اليوم كان آخر امتحان في فصلي الأول في الجامعة من جديد. أرجو هذه المرة بأن أنهيها حتى آخر فصل فيها، آخر يوم في امتحانات الفصل يدعو للتفاؤل؛ لأنه يستحضر في ذهني آخر يوم في امتحانات آخر فصل، سيكون شيئا جميلا وسعيدًا، الأطراف تكون مقرمشة وخالية من الحشوة، الطريق محشو وطويل.

محشو بما نحب وما لا نحب، علينا أن نقع في حب الطريق، نستكشف جوانبه جانبًا جانبًا، ثم نستودع كل شيء في صندوق الذكريات ونلف عليه شريطة، فهو هدية الأيام الوحيدة لنا، كل شيء ينتهي؛ من نحبهم يموتون، من نحبهم نفترق عنهم، ماذا تبقى سوى الذكريات؟

هي هدية الأيام الوحيدة لنا.

هي ملكيتنا الوحيدة.

تأتي أوقات ننسى فيها، أو نحن ننسى دائمًا، نفتش في رأسنا نتذكر أحد الصناديق القديمة، فنفتح الشريطة عنه، لتفاجئنا كمفاجأة المرات الأولى وحلو مذاقها، وأحيانا أخرى نفتح لنفاجأ بأن ما أمامنا جرى الزمان عليه غيّره أو نحن حينها كنا نراه بشكل مختلف.

صديقتي تخبرني بأن الزمن لا يغير، هو يظهر الأمور على حقيقتها، تكبر الذكريات في صناديقها وتنمو معنا حين ننمو. لقد صرت مولعة بفعل الزمن، حتى بت أكره الجديد، أكره الأصدقاء الجدد، أكره الشقق الجديدة والملابس الجديدة أيضًا.

العنب جميل وهو ناضج ولكنه ليس لديه طاقة بأن يظل هكذا طوال الوقت، كيف نحب العنب ولا نحب الزبيب بمقدار متساوٍ؟

كل جديد هو خارج الزمان، لم يدخل في دائرة تاريخك الشخصي بعد، إلا أنه قد يكون له تاريخ خاص يجعلك تميل له. كيف بإمكانك صنع علاقة بينك وبين شقتك قبل أن تسكنها؟

مارس المشي في الطرقات، راقب الأماكن، إن أعجبتك شقة لا تستعجل وتحصل عليها، بل كون تاريخًا مشتركًا بينكما، بإمكانك الاطلاع على شرفتها، أو التفكر في شكلها من الداخل، إن حدثت مناسبة سعيدة احتفل بجانب شقتك، كنت أعيش في شقتي وأفكر أي أرواح تلك التي قامت على بنائها وتجهيزها؟

أنظر من النافذة أجد عمالا يقومون بأشغال شقة جديدة وهم يستمعون لأم كلثوم.

أتمنى لو كنت ساحرة، أتمنى لو كانت لديّ قدرات خاصة في كل مرة أتواجد فيها في القاهرة القديمة، أمشي على أرضها وأدخل البيوت القديمة، أجلس في مجالسها، أفتح الخزائن وأنظر من الشرفات، أمشي وأنا أدب برجلي في الأرض وأتوقف.

أغمض عينيّ وأحاول تخيل كل الأحداث التي وقعت في إحدى البقع على مدار التاريخ، أي قدرة أحتاجها لكي أعرف؟

أخشى الأصدقاء الجدد، أحب كل قديم، كيف يختار الناس أصدقاءهم؟ أنت لا تختارهم، هم يأتون إليك وكل شيء يتصاعد بشكل تدريجي، على الرجل فقط أن يقوم بما على الرجل أن يقوم به، حتى في صداقاتنا أصبحنا ماديين والصداقة أساسها إنساني.

ما الجمال في صديق تستمتع معه بوقتك وإن حدث شيء ما تتحول لمجرد ورقة تقطع!

الزمن يعطي لكل شيء قيمته، كلما يجري الزمان على صداقاتك تصبح أجمل. العالم يتداعى، هذه جملتي الأثيرة التي أعلق بها بيني وبين نفسي على كل ما أراه، ولكن منذ متى وهو يتداعى؟

نشاهد العديد من الجرائم في هذا العالم وحين نعود بالتاريخ نرى جرائم أبشع أو في ذات المستوى من البشاعة، في أي عالم نعيش؟ وما السبب الحقيقي الدافع وراء كل هذا؟

ما رأيت أشد جورًا على الإنسان من أخيه الإنسان، تنهي صداقات وتحفظ في صناديق تلف بإتقان بشرائط. تحب منير؟

لا تستمع لكل أغانيه، إن صادفتك مناسبة جيدة اختر أغنية لم تسمعها من قبل حتى تربطها بالذكرى. تحب البيتزا؟

لا تأكلها وأنت تهم بلف صندوق، بل جرب شيئًا جديدًا كي تصنع له تاريخًا.

في بعد آخر من هذه الحياة نحن لسنا إلا كائنات هادئة جلوسًا حول طاولات يقومون بتجميع أشياء في صناديق ولفها بشرائط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد