ماذا تغير بعد مرور عام على حملة المقاطعة

في 20 من أبريل (نيسان) 2018 انطلقت حملة المقاطعة التي شهدتها المملكة المغربية، والتي ارتكزت على ثلاث شركات: «أفريقيا غاز» وهي العلامة التجارية التابعة لمجموعة «أكوا»، «أولماس» وهي العلامة المالكة لـ«سيدي علي» للمياه المعدنية، وشركة «سنطرال دانون» وهي شركة متعددة الجنسيات للحليب ومنتجاته. وتمت الدعوة إلى المقاطعة كرد فعل إيجابي بعد الزيادة في الأسعار والتي فاقت القدرة الشرائية للساكنة المغربية.

ويُعد هذا اليوم تاريخًا مهمًا لدى المغاربة والذي لا يقل أهمية عن باقي التواريخ المُؤرخة للنضال، شأنه شأن 20 فبراير (شباط). لأن انطلاقة الحملة جاءت في سياق يشجع على هذا الجانب من الاحتجاج السلمي، وكنوع من السخط الناعم والهادئ والذي كان له تأثير أكثر من النزول إلى الشارع.

ومع حلول ذكراها الأولى، فإن الحملة لا زالت مستمرة ولا زال نبضها حيّا، وعيون المغاربة لا زالت يقظة لأي زيادة ينوون تطبيقها. وستجدون في الأسطر المقبلة الدليل على مدى التأثير الإيجابي لهذه الحملة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

اقتصاديًا، وبحكم المساهمة الكبيرة لنفقات الاستهلاك النهائي للأسر في الناتج الداخلي الخام للمغرب، باعتبارها قاطرة نمو هذا الأخير في السنوات الأخيرة. ساهمت نفقات الأسر بـ2.6 نقطة في نمو الناتج الداخلي لسنة 2017 الذي استقر عند 4.1٪. وبالتالي فإن أي توجه سلوكي من الأسر المستهلكة سيكون له دور حاسم في الحركة الاقتصادية بين الإنتاج و الاستهلاك، وهذا ما لم يكن في علم المواطن البسيط الذي یعتبر  نفسه حلقة ثانوية في الدورة الاقتصادية، إلى أن أزالت الحملة غشاوة الجهل عن عينيه وأبانت له عن قيمته كفاعل اقتصادي، وقد أصبح الآن على دراية تامة أنه جزء من المعادلة الاقتصادية بسيطة كانت أم معقدة، وأن له دورًا جوهريًا في تحديد ثمن البيع، سواء كان الطلب أصل العرض، أو العرض أساس الطلب.

وبلغة الأرقام التي لا تكذب فإن حملة المقاطعة قد نجحت نجاحًا منقطع النظير، وخير دليل على صحة كلامنا هي الحسابات الأخيرة لمجموعة «دانون» والتي كشفت على حجم الخسائر التي تكبدتها بسبب الحملة، حيث تراجع الربح الصافي في العام المنصرم بـ4.2٪، أي ما يعادل الملياري دولار، رغم كل المجهودات التي بذلتها الشركة لتلميع صورتها لدى المستهلك المغربي. ولولا نجاح الحملة ما كانت شركة دانون لتكثف من حملاتها الاشهارية لمنتجاتها عبر الإعلانات ومندوبي البيع الذين أصبحنا نجدهم لأول مرة في محلات التغذية العامة، وهي التي كانت في غنى عن ذلك لكونها صاحبة حصة الأسد. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد شكلت حملة المقاطعة فرصة ذهبية للشركات الوطنية الصغرى والمتوسطة حتى تفرض وجودها وتعرف بمنتجانها أكثر وترفع عدد زبائنها، وهكذا نكون قد حاربنا نسبيًا ثقافة الاحتكار البعيدة عن أي منافسة شريفة قد تذكر.

اجتماعيًا، لقد أكد المغاربة باختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية أنهم يد واحدة في وجه الغلاء، إيمانًا منهم أن المقاطعة هي خيار شعبي لإعادة موازين قوى المجتمع المغربي، إذ إن هنالك فئة ميسورة لم تتضرر من الزيادة المعلنة، ومع ذلك أعلنت تضامنها؛ لأن المصلحة واحدة، ولأننا جسد واحد، فنصف درهم الذي قد لا يعني لك شيئًا كفرد، قادر على زعزعة الحسابات الشهرية لأسرة معوزة بكاملها.

لقد كانت مواقف المغاربة رجولية ولا زالت كذلك، لا زال المقاطعون على عهدهم ووعدهم ليومنا هذا؛ لأن الموقف تعدى كونه رفضًا للزيادة في الأسعار إلى رفض الاحتكار والاحتقار.

فسياسيًا لا مهرب من الربط بين تداعيات حملة المقاطعة وتنبؤات الانتخابات التشريعية المقبلة، إذ إن مواقف بعض الوزراء قد كشفت إلى أي مدى حكومتنا الحالية حريصة على دعم الشعب بعدما طالبت المواطنين بالتراجع عن المقاطعة، لقد تشبتت بموقف الشركات الثلاث. وقد تعدى بعض المسؤولين حدود الاحترام حينما وصفوا المواطنين المقاطعين بأنهم ليسوا سوى مجموعة من «المداويخ». ولعل جوابنا على هذا النعت كان في شكل حضاري، ألا وهو الاستمرارية في المقاطعة والاستجابة التي لا حدود لها من الباقية؛ لأن أي شخص يشعر بالكرامة واحترام الذات لن يحتاج إلى أن تقول له قاطع هؤلاء، سيفعلها بوازع من عزة نفسه.

لقد احترقت أوراق مجموعة من الوجوه السياسية في المغرب بعدما أكدت على أنها في واد غير واد الشعب، وأنها لا تستحق أن تمثلنا في قبة البرلمان في أفق سنة 2021.

ولأن كل شيء مبني على القيم والأخلاق، أنا معك حينما تقول إن الاقتصاد نشاط مهم من حيث التفاصيل، وأن السياسة عالم متشابك الخيوط، أما بنظرة شمولية وعميقة فما هما إلا أسلوب ثقافي وحضاري، وهذا هو النهج الذي اختاره الشعب المغربي، أن يقاطع كل ما قد يسيء إليه.

أيها المواطن العظيم حق الاختيار حق اعتباطي ودستوري، لذلك لا تتهاون في أن تختار ما يناسبك في السوق ثمنًا وجودة، وفي صناديق الاقتراع أداء ونجاعة، وأن تناشد لموقفك لأنك على صواب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد