جائحة كورونا

«إن انتشار الديمقراطيات الرأسمالية والليبرالية والسوق الحرة في العالم من شأنه أن يكون قمة الهرم في مسيرة تطور الإنسان والمجتمعات، فليس بعد هذه المرحلة من دين، أو إله، أو معتقد، أو مذهب أن يحل مكان الرأسمالية، ونهاية التاريخ كأحداث ستكون ابتداءً من هذه النقطة». فرانسيس فوكوياما.

من المعلوم بمكان أن الفكر الاقتصادي الغربي والذي بات اليوم يقود الدول والمجتمعات الغربية والسياسات التي تقوم عليها، هو في أساسه فكر قام على مبدأ تقديس الأنانية الإنسانية، وأن مبدأ تكديس الثروات تلبية لمصالح الأفراد والجماعات ذات الإتجاه الفكري الواحد هو في حد ذاته غاية إنسانية عظمى يفرضها واقع الحال كون المنافسة أو الحرب بأي شكل كانت هي أمر أخلاقي ولا داعي للبحث عن مبرر أخلاقي لها ما دامت المصلحة الفردية والأنانية الإنسانية مقدسة ولا يجوز انتقادها.

وبعد أن انتقلت أوروبا من الفيودالية الاستعبادية إلى الميركانتية مع مرحلة الاكتشافات الجغرافية الكبرى والتي قامت أيضًا على شكل استعباد جديد في المستعمرات في إأفريقيا والأمريكيتين بمباركة الكنيسة والبابا، ضمنت الميركانتية تحول الثروات الباطنية في المستعمرات من ذهب وفضة خاصة إلى أوروبا، وتكتل هذه الثروات في الدول المستعمرة، وما ضمن لهذه الثروات أن تتكدس أكثر في هذه الدول هو التزام الدول الأوروبية بمبادئ الميركانتية، والتي كانت على ما يبدو تخلو من أي محددات أخلاقية لطريقة عملها فسرقت ونهبت خيرات الهنود الحمر والأفارقة من بلادهم والذين استُعبدوا هم بعد ليصبحوا وقود نظام الرق الأوروبي الشهير.

ثم مع بدء ما سمي بعصر التنوير الأوروبي والثورات التي عاصرته كان لا بد للكنيسة ورجال الدين في أوروبا أن ينسحبوا من الساحة السياسية الأوروبية كون التنوير الذي أراده رواد الفكر والفلسفة في ذلك الوقت والتغيير الذي سعى إليه رجالات الثورات، خاصة الفرنسية منها هو تدمير أي قيود يمكن لها أن تحد من الحريات والفكر، وفي الوقت الذي كانت فيه الكنيسة ورجالاتها يعيشون أفضل أيام فسادهم واستغلالهم للدين، فقد كان حلول الأخلاق المادية أمرًا مقبولًا، بل مطلوبًا من قبل الأوروبيين على اختلاف طبقاتهم وأيديولوجياتهم، حيث لم يكن هناك أي عائق أمام الجميع لتقبل التغيير أو الأهم استغلاله كل حسب مصلحته، فغاب عن التغيير في ذلك الوقت أي منظومة أخلاقية حقيقية وقوية مستندة إلى دين حقيقي، وبالتالي تشكلت لدينا ما تسمى اليوم بالعلمانية التي نظرت إلى الأخلاق نظرة ناقصة وقاصرة؛ لأنها ومن وجهة نظرهم ستكون أكبر عائق أمام الحرية التي ستضمن للبشرية الرفاه والتقدم.

ثم كان أن انهارت الميركانتية التي قيدت حركة التجارة الدولية وحركة رؤوس الأموال بما تضمنته من مبادئ، خاصة مع انتصار الثورة الفرنسية التي دعت إلى إلغاء نظام الرق، فكان بدء استقلال المستعمرات فيما وراء البحار، والتي أمنت لأوروبا الثروات العظيمة، ثم بدأت تنقطع مع استقلال الأمريكيتين ومستعمرات شرق أسيا وأفريقيا؛ مما حدا بأوروبا أن تترك التنافس فيما بينها للتكتل وإنشاء الأحلاف الاقتصادية والسياسية وتحرير حركة التجارة، فانسحبت الميركانتية بكل ما فرضته على الفكر الاقتصادي لتحل مكانها الرأسمالية التي أمنت لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال حرية أكبر في العمل والتجارة والاقتصاد.

ليخرج العديد من المنظرين والفلاسفة الذين تأثرو تمامًا بحركة التنوير التي قامت على ما أتت به الثورة الفرنسية من مبادئ على رأسهم آدم سميث برؤيته الرأسمالية لشكل الاقتصاد الذي أُسس على مبدأ المصلحة الشخصية التي عدها الأساس في المصلحة العامة. وكانت أمريكا بعد الاستقلال هي المرتع الحقيقي والجديد لهذا النظام الذي شكل شخصية وهوية النظام العالمي مع تسوّد الولايات المتحدة للعالم بعد سقوط وهزيمة الشيوعية التي كانت مبدأيًا تعمل على النقيض من الرأسمالية، ولكنها وفي الواقع كانت على درجة من الوحشية تفوق الرأسمالية التي أعلنت بدورها أنها تتبنى مجموعة من القيم الإنسانية وأبطنت في الحقيقة والحرب للقيم.

مع توجه المادية الإلحادية لتسيد الموقف في العالم الغربي لما حوته في منظومتها على فكر برر للغرب ولرجالات صناعة القرار فيه أية وسيلة من شأنها تضمن بقاء القوة في أيديهم، بدأت ملامح الرأسمالية تتحدد أكثر وبدأت القيمة والمعنى تميل باتجاه السيولة شيئًا فشيئًا لتصبح بلا ملامح تحددها، فكان كل شيء تقريبًا مباح وأصبحت القيمة والأخلاق التي تحفظ للإنسان كرامته محط سخرية الجميع هناك، حيث لا مكان للأخلاق التي تحد من الربح وتقيد روح المنافسة الشديدة العدوانية في مجتمع باتت المادية هي دينه وديدنه.

وهنا كان هذا التسلسل التاريخي لانطلاق الوحشية الفكرية الغربية التي بررت كل شيء من أجل كل شيء، فكان دستورها يقوم في حقيقته على أفكار شخصين مدرستين فكريتيين هما الميكيافيلية والداروينية الاجتماعية، ومن بعدها كان صبيان مدرسة شيكاغو وأستاذهم ميلتون فريدمان عراب الأسمالية الحرة أو غير المنتظمة ليكون هذا الثالوث هو العماد الحقيقي للفكر الغربي.

وبالوصول إلى اليوم الذي يشهد فيه العالم ما يسمى بجائحة كورونا كان لابد لأي شخص مهتم بالسياسة الدولية والاقتصاد أن ينظر لصبيان مدرسة شيكاغو منتظرًا رؤية تأثيرهم في سياسات الدول والإستراتيجيات والتغييرات التي سيأتون بها بعد هذه الصدمة العظيمة التي ضربت العالم وشعوبه.

وحيث إنني لست من أنصار نظرية المؤامرة ولست من عشاق دان براون ورواياته التي تقوم على فن نسج المؤامرات حول العالم، ولكنني مع انتشار جائحة ما يسمى بالكورونا حول العالم وخروج العديد من أصحاب الفكر في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من الميادين، خاصة في مجال التاريخ السياسي كان لا بد لي من أن أعود للخلف قليلًا بعيدًا عن الارتباك والفزع الذي أصاب المجتمعات حول العالم على كل الصعد.

فبعد كل التحليلات والأجوبة على الكثير من الأسئلة الحائرة التي طرحت على طاولة النقاش ما بين من عزى هذا التفشي لأسباب دينية عقائدية ومن رأى أنها مجرد حرب من الجيل الحديث تشنها جهة في العالم ضد جهة أخرى، ومن رأى أنها مجرد خطأ بشري تقني في أحد مراكز بحوث البيولوجيا في العالم سمح بهذا الانتشار، وبغض النظر عن السبب والمسبب والمستفيد وكثرة النظريات، وما إلى كل ذلك من أركان وعناصر الجريمة فقد وجدت بأن الكاتبة الأمريكية نعومي كلاين قد قدمت الكثير من الأسئلة المنطقية إلى جانب عدد أكبر من الأجوبة التي يمكن لها أن توضح لنا ماذا قبل الكارثة؟ والأهم ماذا سيكون بعدها؟

في كتابها الشهير عقيدة الصدمة قدمت نعومي كلاين العديد من الحالات والأمثلة على مستوى الاقتصاد الدولي من شأنها أن تشكل في مجموعها حالة استقراء ناقص وما نقصه إلا تمام مع اعتراف الجاني – إن جاز لي الوصف – في كتابها وهو ميلتون فريدمان – مؤسس مذهب الرأسمالية الغير منتظمة أو الحرة وبروفيسور علم الاقتصاد في جامعة شيكاغو – حيث إنه وضع نظرية مفادها أننا إذا أردنا أن نتخلص من كل الاضطرابات والمشاكل التي تصيب الاقتصاد العالمي، فيجب أن نسلمه في كل أبعاده، وأشكاله للشركات والسوق الحرة بحيث نترك لها العمل كيف تشاء في ظل المنافسة المحمومة حتى تشكل لوحدها نظامًا عالميًا جديدًا يقود الجنس البشري بالشكل الذي يريد.

نعم هذه كانت خلاصة مذهب فريدمان الاقتصادي التي أرادت نعومي كلاين أن تلفت النظر إليه مذهب بات اليوم يعتنقه العديد من قادة الدول والمؤسسات الكبرى في العالم عدى عن تبنيه بشكل غير مباشر من قبل أباطرة المال حول العالم.

فكرة فريدمان الحائز على نوبل في الاقتصاد تقوم على عنصرين رئيسين:

الأول هو الاقتصاد حيث اعتبره قادرًا على حل مجمل المشكلات التي تعاني منها الدول والمجتمعات فقط في حال تم تحريره وتحرير أدواته وعناصره تمامًا من أي تدخل خارجي خاصة تدخل الدولة ومؤسساتها وقوانينها في عملية تنظيمه وتوجيهه بحيث تتزعم الرأسمالية الغير منتظمة الموقف وتتراجع الدولة والمؤسسات عن التدخل في عمل الشركات الكبرى التي ستحول السوق إلى سوق حر تمامًا مع تحلل الكنزية التقليدية وتراجعها أمام الرأسمالية الحرة.

أما العنصر الثاني فالآلية التي سنصل فيها إلى هذه المرحلة وقد وجد فريدمان الذي كان مستشار للرئيس الأمريكي رونالد ريجن ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في فترة من الفترات، قد وجد أن الكارثة بمعناها الحقيقي والتقليدي هي الأداة الأقدر على فرض هذا الحل الراديكالي – تحرير السوق تمامًا من كل القيود التي تعيق حركة المال وطريقة عمل الشركات الكبرى – على دول العالم ومؤسساتها وشعوبها.

فقد كان بنظره العلاج بالصدمة كتجربة نفسية والذي طبق على العديد من البشر حول العالم لإجبارهم على القيام بأفعال ما كانوا ليفعلوها في الوضع الطبيعي والعادي أمرًا ممكن التطبيق على الدول بنفس الحيثية تقريبًا، وبالتالي إجبار الشعوب والحركات المضادة من حيث لا يدرون على تقبل انحلال الدولة ومؤسساتها وتراجعها أمام زحف الشركات الأخطبوطية العملاقة التي ستصل بعد حلول الكارثة لتظهر بمظهر المنقذ الذي جاء ليحل مشاكل هذه الدول بما يملك من أموال وأدوات وسلطات ونفوذ وهي في حقيقة الأمر ما جاءت، إلا لتستغل هذه الكوارث لتحقيق المزيد من الأرباح ولتزيد من سطوتها وقوتها تمامًا بغض النظر عن الآثار الجانبية لفكرة تراجع الدول بمعناها التقليدي وتخليها عن واجباتها تجاه شعوبها، إلا فيما يخص الدفاع وحفظ الأمن وربما القضاء وتطبيق العدالة، أما ما عدا ذلك فليس للدولة إلا التخلي عن أي نشاط يمكن له أن يؤثر في حركة السوق وتترك لهذا النظام الاقتصادي أن يفرض شكل النظام السياسي في البلاد أيضًا والذي ستكون هويته الأساسية نيوليبرالية فريدمان.

وحدها الأزمة، سواء أكانت الواقعة أو المنظورة، هي التي تحدث التغيير الحقيقي، فعند حدوث الأزمة تكون، الإجراءات المتخذة منوطة بالأفكار السائدة. وهنا تأتي، على حد اعتقادي وظيفتنا الأساسية: وهي أن نطور بدائل للسياسات الموجودة، وأن نبقيها حية ومتوفرة إلى حين يصبح المستحيل في السياسة حتمية سياسية.

هذا الاقتباس لفيردمان يوضح فكرته في استغلال الصدمة التي قد تصيب مجتمع ما لفرض أفكار معينة عليه ما كانت لتكون مقبولة في الأوضاع العادية فتصبح حتمية مع ذهول الشعوب وعدم انتباهها لما أصابها فلا تجد نفسها إلا هي مستسلمة وربما أيضًا سعيدة بهذا التغيير.

في الجزء الثاني من المقال سأستعرض أشكال الصدمة التي يقصدها فريدمان وأمثلة حقيقية عليها على المستوى العالمي وكيفية استعمالها لتحقيق مآرب الدول والشركات العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شيكاغو, مدرسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد