إن الوقوف على القمة والنظر إلى السفح يُعيد الاعتبار إلى المجهود الذي بذله الشخص قبل أن يبلغ هذا المستوى، فالصراع الذي كان يخوضه مع العوائق لكي يصل إلى مثل هذا الهدف هو الذي أفرز هذه النتيجة، التي من أجلها يستحق هذا المُبدع أن يفتخر.

إنها إرادة التحدي، وتحمل الألم، والتغذي بالمعاناة، والوقوف على أعتاب الفشل، ثم العودة إلى المسار، والاستمرار مهما كان، ومهما حدث. هكذا يصنع الشخص التاريخ لنفسه.
لكن هناك بين ضفاف المستنقعات، كائنات لا يتحملون قوة العوائق، ولا يستطيعون الاستجابة للتحدي لبناء التاريخ لأنفسهم، وإنما يحصرون ذواتهم في عجلة الحياة اليومية العادية. ولأنهم ينظرون إلى القمة ويرون المبدعين الذين وصلوا هناك، يطمحون هم الآخرون أن يصيروا كذلك بدون تعب، لا يلاحظون الماضي الشاق لذلك الشخص، فما يرونه، هو أنه لفت النظر الآن وأصبح غير عادي.
إن النظرة إلى البطل دائمًا ما تتسم بالإعجاب، ولأن القليلين هم من يستطيعون تحمل آلام البطولة، تسقط الأكثرية في تنويم مغناطيسي إن نظرت إلى البطل، وهو يقف فوق القمة. حتى أن البعض من هؤلاء الأكثرية يرغبون في أن يُصبحوا أبطالًا كذلك، ولكنهم لا يستطيعون تحمل آلام العوائق، ولذلك يلجأون إلى أتفه الطرق للتشبه بالأبطال، أو تقليدهم، حتى يُلفتوا النظر إلى أنهم أيضا من صنف الأبطال.
فبويكا الذي لا يُقهر هو الشخص الذي في الصورة، وهي شخصية لفيلم أمريكي، يعتمد على حركات قتالية شبه مستحيلة، ولأن هذا الشخص، هو البطل الذي تدور حوله الأحداث، والذي يلفت الأنظار، صار أيقونة المرونة القتالية، فرغب جميع من شاهدوه تقريبا أن يمتلكوا مثل قوته، بين ليلة وضحاها، ولما اصطدموا بالواقع، الذي يتبنى شعار تحمل الآلم لتُصبح قويًا تراجعوا عن فكرة الحصول على تلك القوة، ولكن بعضهم، استمر في التمني للحصول على تلك القوة، فلجأوا إلى أتفه الطرق، وهي التشبه به، وليس الصراع للوصول مثله.
وهكذا تجد البعض من معجبيه عوض أن يُصارعوا العوائق ويتحملوا الألم ليُصبحوا مثله، قاموا بوضع ذلك الوشم الذي يحمله في صدره، حتى يشعروا بالرضا من النفس، التي ترغب في أن تصير مثله. فأتفه الطرق أسهلها. ظنًا منهم أنهم سيُصبحون بويكا بذلك الوشم. لهذا سميت هذا الرضا على النفس بمتلازمة بويكا.
إن هذه المتلازمة لا يُعاني منها الشخص في علاقته بمبدع كشخص، وإنما يُعاني منها أيضًا الشخص في علاقته مع حضارة ما. فالحضارة الغربية مثلًا، يعتبرها مُعظم المنتمين للعالم الثالث، الملجأ الرحيم، الذي يُمكنهم وسطه أن يُحققوا مجموعة من الأحلام التي أُجهضت في أوطانهم التعيسة، ولكن هؤلاء الأشخاص، لا ينظرون إلى ماضي الحضارة الغربية المليء بالمشاق والصراع وتحدي العوائق لبناء ذلك الواقع المُلفت للأنظار.
الغربيون تحملوا الآلام، وتحدوا الطبيعة، واهتموا بالإنسان، وأعطوا القيمة للمحاولة ليصلوا لذلك المستوى، فهم لم يحصل على ذلك من فراغ، أو سقط لهم كل هذا مع مائدة العشاء الأخير. وإنما أصبحوا هكذا لأنهم تعبوا وتحملوا المشاق، وضحوا بالأجساد والعقول، وتحدوا الأزمات، واستفادوا من الأخطاء.
الآن، الحضارة الغربية هي ما عليه الآن، لم تكن هكذا بالطبع، بل صارت هكذا، وفعل صار يحمل دماء وعَرَقًا وجثثًا وأفكارًا وكلمات، إنهم صنعوا التاريخ، ولأن أغلبنا لا يقرأ، لن نرى تاريخهم المختبئ في الكتب.
استيقظنا ووجدنا الحضارة الغربية هكذا، فأُصِبنا بصدمة حضارية، انطلاقا من مقارنة وضعنا بوضعهم، فاستنتجنا أن الفرق يوجد في الإنسان، وليس في محاولة الإنسان، أي أنهم هكذا، لأنهم بشر أفضل منا، وليس لأنهم حاولوا أفضل منا. هذا الأإستنتاج المضطرب، يجعل البعض يُصاب بمتلازمة بويكا، لأنهم لا يستطيعون انطلاقًا من واقعهم أن يُصبح مثلهم في الأمور الشاقة، كأن يقرأوا وأن يخترعوا وأن يكتبوا وأن يُبدعوا، وإنما يلجأون إلى التشبه بهم في الأمور التافهة السهلة، كأن يجروا الكلاب في الشارع أو أن يضعوا الأقراط في أذنهم، أو أن يعتنقوا الإلحاد بدون تبرير منطقي لذلك.
إن الإبداع يستلزم محاولات مؤلمة وشاقة، لإنتاج شيء مهم ذي جمالية ورونق رفيعين، أما التفاهة فسهولتها لا تستلزم شيئًا، فقط ابدأ وستتمكن من تحقيقها مباشرة، خاصة إن كنت تافهًا في وسط تافه، ولكن ستظل تافهًا في سذاجة الاعتقاد الرفيع.
وفي الأخير، أريد أن أقول بملء فمي أن لا أحد فوق الأرض يستحق الافتخار من غير المبدعين؛ لأنهم هم من صارعوا وتحملوا الآلام، هم من أنجزوا وحققوا نتائج مُلفتة للأنظار ذات الذوق الجمالي الرفيع، أما التافهون فمُحاولاتهم للفت الأنظار ما هي إلا سذاجة لن يشعروا بها إلا بعد أن تُعلمهم الأيام والتجارب.
المبدع هو الذي يجب أن يقول: أنا مبدع وأفتخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد