قبل عدة أعوام، وفي احتفالها بذكرى تأسيسها الـ350، كشفت الجمعية الملكية بلندن عن قائمة كتبها العالم الأيرلندي روبرت بويل عام 1662، تشتمل على عدد من التوقعات للأشياء التي تمنى أن يحققها العلم في المستقبل.

كان بويل – مؤلف كتاب: الكيميائي المتشكك. والمشتهر بكونه واضع أحد أهم قوانين سلوك الغازات المسمى باسمه – قد قام بكتابة قائمة أمنيات تشتمل على 24 نبوءة بالاختراعات المحتملة والمتوقع ظهورها، واليوم – بعد ثلاثة قرون – عدد كبير من أمنيات هذه القائمة قد تحقق بالفعل، أو ربما في طريقها للتحقق، ومن ذلك:

إطالة أو تمديد الحياة

أو زيادة المدى الأقصى لحياة الإنسان عن طريق إبطاء أو عكس سيرورات الشيخوخة، وهذا المدى الأقصى يتحدد من خلال معدل الشيخوخة له أو من خلال عوامل بيئية محيطة.

ويمكننا القول بأن هذا ممكن اليوم عن طريق الحميات الغذائية الجيدة والتمارين وتجنب المخاطر الصحية، وبيع منتجات مكافحة الشيخوخة المفترضة، مثل التغذية واللياقة البدنية والعناية بالبشرة والهرمونات والفيتامينات والمكملات الغذائية والأعشاب، وهي صناعة مربحة على مستوى العالم، بينما أفاد خبراء طب الشيخوخة أن استخدام مثل هذه المنتجات لم يظهر أي تأثير على عملية الشيخوخة.

أما نظريًا فتمديد مدى الحياة الأقصى يمكن أن يتحقق بتخفيض معدل ضرر الشيخوخة، عن طريق الاستبدال الدوري أو التجديد للأنسجة والخلايا المتأذية، أو عن طريق الإصلاح الجزيئي.

ويمكن القول إن لدينا فرصة 50/50 لجلب الشيخوخة في إطار ما يسمى مستوى حاسم من السيطرة الطبية في غضون السنوات الـ20 المقبلة أو نحو ذلك.

استرداد الشباب

أو بعض علاماته على الأقل، كالأسنان الجديدة، وصبغ الشعر وزرعه والجراحات التجميلية، والبوتوكس، وهي مادة عبارة عن سموم تستخرج من بكتيريا تسمى كلوستريديوم بوتولينيوم، انتشر استخدامها حاليًا؛ لشلّ عضلات الوجه الذي ينتج عنه اختفاء تجعدات الجلد.

فن الطيران

بدأت أولى محاولات الطيران الجاد أواخر القرن الـ18 في أوروبا، وبدأت البالونات المملوءة بالهواء الحار والمجهزة بسلة للركاب بالظهور بعدها، واستعملت كسلاح مراقبة في الحرب الأهلية الأمريكية، حتى وصلنا للشكل الحالي للطائرات بكل أشكالها.

البقاء طويلًا تحت الماء

والتحرك بحرية والقيام ببعض الأعمال هناك، وتحقق ذلك باستخدام الغواصات الحالية، أو معدات وطرق أخرى، كغوص سكوبا، والغوص الحر، بالرغم من أن أقدم محاولات معروفة للغوص كانت لدى الآشوريين قبل الميلاد بقرون.

محاكاة الأسماك بدون محركات

باستخدام الزي والتعليم فقط، وهو ما تحقق عبر الغوص الحر، والذي لا تستخدم فيه أجهزة التنفس الخارجية، ولكن يعتمد فيه فقط على قدرة الغوّاص على حبس أنفاسه أطول فترة ممكنة حتى خروجه إلى السطح، وهو مع ذلك أسلوب يستخدم في العديد من الأنشطة المائية كالغوص الحر غير التنافسي وصيد الأسماك بالرّمح والتّصوير الفوتوغرافي أسفل الماء، وعروض حوريّة البحر والباليه المائي وغيره.

علاج الأمراض والجروح من مسافة

أو على الأقل عن طريق زراعة الأعضاء التي تعتبر واحدة من أكثر مجالات الطب الحديث صعوبةً وتعقيدًا، وتتمثل الأعضاء التي يمكن زراعتها في القلب والكلى والكبد والرئتين والبنكرياس والأمعاء والغدة الزعترية، وإن كانت زراعة الكلى هي أكثر عمليات زراعة الأعضاء شيوعًا على مستوى العالم، بينما تفوقها بعشرة أضعاف عمليات زراعة الأنسجة (العضلات والعظام).

وكذلك الجراحة بالمنظار، وهي تقنية جراحية حديثة يتم فيها تنفيذ العمليات بعيدًا عن موقعها من خلال جروح صغيرة في أماكن أخرى من الجسم، وتمتاز بتقليل الألم والنزيف وبقصر فترات النقاهة.

القوة العظيمة ورشاقة الجسم

واللتان تحققتا باستخدام أشياء كالمنشطات البنائية التي صنعت في ثلاثينات القرن الـ20، والتي تعمل على زيادة البروتين داخل الخلايا، وخاصة في العضلات والهيكل العظمي، ولها درجات متفاوتة من الآثار المنشطة للذكورة، وتستخدم الآن علاجيًا في الطب لتحفيز نمو العضلات ولفتح الشهية، وتحفيز البلوغ في الذكور وعلاج الحالات المرتبطة بالهزال المزمن، مثل السرطان والإيدز.

وكذلك الباربيتيورات، وهي أدوية مثبطة للجهاز العصبي المركزي، لذلك تقوم بإنتاج مفعول واسع المدى، من مهدئ خفيف المفعول إلى مخدر كامل، كذلك هي أدوية مضادة للقلق والتشنجات ومنومة، ولها مفعول مسكن للآلام.

تسريع إنتاج المحاصيل من البذور

وتم ذلك عبر تقنيات الأغذية المعدلة وراثيًا، التي تسمح باستحداث صفات جديدة، بالإضافة إلى السيطرة على الصفات الحالية، والتي ظهرت لأول مرة في الأسواق بين عامي 1994-96.

والزراعة المائية التي هي مجموعة نظم لإنتاج المحاصيل بواسطة محاليل معدنية مغذية فقط، أو في وسط خامل، مثل البرليت الفيرميكوليت، أو الصوف المعدني، والعديد من التقنيات، عوضًا عن التربة التي تحتوي على طمي وطين.

واهتم العلماء الباحثون بقطاع العلوم الزراعية بالزراعة بدون تربة، بعد ظهور الكثير من المشاكل المتعلقة بالتربة، من أمراض أعشاب وزيادة الملوحة وغيرها، حيث تتميز هذه الطريقة بعدة فوائد أهمها: إمكانية الزراعة في أي مكان، بغض النظر عن طبيعة التربة الموجودة، والاقتصاد في الماء، والأسمدة، وتقليل المبيدات، والحصول على أعلى إنتاجية ممكنة من النبات.

صنع المناظير القطعية والقطعية المكافئة

وها نحن نرى النظارات والمقاريب أو التلسكوبات التي تستخدم لرؤية الأجسام البعيدة، ويعتقد أن أول مقراب تمت صناعته في هولندا على يد أحد صناع عدسات النظارات يدعى لبرشى، وبعد ذلك ببضعة شهور صنع العالم جاليليو جاليلي عام 1609 أول مقراب فلكي بنفسه.

صناعة دروع خفيفة وصلبة للغاية

كانت تصنع قديمًا من مواد قوية، مثل الجلود والبرونز والحديد والفولاذ، أما حاليًا فتصنع البذلات الواقية للجنود من نسيج الكيفلار المدعوم بطبقات من السيراميك.

الطريقة العملية والمحددة لإيجاد خطوط الطول

عبر نظام التموضع العالمي GPS، وهو نظام ملاحة عبر الأقمار الصناعية يقوم بتوفير معلومات عن الموقع والوقت في جميع الأحوال الجوية في أي مكان على/بالقرب من الأرض، وهو ما يوفر قدرات مهمة للمستخدمين العسكريين والمدنيين والتجاريين في جميع أنحاء العالم، بدأت حكومة الولايات المتحدة النظام سنة 1973 وأنشأته، وهي التي تحافظ عليه، وجعلت الوصول له مجانًا لأي شخص لديه جهاز استقبال GPS.

وهناك أنظمة أخرى تستخدم أو قيد التطوير منها نظام الملاحة الروسي (غلوناس) أنشئ بالتزامن مع الـGPS، ونظام غاليليو التابع للاتحاد الأوروبي، والذي يتوقع أن يعمل بشكل كامل بحلول 2020.

شملت قائمة بويل أشياء أخرى كثيرة كالتحرر من ضرورية النوم كثيرًا، وهو ما يحدث من خلال الباربيتورات والمنشطات لإبقاء الأشخاص مستيقظين، وشملت للغرابة (ضوءً أبديًا)، وها نحن نرى الضوء الكهربائي، وصنع الزجاج الطيع وسفن تسير فقط بالرياح، وسفن غير قابلة للغرق، بل تحويل المعادن، وهو ما حدث جزئيًا من قبل بعض الفيزيائيين النوويين، على الرغم من أن تحويل الرصاص إلى الذهب لا يزال مستحيلًا، وغيرها من الأمنيات.

عندما كان بويل في أكسفورد في ذلك الوقت منح لقب فارس، وبالإضافة إلى كونه أحد مؤسسي علم الكيمياء الحديث، كان فيلسوفًا وكاتبًا لاهوتيًا، حيث أشرف وعمل على تمويل الحملات التبشيرية المسئولة عن التنصير في الشرق، عندما كان مديرًا لشركة الهند الشرقية، كما أنه أحد مؤسسي الجمعية الملكية.

وكتب قائمته التي تعد رؤية مذهلة؛ حيث كتبت في وقت كان يهيمن عليه السحر والخرافات الدينية، حتى أن هذه الوثيقة المكتوبة بخط اليد، والتي عثر عليها بين أوراقه الشخصية التي تم التبرع بها عند وفاته إلى الجمعية الملكية، تعتبر قطعة أثرية بحسب البعض، وترينا بشكل جيد يمزج بين العلم والخيال والحياة: كيف يفكر العلماء، وكيف يتخيلون المستقبل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بويل
عرض التعليقات
تحميل المزيد