لا يختلف اثنان على أن المقاطعة سلوك نبيل وحضاري، يعكس تنامي الوعي لدى الشعب المغربي بضرورة الدفاع عن حقوقه والتعبير عن سخطه بطرق حضاريةـ، مستفيدًا من مواقع التواصل الاجتماعي التي أظهرت أنها وسيلة فعالة لحشد الملايين من المغاربة للدفاع عن قضية معينة، أو تبني موقف، أو الانخراط في مبادرة أو سلوك اجتماعيين.

إذا كانت المقاطعة قد أبانت عن مدى  وعي المغاربة، فهي أيضًا فجرت للعلن الأزمة الأخلاقية والقيمية التي تنخر مجتمعنا، والتي تجسدت في سلوكات أفراده، سواء تعلق الأمر بالمقاطعين أو غير مقاطعين. لقد قرر بعض المقاطعين – عن وعي أو غير وعي – في لحظة هيجان غير عقلاني أن يعاقبوا كل من خالفهم الرأي؛ فقبل بضعة أيام تبادل (فيسبوكيون) مغاربة فيديو لأحد المواطنين يستهزئ من أحد عمال محطة أفريقيا – المستهدفة من حملة المقاطعة – رغم أن هذا الأخير يبقى مجرد أجير بسيط، لا دخل له، لا في السياسة التسويقية، ولا في تثمين المقاولة، بل إن مستقبله المهني يبقى بين (كفي عفريت) في حال تواصل الحملة. ناهيك عن السب والقذف الذي كان ضحيته كل من قرر الامتناع عن المشاركة في هذه الحملة الشعبية غير المسبوقة، أو أظهر تحفظًا حول مصدرها وأهدافها. يبقى أبرزهم مغني الراب مسلم، الذي تعرض لموجة من السخرية في فيسبوك بعد تبخيسه لقيمة المقاطعة.

من جهة أخرى دخل  بعض غير المقاطعين في  حملات استفزازية مجانية ضد حملة المقاطعة، كان أبرزها وصف وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد المقاطعين بالمداويخ، دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار رغم موجة السخط التي أثارتها تصريحاته، كما اعتبر مدير المبيعات بشركة سنطرال مقاطعة منتجات شركته خيانة للوطن، قبل أن يتدارك ويعتذر بكثير من الحرج عما تلفط به. كما أثارت تدوينة لحنان رحاب، البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي، استياء المغاربة، حيث وصفت المنخرطين في الحملة بالقطيع، قبل أن تسحب الكلمة، وتقدم اعتذارًا للجميع.

الدرس المستفاد من كل هذه الحوادث، أن المجتمع المغربي يعرف فعلًا أزمة أخلاق حقيقية، وانعدام ثقافة تقبل الآخر، رغم كل هذه الروابط الدينية واللغوية التي تجمع أفراده، أزمة تتعدد أسبابها وتتجلى أبرزها في انتشار الجهل والأمية، بالإضافة إلى عامل خطير آخر برز في العقد الثاني من الألفية الثالثة هو العنف الإلكتروني، والذي لم تتخد الدولة بعد إجراءات فعالة للحد منه. لقد خلقت المقاطعة نوعًا من الحماس الزائد الذي ولد سلوكات شاذة تسيء للحملة نفسها، وتشوه الصورة الإيجابية التي سوقها الشعب المغربي لنفسه منذ بداية المقاطعة. هناك عامل آخر يفسر هذه الهستيريا التي طبعت تعامل البعض مع هذه المبادرة، وهو انتشار حالة من السخط الاجتماعي لفئات عريضة من المجتمع المغربي تسرب اليأس إلى نفوسها من السياسات العمومية، فقررت الدفاع بكل الطرق، سواء أكانت مشروعة، أو غير مشروعة، عن حقها في العيش الكريم، ومراعاة أصحاب الشركات الكبرى للقدرة الشرائية لدراويش الشعب.

لقد عكست المقاطعة من جديد التطبيع مع العنف اللفظي، والمادي، اللذين أصبحا سائدين في المجتمع  المغربي، الأمر الذب عراه العديد من الفيديوهات التي تم تداولها قبل أشهر على مواقع التواص الاجتماعي، والتي توثق لمحاولات اعتداء في الشارع العام على فتيات. مشاهد صادمة أثارت النقاش من جديد حول منظومة القيم في مجتمعنا، في انتظار كسب رهان تخليق الحياة العامة في المغرب الذي مازال يحتاج لسنوات من العمل، لكن هذا لا يمنع من أن يتذكر المقاطعون وغير المقاطعين مقولة للزعيم اليساري  عبد الرحيم بوعبيد اقتبستها مع تغيير لمضمونها: المقاطعة.. أخلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!