وعمّت الفوضى في البلاد.

كما قام بإلغاء منصب رئيس الحكومة وتعويضه بوزير أول، لتقليص صلاحياته، وهذا ينم عن حب التفرد والميل إلى التسلط وتهميش المؤسسات وفردية في الحكم والتسيير، وكأن الأمر اختلط عليه بين النظام الجمهوري التعددي والنظام الملكي المطلق.

ثم بمراجعة حساباته وطموحاته في الانفراد بالزعامة ونرجسيته، بدأ بوتفليقة في التخطيط لكيفية التخلص من قيادة الجيش المتحكّمة، ونقض العهود بينه وبينهم. ففهم قائد الأركان الجزائري آنذاك العميل محمد العماري الأمر وقرر عدم مساندة بوتفليقة في عهدته الثانية، وأعد قائمة لإقالة بعض المخلصين لبوتفليقة في الجيش وإحالتهم على التقاعد.

وفي نهاية المطاف تدخل بوتفليقة ليسمح له بأن يظل في منصبه قائدًا للقوات البرية. ثم تعيينه بديلًا رئيسا للأركان في 2004. ثم كان سببًا في نهايته وتقديم استقاله في مارس (أذار) 2019.

سياسات فاشلة

أخطر ما قام به بوتفليقة هو فرنسة المنظومة التربوية، ليرهن بذلك هوية الأمة ومستقبل الأجيال. وقبلها تمتد يده وشفته لمصافحة وتقبيل رموز الخيانة من الحركى والأقدام السوداء واستقبالهم بالقاعة الشرفية، ضاربًا عرض الحائط بمشاعر المواطنين والمجاهدين.

بالإضافة إلى حفاوة الاستقبال التي أعدها للرئيس الفرنسي شيراك، والتي لم يحظَ بها أحد من ضيوف الجزائر، لدرجة أن شيراك كان يشعر وهو يمر عبر بعض شوارع العاصمة ووهران، وكأنه يتفقد إحدى مقاطعاته الفرنسية!

وظل بوتفليقة يسوق لفضله في التقارب الأمريكي الجزائري ويعتبره من إنجازاته الهامة، باذلًا جهودًا مضنية من أجل أن يزور جورج بوش الجزائر، إلا أن الرئيس الأمريكي فضل دولًا أخرى، ولم يلتفت لبوتفليقة الذي لم يحض أكثر من 40 دقيقة من وقت الرئيس بوش في زيارة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية، ولم يرافقه حتى في ندوته الصحافية مثلما يفعل بوش عادة مع ضيوفه الرؤساء.

في الوقت الذي أصبحت فيه الإصلاحات البنكية إحدى الأولويات لبعث الحرية الاقتصادية والتجارية وتشجيع الاستثمارات المنتجة، عرفت البلاد سقوط ثلاثة بنوك خاصة وهي: «بنك الخليفة»، و«البنك الصناعي التجاري»، وبنك «الريان»، حيث ألحقت خسائر فادحة بالخزينة العمومية بما هرب من العملة الصعبة عن طريقها إلى الخارج. كما زاد انهيارها وفضائحها في إحجام المتعاملين الأجانب والوطنيين من التعامل مع البنوك الخاصة وانعدام الثقة في النظام المصرفي ككلّ.

الخروقات الدستورية

سأورد بعض الأمثلة لخروقات الدستور من طرف بوتفليقة:

خرق المادة 03: تنص هذه المادة صراحة على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية للدولة، ومع اعتلاء بوتفليقة الحكم، اعتبر احتكار العربية للخطاب والمعاملة الرسمية أمرا يجب تجاوزه، فأصبح خطابه الرسمي والملتقيات الدولية وحتى مخاطبة الفئات الشعبية بلغة المستعمر. وأطلق العنان لغلاة الفرونكوفونية للاستيلاء على الشركات ومؤسسات الدولة وعلى رأسها سوناطراك، وقد صرح في ذلك الوقت رئيس الحكومة أويحي أمام النواب أنه يشكر بوتفليقة الذي خلصه من عقدة الخطاب والتعامل باللغة العربية.

خرق المادة 42 والتي تنص على أن حق إنشاء الأحزاب السياسية معترف به ومضمون، وقد رفضت وزارة الداخلية منح الاعتماد لحزبي الدكتور أحمد طالب ابراهيمي وسيد أحمد غزالي باعتبارهما من خصوم بوتفليقة السياسيين، ثم أصبحت الاعتمادات تمنح للأحزاب انتقاء ابتداء من 2011.

تجاوُز بوتفليقة لصلاحية التعيين في وظائف الدولة في المادة 85 والمادة 78، التي تمنح لرئيس الحكومة، واحتكر تلك الصلاحيات من تعيين رئيس الحكومة إلى الأمين العام للبلدية ومدير ديوان الترقية والتسيير العقاري وغير ذلك، وهذا ما مكّن أخاه السعيد من بسط النفوذ على كل المناصب والوظائف في الدولة، معتمدا معيار الولاء والجهوية.

كما تم دهس المواد 84، و99، و160 من دستور 1996 التي تنص على آليات الرقابة على عمل الحكومة، إلا أنها افرغت من محتواها، حيث لم يبق للنواب إلا بعض الأعمال الاستعراضية، كالأسئلة الشفوية والكتابية للوزراء دون أدنى تبعات.

تؤكد المادة 138 من الدستور على أن السلطة القضائية مستقلة وتمارس في إطار القانون، وأن القاضي لا يخضع إلا للقانون، وهذا وفق المادة 147 من الدستور. إلا أن الخرق تم من الباطن من خلال التعليمات والتوجيهات والإيحاءات للقضاة حول كيفية معالجة الملفات والقضايا ذات الخصوصيات الخاصة.

ومع اقتراب موعد رئاسيات 2009، التي لا يحق لبوتفليقة الترشح لها دستوريا، قام رئيسا غرفتي البرلمان الانتهازيين، بمناشدة الرئيس لتعديل الدستور بما يسمح له بالعهدة الأبدية، وهكذا تم فسح المجال للعهدات المفتوحة التي تقوض سياسة التداول على السلطة وتكافؤ الفرص.

اقتصاد كارثي

إن سياسة احتكار «جماعة الرئيس» المقربين (شكيب خليل، مراد مدلسي، سلال، أويحي، بوشوارب…) لصلاحيات التقرير والتنفيذ وتذبذب قراراهم مع انعدام الكفاءة، جعلت الأجانب يعزفون عن الاستثمار في الجزائر، مثل اختيار شركة رونو الفرنسية المغرب لإقامة مصنعها الأفريقي بدلًا عن الجزائر، ليتم تركيب سيارات رونو بوهران من النوع الرديء غير قابل للتصدير.

وقد تحدث الخبير مبتول عن خسارة حوالي 40 مليار دولار استهلكتها المؤسسات العمومية خلال الفترة من 1991 إلى 2007 في عمليات مسح الديون وإعادة الهيكلة. كما لا ننسى فشل الشراكة بمركب الحجار بعنابة مع الشريك الهندي، لينسحب الشريك الهندي بمليار دولار خسارة للخزينة العمومية.

كما أن أكبر دليل على فشل الاقتصاد الوطني في عهد بوتفليقة هو تلك التبعية المزمنة والدائمة للثروات الطاقوية من نفط وغاز دون غيرهما، حيث ظلت مواردنا من العملة الصعبة تفوق 98٪ من صادراتنا الإجمالية متأتية من المحروقات منذ مجيء بوتفليقة في سنة 1999، وغادر السلطة ونفس الرقم يهيمن على صادراتنا!

أما عقود ما قبل التشغيل والتي بها ترفع الحكومة عدد المناصب، فإنها في الحقيقة إهانة واستخفاف بالناس والقيم حيث يشتغل الأطباء والمهندسون والجامعيون عمومًا بمبالغ مخزية على أمل فتح مناصب دائمة، ولكن غالبًا ما يبقى هؤلاء لسنوات وسنوات وهم في هذا الوضع السيئ.

وإذا كان من الطبيعي أن تفتح مناصب شغل من حين لآخر هنا وهناك في الوظيف العمومي، أو عبر المؤسسات العمومية والإدارية والاقتصادية وغيرها، فإن التشغيل فيها يتم من خلال المعارف، والعلاقات العائلية والصداقات، ولذلك بنسبة حوالي 47% حسب تقرير الديوان الوطني للإحصاء، دون أن ننسى الرشوة، والمحسوبية، والجهوية، والولاءات في تولي المناصب العليا والوظائف المرموقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد