أشعلت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضد المسلمين في حفل تأبين المعلم صامويل باتي الذي قُطِع رأسه في أحد شوارع العاصمة باريس بسبب عرضه رسوما كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) على طلابه مواقع التواصل الاجتماعي بين مستنكرٍ لتلك التصريحات التي تصدر من رئيس دولة لها مكانها في المجتمع الدولي وتنادي بشعارها الوطني «حرية.. مساواة.. إخاء» صباح كل يوم، وبين غاضب يثأر لدينه ومعتقده الذي تهجّم عليه ماكرون في تأكيده الاستمرار بعرض الرسوم المسيئة للنبي محمد «وإن تقهقر البعض» حسب قوله مشيرًا بذلك للمسلمين الذين ثاروا بموجة على مواقع التواصل الاجتماعي ينددون فيها بتصريحات ماكرون العنصرية وفق ما وصفوها تحت وسم #مقاطعة_المنتجات_الفرنسية، #ماكرون_يسيء_للنبي، #إلا_رسول_الله.

وسلّط الإعلام الفرنسي الضوء في الأيام الماضية على حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية التي انتشرت كالنار في الهشيم في الشرق الأوسط، والتي نشأتْ باعتبارها رد فعل متوقعًا من شرارة التصريحات التي أدلى بها الرئيس الفرنسي ماكرون.

قالت صحيفة «لوباريزيان» الفرنسية (Le Parisien) إنّ نطاق الحملة آخذ بالتوسع في العالم العربي «في الوقت الذي ينتفض فيه الكثيرون ضد دعم الدولة الفرنسية للحق في التجديف والسخرية من المقدسات». ومشيرةً بذلك للوقفة الاحتجاجية التي نظمها العشرات أمام مقر إقامة السفير الفرنسي في إسرائيل.

وأكد موقع RFI أن حملة المقاطعة «قد تضر بالعديد من الشركات الفرنسية»، وأن الأمر لا يقتصر على المواد الغذائية، حيث قررت 430 وكالة سفر تعليق شراء تذاكر الطيران إلى فرنسا.

جاء في موقع BFMTV وهي قناة تلفزيونية فرنسية إخبارية تبث على مدار 24 ساعة إن «التوتر يزداد بين فرنسا وبعض الدول الإسلامية» تزامنا مع حملات المقاطعة في دول خليجية وتركيا وإيران. لا سيما بعد تراشق التصريحات بين الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي اتهم الأول في كلمة ألقاها أمام مؤتمر لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه في مدينة قيصري وسط تركيا: «ما هي مشكلة هذا الشخص الذي يدعى ماكرون مع المسلمين والإسلام؟ إنه يحتاج إلى علاج على المستوى العقلي».

ويعلق على ذلك الصحفي عبد الله المجالي في موقع صحيفة «السبيل» الأردنية فيقول: «عندما يتزعم رئيس الدولة الفرنسية حملة إعادة الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أن للرسول مكانة دينية خاصة عند أكثر من مليار ونصف مليار مسلم على وجه الكرة الأرضية، فهو فعلًا رئيس بحاجة إلى اختبار للتأكد من صحة قواه العقلية كما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان».

والجدير بالذكر أن المواجهة بين ماكرون وأردوغان لم تنشأ من هذه الأزمة فحسب، إذ يتصاعد التوتر بين باريس وأنقرة على وقع الصراع في كل من سوريا وليبيا والاشتباكات في ناغورني كاراباخ وملف التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. فقبل أسبوعين، ندد الرئيس التركي، الذي غالبًا ما يدخل في مشادات لفظية مع ماكرون، بتصريحات الرئيس الفرنسي حول «الانعزالية الإسلامية» ووجوب «هيكلة الإسلام» في فرنسا.

بالعودة إلى حملة مقاطعة المنتجات الفرنسية وتساءل كُثُر عن جدوى المقاطعة أساسًا وتهكّم آخرون، فقد تسببت هذه الحملات في جدل واسع خاصة في دول شمال أفريقيا التي تعتبر فرنسا الشريك التجاري الأول، إذ اعتبر مغردون أن هذه الحملات «لن تتخطى» المجال الافتراضي، وذلك «لاستحالة» قطع العلاقات الاقتصادية مع فرنسا.

كما تداول مغردون أرقامًا تظهر حجم التبادل التجاري الضخم مع فرنسا، متسائلين عن جدوى الحملات ومشككين بمدى تأثيرها «الفعلي» على اقتصاد فرنسا. فحسب موقع «خريطة التجارة»، فإن حجم الصادرات الفرنسية للمغرب بلغ أكثر من ستة مليار دولار عام 2019، وفي الجزائر بلغ أكثر من خمسة مليارات، وفي تونس أكثر من 3.5 مليار دولار.

في الموقع الرسمي للخارجية الفرنسية، فإن فرنسا تصدرت قائمة المستثمرين الأجانب في المغرب عام 2017، وبلغت حصة فرنسا 31.4 في المائة (737 مليون يورو) من مجموع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب.

كما يبدو الوضع مماثلًا في تونس إذ تُعد فرنسا أيضًا أول مزوديها بالاستثمارات الأجنبية المباشرة.

تنظر باريس بعين القلق إلى الاحتجاجات المتزايدة في الداخل وموجة مقاطعة منتجاتها المشتعلة في الخارج فهي لا تريد أن تدخل بأزمة اقتصادية جديدة لا سيما أن الأزمة الاقتصادية التي أنتجها فيروس كورونا لم تتعاف منها بعد، فقد دعت فرنسا حكومات الدول المعنيّة إلى وقف الدعوات لمقاطعة السلع الفرنسية والتظاهر، واعتبرت أن هذه الدعوات «تشوه المواقف التي دافعت عنها فرنسا من أجل حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الديانة ورفض أي دعوة للكراهية».

وأكدت الخارجية الفرنسية أن مشروع القانون ضد الإسلام الراديكالي وتصريحات الرئيس الفرنسي تهدف فقط إلى مكافحة ما وصفته بـ«الإسلام الراديكالي والقيام بذلك مع مسلمي فرنسا الذين يشكلون جزءًا لا يتجزأ من المجتمع والتاريخ والجمهورية الفرنسية».

من جهة أخرى،لا يتوقع محللون أن تؤثر هذه المقاطعة في الاقتصاد الفرنسي أو الشركات الفرنسية، فيقول المحلل الاقتصادي مازن أرشيد: «إذا أخذنا أمثلة سابقة كحملة مقاطعة البضائع الأمريكية في فترات سابقة أو في دول أخرى مثل الدنمارك حيث لم تعكس هذه المقاطعات التأثير الكبير، لعلها قد أثرت بشكل أو بآخر على المدى القصير، ولكن على المدى المتوسط أو البعيد لن يكون هناك الأثر البالغ». وأضاف أن التأثير ما هو إلا تأثير عاطفي انفعالي مؤقت وسيزول بمرور الوقت وينساه الناس لاحقًا. بيد أن أرشيد يشير إلى أن تخوف فرنسا ومطالبتها بمنع هذه المقاطعة قد يحمل بين طياته إمكانية وجود تأثيرات من شأنها أن تقلق الحكومة الفرنسية.

ولكن السؤال الذي يتبادر للأذهان بعد كل موجة مقاطعة تنشأ وتستعر هو عن كيفية نشوء حملات المقاطعة على مر التاريخ؟

-المقاطعة باعتبارها تجليًا للشعوب المقهورة

نشأت المقاطعة على فكرة جوهرية وهي الامتناع الطوعي عن شراء أو تداول أو التعامل مع شخص أو منظمة أو بلد كنوعٍ من أنواع الاحتجاج السلمي، والمقاطعة الاقتصادية أحد أشكال تلك المقاطعة وأكثرها شيوعًا في العالم.

تعود أسباب حملات المقاطعة المنتشرة لعدة أسباب متنوعة فمنها يكون احتجاجًا على رفع أسعار المنتجات، أو بسبب سياسة شركة أو دولة ما في حال كانت المقاطعة على مستوى دولي، أو قد يكون الدافع دينيًا خالصًا وهو ما نشهده في الشرق الأوسط مرارًا ويعود ذلك لطبيعة السكان المتدينة في عالمنا العربي.

وترجع بدايات نشأة المقاطعة في معنى كلمة «بويكوت» boycott، إذ إنه اسم عائلة الكابتن تشارلز بويكوت، الذي عمل وكيلًا لأحد ملّاك الأراضي البريطانيين في أيرلندا. طرد بويكوت المستأجرين الأيرلنديين الذين تأخروا في دفع إيجارات منازلهم بسبب أوضاعهم الاقتصادية السيئة. فردّ الأيرلنديون بسلاحٍ جديد: قاطعوه! لم يعد أحد يتحدّث إليه، أو يعمل معه، أو يشتري منه. أخذت هذه الطريقة في المقاومة شهرة كبرى، ودخل اسم بويكوت إلى اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات في العام 1880، ليصبح ملازمًا ودالّاً على هذا النشاط غير العنفي.

-أبرز حملات المقاطعة

يزخر تاريخ البشرية بحملات مقاطعة كثيرة، ولكن حملات المقاطعة التي ساهمت بتغيير التاريخ بعدها يستطيع الإنسان أن يحصيها ومنها: حملة مقاطعة السكر الذي ينتجه العبيد في بريطانيا، وذلك على خلفية رفض البرلمان إلغاء قانون العبودية في 1791.

بلغ عدد المقاطعين نحو 400 ألف شخص، وتسببت هذه المقاطعة بخفض نسبة بيع السكر الإنجليزي إلى الثلث تقريبًا وعلى العكس تمامًا، ارتفعت مبيعات الشركات التي لا تستخدم الرقيق، مما دعا محلات بيع السكر إلى أن تضع ملصقات تضمن أن منتجاتها صنعت بواسطة «رجال أحرار»، وانتهى الأمر باندلاع الثورة الفرنسية، فكانت هذه المقاطعة نقطة انطلاق احتجاجات ومقاطعات أخرى ساهمت أخيرًا بإلغاء العبودية من قانون البلاد.

لم تكن حملات المقاطعة محصورةً في أهدافٍ سياسية فقط فالتاريخ مليء بحملات ذات أسباب متنوعة، منها حملة مقاطعة (نستله) في السبعينات وتحديدًا عام 1974 تعرضت شركة (نستله) لحملة مقاطعة كبيرة، عندما بدأت حملة تسويقية لبيع بدائل لبن الأم (اللبن الصناعي) إلى الدول النامية؛ حيث اتُهمت بالمساهمة في المشاكل الصحية وارتفاع معدل وفيات الرضع، كما كانت هذه البدائل ذات تكلفة مرتفعة.

نتيجة لذلك بدأ المستهلكون حول العالم بمقاطعة الشركة، وبعد 10 سنوات، أي في 1984 وافقت الشركة على تغيير ممارساتها، واضطرت لتغيير شروط المنتج الخاصة بها وخفض سعره باهظ الثمن، قبل إعادة العمل على إنتاجه من جديد عام 1988 بالشروط الجديدة.

وللدول العربية تاريخ في حملات المقاطعة فكانت مقاطعة القهوة هي المقاطعة الأولى للمستهلكين بالأردن في منتصف التسعينيات، حيث قاطعوا القهوة بعد أن رفع التجار أسعار البن بطريقة مبالغ فيها، شكّل الحدث الأبرز حينها مشاركة رئيس الوزراء الأردني في الحملة حينما منع القهوة في مكتبه. وكانت هذه المرة الأولى التي تشارك فيها حكومة عربية في المقاطعة الاقتصادية، وانتهى الأمر بنجاح الحملة وخفض الأسعار مرة أخرى.

لم تكن حملة مقاطعة القهوة الوحيدة في العالم العربي، فبعدها قامت حملات عديدة كمقاطعة الدجاج والألبان في السعودية تحت اسم «خلوها تعفن» عام 2012، وفي مصر حملة «خليها تصدي» لمحاربة جشع التجار والوكلاء واحتجاجًا على رفع أسعار السيارات رغم إلغاء الجمارك على السيارات الأوروبية، بالإضافة إلى حملة «خليها في المصنع» رفضًا لرفع أسعار السجائر، و«خليها تحمض» احتجاجًا على ارتفاع أسعار الفاكهة بشكل مبالغ فيه.

-أمور يرتهن عليها نجاح حملات المقاطعة

لايوجد دليل واضح لإنشاء حملة مقاطعة فعالة، ولكن أغلب حملات المقاطعة الناجحة تشترك بأمور عدة، وهي:

1- غطاء إعلامي: بلا شك إنّ كل حملة مقاطعة تحتاج من يظهرها للإعلام حتى يكون انتشارها أمرًا أسهل وبتأثير أكبر، وهو ما يمكنها من إيصال صوتها لأماكن كبيرة ومناصرين كُثُر، والعامل الأهم فيها ليس إعلان الحملة وحسب، وإنما بثّ الأخبار التي تظهر المنتجات المُقاطَعة بأسوأ حال والتركيز على سلبياتها، ومن ثم يمكن للحملة أن تبدأ بفاعلية أكبر.

2- إعطاء البدائل: لا يمكن للفرد أن يترك منتج يستخدمه في حياته اليومية دون تأمين بديلٍ مناسب بذات الكفاءة أو يقاربه نوعًا ما، لذلك احرص على سرد البدائل حين تكون المقاطعة في بدايتها حتى يضمن المستهلك استمرارية حياته بشكل روتيني دون مشاكل قد يواجهها حين يقرر المقاطعة.

3- أهداف ورسائل واضحة: يجب مشاركة الأهداف بوضوح مع المناصرين في الحملة، ولا يكفي ذلك فقط وإنما يجب بث رسائل مستمرة لهم وإعلامهم بتحديثات جدوى المقاطعة حتى يشعروا بالأثر الذي تحدثه إرادتهم، لذلك نشر الإحصائيات بالأرقام يكون أكثر إقناعًا ويشكل حافزًا قويًا لاستمرار الحملة وانضمام المترددين بالمشاركة.

4- ترهيب وترغيب: المقاطعة هي شكل من أشكال التمرد السلمي وكل تمرد ينتهي بتفاوض، لذلك احرص دائمًا أن تكون أهداف المقاطعة معقولة ومنطقية، حتى تجبر الشركة المستهدفة على قبول شروطك فيجب أن لا تكون خسارتها فادحة، وأعطها ضمانات وامتيازات فيما لو قبلت بشروطك، وهذا لايعني أن لا تظهر حجم قوة الضغط التي لديك، فالتفاوض يحتاج شدًّّا وجذبًا.

في النهاية، من الصعب التأكد من تأثير المقاطعة في ظل عدم ورود سوى تقارير متفرقة عن تأثر مبيعات البضائع والسلع الفرنسية. وفي المقابل، لفت موقع 20 minutes إلى أن حملة المقاطعة «تهدف إلى بعث رسائل رمزية أكثر من الإضرار بالاقتصاد الفرنسي» الذي لن يتأثر كثيرًا بالحملة.

ولا تقتصر منتجات فرنسا على الأجبان ومساحيق التجميل والأزياء، فهي لا تعتمد على سوق الشرق الأوسط الذي لا يشكل أكثر من 2% من استهلاكه لهذه المنتجات مقارنة بأمريكا وأوروبا، بل لديها صفقات السلاح وطائرات (رافال) العسكرية من شركة داسو، الذي يعتبر الخليج ومصر سوقًا كبيرًا لها، لذلك لا أستبعد بعد انتهاء حملة المقاطعة الشعبية من ظهور دولة خليجية بالإعلان عن صفقة لطائرات رافال بمبالغ خيالية ومبالغٌ بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد