العبارة الأصلية صارت مبتَذَلة منذ ذكرها في الفيلم العربي الشهير ، و الإعلانات التي أعادت إنتاج العبارة مرةً أخرى ، لكن هل ما في العلبة مهم حقاً ؟ أم أن العلبة لعبت دوماً دور البطولة ؟

 

 

 

 

 

الدوائر أم المثلثات ؟

الأمريكيون لم ينتبهوا لأهمية شكل تعليب المنتج إلا في ثلاثينيات القرن الماضي ، وتحديدا عندما بدأت محلات السوبرماركت والهايبر ماركت في سحب البساط من تحت أقدام محلات البقالة المعتادة . الذي تغير هنا هو أن العميل أصبح يدور داخل المتجر ، يتطلع في البضائع المختلفة وينتقي منها ، بعد أن كان في السابق يقف وبينه وبين البائع حاجز ليطلب منتجاً معيناً ، دون أن تتاح له فرصة مشاهدة بقية المنتجات.

 

 

 

 

هنا بدأت الأبحاث حول أهمية التعليب ؛ تجربة رائدة ومشهورة تمت في الثلاثينيات على مسحوق غسيل جديد . قام الباحثون بتصميم علبتين للمسحوق ، واحدة يغلب على تصميمها الدوائر، و الأخرى يغلب على تصميمها المثلثات واضعين في الحسبان نتائج دراسة سابقة ، تفيد بأن الدائرة أكثر جاذبية من المثلث ! . تم وضع نفس المسحوق في العلبتين ،  وتم عرضهما في السوق كمنتجين منفصلين . تفوقت العلبة ذات الدوائر كثيراً في حجم المبيعات ،

 

 

 

 

 

فتم تكرار التجربة مع توصيةٍ بإعطاء كل مشترٍ للعلبة ذات الدوائر علبة ذات مثلثات كهدية . هذه المرة اصطحب المشترون العلبتين إلى منازلهم ، ولم يكونوا على علم بإحتوائهما على نفس المسحوق . استخدموا المسحوقين، و في وقت لاحقٍ تم سؤالهم : أي المسحوقين أفضل ؟  كانت المفاجأة أن أجابت الغالبية بأفضلية المسحوق ذي الدوائر . تمت إعادة التجربة عدة مرات على عينات أكبر ، وكانت نفس النتيجة تصفع الباحثين كل مرة : الدوائر أفضل ، وقد أبليتم شباب البطلة في دور (الكومبارس) !

 

 

 

 

 

 

الصفعة كانت قوية ، ومن تلقاها بسماحة وجدية حاز حصصاً سوقيةً أكبر فيما بعد ، والعجيب أن مسحوقاً كـ ” تايد ” لم يعاصر منتجوه التجربة ، و لكن يبدو أن تأثير الصفعة امتد لهم ، إذ ما يزال ” تايد” يحتفظ بدائرة كبيرة تشغل معظم مساحة علبته في كل الأسواق حتى يومنا هذا! على الرغم من أن التجربة كانت تحاول إيصال معنى أشمل من ذلك .

 

 

 

 

 

 

 

التجربة أكدت للمسوقين أنهم أضاعوا عقوداً طويلةً غير عابئين بشكل تعليب المنتج ، وأن العلبة لها أهمية بالغة في التأثير على إدراك المستهلك للمنتج (perception)، وبالتالي على سلوكه أثناء رؤيته للمنتج ؛ وهو الشراء . لم تكتف التجربة بهذا ، بل أكدت أن تأثير العلبة لا يقتصر على عملية الشراء فحسب ، بل يمتد إلى التأثير على إدراك المستهلك للمنتج أثناء استهلاكه ، فيجعل خبرة الاستهلاك مميزة وجدانياً ، مما يدفع بقوة نحو سلوك يتمناه كل مدير تسويق وهو إعادة الشراء مرة أخرى ، ثم الولاء للعلامة التجارية .

 

 

 

 

 

 

رسائلُ خفية

لكن هل يقتصر دور العلبة على هذا فقط ؟ لا أقصد هنا احتواءها للمنتج ، أو تسهيلها تخزينه ، أو حملها معلومات ضرورية عنه ، فالعلبة تصنع أشياء أكثر إبداعية .

 

 

 

 

 

العلبة هي الصورة المطبوعة في ذهنك عن المنتج ، لتصطادك من بعيد كل مرة تأتي فيها إلى المتجر ، قبل أن تلتقم طُعمَ منتج آخر من باب الفضول .

 

 

 

 

 

 

لون العلبة هو الآخر طُعمٌ أوْقَع أسماكاً كثيرةً . فوَضْع منتج داخل علبة وردية يدل على أُنثوِيتِه ، كما يكفي وضع أي شيء داخل علبة فضية أو ذهبية ليشي  بأصالته ، وفخامته . أذكر أن إحدى شركات النبيذ المشهورة أقامت حملة للترويج لزجاجة جديدة . كان لون الزجاجة الذهبي الخالص هو البطل ، وأنتجت إعلانات كاملة ليس فيها سوى الزجاجة بلونها المميز ، حتى عندما استعانت الحملة بممثلة مشهورة في إحدى الإعلانات ، ظلت الزجاجة هي البطلة الرئيسية . كان مديرو الحملة يريدون أن يوحوا لك بأن النبيذ الذي بداخها أصيل ومُعتَّق، وإن لم يكن كذلك !

 

 

 

 

 

 

للعلبة أيضاً سمة أخرى مميزة جداً ، أدركتها شركة ” نيفيا ” على سبيل المثال ، وهي سمة ” التغيير المتزامن ” . غيرت “نيفيا” من شكل زجاجتها البلاستيكية أكثر من سبع مرات منذ الخمسينات ، وهو أمر بديهي إن كان هذا سيحسن من وظائف العلبة لتسهيل الاستخدام مثلاً ، لكن الغريب أن العلبة ظلت كما هي وظيفياً .

 

 

 

 

 

كانت ” نيفيا” تغير شكل العلبة باستمرار مستغلة  سمة ” التغيير المتزامن ” والتي تعني أن شعوراً ما ينشأ في الذهن – عندما يحدث تغير في المظهر- أن تغيراً ما من نفس النوع حدث في المَخْبَر ، بمعنى أكثر مجازيةً : أن قشرة البيضة لم تنكسر إلا لأن الفرخ قد نما .. وفي حالة ” نيفيا” : تغير العلبة يعني حتماً أن تغيراً متزامناً حدث في المنتج الذي بداخها ، ليصبح أكثر تطوراً وموائمة . وهنا تكمن قوة العلبة ، فالتغيرات والإضافات التي تجريها ” نيفيا” على مواد العناية بالبشرة يصعُب شرح تعقيداتها للمستهلك ، لكن تغيير العلبة سيشرح ذلك بلسانٍ فصيح .

 

 

 

 

 

 

 

بالإضافة إلى ذلك ، كانت ” نيفيا” بتغييرها المستمر لزجاجتها،  ترسل إلى الشابات اللاتي يتجولن في أروقة المتاجر رسالة خفية أخرى مفادها : ربما نحن شركة أنشئت في القرن التاسع عشر ، لكننا نواكب العصر .

 

 

 

 

 

 

المبيعات = 2 نق 2 !

هناك مثال آخر شهير لتأثير العلبة المباشر في زيادة المبيعات دون بذل أدنى مجهود في التسويق !  ورغم أن المثال يذكر دوماً في مجال التسويق ، إلا أن الفكرة العبقرية أتت أصلاً من قسم الإنتاج ، وتحديداً من خط التعليب !

 

 

 

 

 

 

القصة أن إحدى شركات تصنيع معجون الأسنان أدركت أنه نظراً لتحول تفريش الأسنان إلى عادة متأصلة في المجتمع الأمريكي ، بجانب ضغط الحياة اليومية ، فإن المستهلك الأمريكي  لم يعد وهو يغسل أسنانه في الصباح يولي انتباهاً للكمية الخارجة من فوهة أنبوبة المعجون، بل أصبحت أنامله معتادة على الضغط بقوة معينة على الأنبوبة ، دون اهتمام بالكمية الخارجة منها.

 

 

 

 

 

 

الفكرة القادمة من وسط رتابة صوت الماكينات التي تقوم بتصنيع علب المعجون كانت غير رتيبة ، بل مبتكرة :” قوموا بتوسيع قطر الفوهة ” .. تدفَقَ المعجون بكميات أكبر في أمريكا ، وحصلت الشركة على معدل استهلاك أسرع ، وفي النهاية على معدل مبيعات أسرع ، دون أن ينتبه المستهلك ، الذي لم يخطر بباله يوماً أن يحسب معدل استهلاك العبوة ، فضلا عن قياس قطر فوهتها .

 

 

 

 

 

 

أين رأيت هذه العلبة أيضاً ؟

سيتيح لك جوجل أن ترى أفكاراً للتعليب في الوقت الحاضر أكثر عبقرية ، والقصد من المقال ليس سرد أفضل عشر أفكار لعملية التعليب ، بل التنقيب في ماضي العملية عن الفكرة الخام التي تقوم على أساسها ، ثم مبادرتك بالسؤال : أين رأيت هذا من قبل؟ ، ليس على أي رف في المتجر فحسب ، بل في أي حدث أو شخص ؟ أين رأيت تراباً داخل علبة ذهبية يباع على أنه تِبْر ؟  على التلفاز ؟ على المقهى ؟ في بيان ثوري ؟ في قرار سياسي ؟  في المكتب الذي بجوارك ؟ في الشرفة المقابلة لشرفتك ؟ في خطيبكِ ؟ في هذا المقال ؟!..

 

 

 

 

 

 

 

علب بالحجم العالمي

كما اختفى الحاجز الذي يقف خلفه البائع في محل البقالة ، اختفى حاجز الخصوصية ، والسيطرة المطلقة في العالم . في السياسة مثلاً ، لم تعد السلطات وحدها هي التي تملك الميكروفون ، تعددت الأبواق ، والمحتوى ليس واحد ،

 

 

 

 

 

وأصبح الناس يدورون بين الشاشات يأخذون هذا ويَردُّون ذاك ، فلجأ جميع من في سوق السياسة إلى التعليب . كان الإعلام بطبيعة الحال هو خط التعليب المفضل ، والنهائي ، أما التغييرات الوزارية ،  واتفاقات السلام في الشرق الأوسط  فكانت وما تزال مثالاً حياً لنظرية ” التغيير المتزامن” .

 

 

 

 

 

أنشئت مؤسسات عالمية ، وإقليمية ، ومحلية ، لتستخدم كعُلَب ، توضع بداخلها رغبات جهات نافذة ليسهل تمريرها ، أو لتضخيم حدث ما ، أو تصغير آخر ، بل صارت السلطات تنشأ المجالس المتخصصة علناً ، والأحزاب المنافسة ، والشخصيات المعارضة سراً ، لتبيع دجاج “المجمعات الإستهلاكية” لمن لا تعجبهم ” فراخ الجمعية ” ،

 

 

 

 

 

ولأن شكل العلبة صار هو العامل التنافسي الأول ، لم يعد المنتجون يهتمون بما في داخلها ، وصار المستهلكون يفاجأون أحياناً بعد الشراء أنها فارغة ! ثم اعتادوا على ذلك ، ونشأ هنا تفاهم غير مكتوب بين البائعين والمشترين ” نحن نبيع ، ونشتري علباً فقط ، فلا تبحث كثيراً في الداخل ” وتحولت العلبة من عامل تنافسي إلى منتج .

 

 

 

 

 

 

تفنن الجميع أيضاً في تعليب الأيديولوجيا بالتطبيق ، وتعليب التطبيق بالأيديولوجيا ، فظهرت منتجات من الصنف الأول ( الأيديولوجيا المعلبة داخل تطبيق معين لمبادئها )  كالإسلام الوهابي ، والإسلام الداعشي ، الذين تم بيعهما في الأسواق على أنهما هما الإسلام ،

 

 

 

 

كما ظهرت في المقابل ، وباستخدام نفس الأيديولوجيا ، منتجات من الصنف الثاني ( التطبيق المعلب داخل أيديولوجيا ) سواء تلك التطبيقات التي يمكن إيجاد علاقة بينها وبين الأيديولوجيا المعلبة فيها ، كالبنوك الإسلامية ، والأغاني الإسلامية ، أوتلك التي لا تمت بصلة لعلبتها الأيديولوجية ، كالشركة الإسلامية التي تبيع اللحاف الإسلامي ! ، كما تعاني أيديولوجيات أخرى كالليبرالية ، والعلمانية ،  بل مُثُلٌ عليا كالحضارة ، والحرية  من سطحية التعليب الفكري السابق تجهيزه،

 

 

 

 

 

والذي يحول فكرة عامة بتفاصيلها المعقدة ، التي تشمل الحياة بأكملها إلى علبة فارغة يمكن وضع أي منتجٍ فيها ليسهل بيعه ، أو يقوم – على النقيض – بتحويل تفصيلةٍ أو تطبيقٍ سطحيٍ إلى علبة ، يسوق فيها لأيدلوجيا كاملة ، بالسلب أو الإيجاب.

 

 

 

 

 

 

وعُلَبٌ بحجم أصغر

للحق ، لم يكن الساسة أو النُخْبة أول من انتبه لأمر التعليب ؛ لفكرته الخام ،  ولا باحثو التسويق كما ذكرت من قبل ، بل كان الإنسان الطبيعي منذ بداياته على هذا الكوكب ، منذ أن انتبه إلى التباين بين الناس في الأجسام ، و منذ أن اخترع الملابس ، و أوقد النار لإبعاد السِبَاع .

 

 

 

 

 

 

 

لكنه ساعتها لم يَدُرْ بخُلدِه مثلاً ما ستفعله مواقع التواصل الاجتماعي بنا ، ولم يكن يتخيل أنها ستزيد من سماكة العلب التي نقبع بداخلها ، لدرجة قد يستحيل معها التكهن بما في العلبة ، بل يصعب على من في العلبة نفسه – من ظُلْمة جوفها –  أن يبصر أبعاد ذاته ، فضلاً عن ذَوَات مَن حوله ، ولم يكن الإنسان البدائي يعلم أن هذه السماكة ستزيد إلى الداخل ، وأنها كلما زادت تقلص المنتج الداخلي أكثر ، ذلك المنتج الذي صنعت لأجله سائر المنتجات ، فهل يفتح أحدهم علبة الآخر يوماً ليجدها فارغة ؟!

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد