لا شك أن هذا المصطلح كان ولا زال حديث العام والخاص، كما أن له صدى كبيرًا سواء على المستوى الأكاديمي العلمي أم على المستوى الشعبي والسياسي، فهجرة ذوي الشهادات والكفاءات العليا إلى خارج بلدانهم كانت السمة البارزة بداية من القرن 20 وهي منتشرة بشكل كثيف في الوقت الحالي،

ومصطلح هجرة العقول أو نزيف الأدمغة «brain drain» هو اصطلاح أطلقه البريطانيون لوصف خسائرهم التي ترتبت عن هجرة الكثير منهم وخاصة الأطباء والعلماء والمهندسين وغيرهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويعني نزيف الأدمغة أو الكفاءات كل حركة أو انتقال أو نزوح لأشخاص ذوي مهارات وشهادات تفوق أو تقارب الطور الثالث التعليمي أو الطور الجامعي، بمعنى انتقال ذوي الشهادات الجامعية للإقامة أو العمل أو اللجوء إلى دول أخرى غير الدولة التي ولدوا فيها، ويشمل ذلك هجرة الأكاديميين والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وغيرهم من الكفاءات في جميع التخصصات العلمية والهندسية والطبية والفنية، ويمكن أن يشمل ذلك الفنانين والشعراء والخطباء والكتاب والمؤرخين والمحامين والرياضيين والموسيقيين والمسرحيين وكل القطاعات التي تعتمد على الابتكار والموهبة والإبداع.

وقد كان لهجرة الأدمغة بالغ الأثر على دول الأصل ودول المقصد على حد سواء، ذلك أن الكثيرين وطيلة عقود خلت اعتبروها حالة مرضية تصيب اقتصاديات الدول المرسلة، خاصة وأن هذا العنصر البشري يعتبر أغلى ما تملك، كما أنها أنفقت الكثير من الأموال والجهود من أجل تأهيله وتدريبه لتستفيد منه دول أخرى لم تدخر أي جهد في ذلك، لذلك وجدنا الكثير من دول العالم النامي وخاصة الدول التي تعرف نزيفاً حادًا، تحتج وتطالب بالاستفادة من خبرائها ولو عبر مساعدات مادية واقتصادية، كما اقترح بعض الاقتصاديين والخبراء الدوليين فرض «رسوم هجرة» على الدول المستفيدة، حتى أن منظمة دولية كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «يونسكو» اعتبرت أن هجرة العقول هي نوع شاذ من أنواع التبادل العلمي بين الدول، يتسم بالتدفق في اتجاه واحد (أي نحو الدول المتقدمة) أو ما يعرف بالنقل العكسي للتكنولوجيا [1].

وتكمن الدوافع الأساسية وراء هجرة الأدمغة في الدخل الأعلى وظروف العمل الأفضل وآفاق الترقية المهنية المتوفرة في البلد المضيف، وفي سياسات الهجرة الانتقائية التي تتبعها البلدان المضيفة، والأوضاع السياسية والاقتصادية السيئة في البلد الأم، وانخفاض تكاليف الهجرة، وما فتئت هجرة الأدمغة تتصاعد بشكل مطلق في جميع أنحاء العالم، فقد ارتفع عدد المهاجرين ذوي المهارات العالية عبر العالم من 16.4  مليون في عام  1990 إلى 26.2 مليون في عام  2000 [2].

والملاحظ في بعض الدول ومنها بعض الدول الإفريقية الفرانكفونية ودول أخرى، أن أكثر من نصف المواطنين من ذوي الشهادات يغادرون إلى دول مجاورة أو دول أوروبية، وخاصة في القطاعات الحساسة كالصحة والهندسة، وما شجع ذلك هي السياسات الانتقائية التي تنتهجها الدول المستقبلة للمهاجرين، وهي في غالب الأحوال تشجع هجرة ذوي الشهادات والكفاءات العالية بشكل ملفت عبر إجراءات تشجيعية فيما يخصها، والتضييق على ذوي المستويات التعليمية المتواضعة، لذلك نجد أن المهاجرين ذوي المهارات العالية يمثلون حوالي ربع مجموع عدد المهاجرين من أقل البلدان نموًا، ويفوق هذا العدد بأحد عشر ضعفًا نسبتهم من مجموع القوة العاملة في هذه البلدان وقدرها 2.3 بالمائة.

%d9%87%d8%ac%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d9%84

ومن الآثار السلبية التي من الممكن أن تسببها الهجرة وخاصة هجرة الكفاءات بالنسبة للبلدان المرسلة [3].:

  1. تؤدي هجرة الأدمغة إلى انخفاض في رصيد رأس المال البشري وفي المؤثرات الخارجية التي يوفرها الأشخاص ذوو المهارات العالية، وقد يؤدي هذا إلى انخفاض معدل النمو الاقتصادي ونمو الإنتاجية، إلى جانب تراجع النشاط في مجالات العلم والتكنولوجيا والابتكار.
  2. تكون هجرة الأدمغة حادة بشكل خاص في بعض القطاعات، لا سيما الصحة والتعليم والبحث العلمي، فأقل البلدان نموًا تشكّل مجموعة البلدان التي تسجل أقل عدد للأطباء بالنسبة لعدد السكان، ولكن معدلات هجرة الأدمغة الطبية منها هي الأعلى في العالم، ويرتبط ذلك عادةً بارتفاع معدلات وفيات الرضّع والأطفال وتدني معدلات التطعيم وضعف خدمات الرعاية الصحية عموما.
  3. بسبب هجرة الأدمغة، تفقد حكومات أقل البلدان نموًا الضرائب التي كان هؤلاء المهنيون والخبراء سيدفعونها لو بقوا في بلدانهم الأم وعملوا فيها.
  4. يؤدي تقلص قاعدة رأس المال البشري ذي المهارات،-نتيجة للهجرة- إلى تحويل مقدَّرات أقل البلدان نموًا وما لديها من ميزة نسبية بعيدًا عن القطاعات التي تتطلب مهارات كثيفة نحو أنشطة تتطلب مهارات قليلة، وربما نحو استغلال سيء للموارد الطبيعية.
  5.  يشغل بعض المهاجرين ذوي المهارات العالية من أقل البلدان نموًا وظائف تتطلب مؤهلات تعليمية، أقل مما حصلوا عليه من تدريب.

وتستنتج العديد من التوجهات الحديثة أنه يمكن تحويل ما يسمى بهجرة الأدمغة Brain Drain»» إلى ما أصبح يطلق عليه بكسب الأدمغة ««Brain Gain، فالمعارف والخبرات الإضافية التي اكتسبها المهاجرون في الخارج يمكن الاستفادة منها وتحويلها لصالح دولهم الأصلية، كما يمكنهم المساهمة في دفع العجلة الاقتصادية وتطوير البنى التحتية ونقل التكنولوجيا والمعارف العلمية، بالإضافة إلى التحويلات العينية والنقدية التي يرسلونها إلى ذويهم في دول الأصل، وما يمكن أن تساهم به في تعزيز ميزان المدفوعات وتوفير العملة الصعبة محليا، ويمكن تبيان ذلك كما يلي:

  1. هناك من يحاجج بأن آفاق الهجرة إلى الخارج قد تشجع الناس على مواصلة التعليم حتى مراحل متقدمة، مما قد يؤدي إلى اكتساب الأدمغة، أي مقدّرات أكبر من رأس المال البشري.
  2. تُستخدم بعض التحويلات المالية لدفع أقساط تعليم أفراد الأسرة في البلد الأصلي، مما يؤدي إلى اكتساب الأدمغة،
  3. يشكل المغتربون ذوو المهارات خزانات من المعارف يمكن تنظيمها في شكل شبكاتٍ من معارف المغتربين، الأمر الذي ييسر تدفق المعارف والتكنولوجيا إلى البلدان الأم، وتحدث هذه التدفقات عبر برامج ومبادرات تطلقها منظمات المغتربين ومنظمات دولية وحكومات البلدان الأم والبلدان المضيفة.
  4. من شأن وجود المغتربين أن يقوي تدفقات مشاريع الأعمال بين البلدان المضيفة والبلدان الأم عن طريق روابط التجارة والاستثمار، ففي أقل البلدان نموًا، كان المغتربون الدافع وراء نمو تجارة السلع الآتية من البلدان الأم فيما يسُمى«التجارة الإثنية» أو «تجارة الحنين«، أي أن السلع تُصدّر لكي يستهلكها المغتربون ولكنها يمكن أن تنتشر فتلج أسواقا أكبر.
  5.  أعطى المغتربون من أقل البلدان نموًا في الكثير من الأحيان دفعة قوية أيضا لزيادة صادرات خدمات السياحة عن طريق زيارة البلدان الأم أو المساعدة في اجتذاب السياح إليها.

وعلى كل حال نرى أن الاستفادة من مساهمة المغتربين لا تكون تلقائية، فهذه الاستفادة مرهونة بتوفر مجموعة من الشروط المؤسسية والاقتصادية والسياسية لا تزال منعدمة في أغلب البلدان النامية، ولذلك، فإن اتخاذ البلدان الأم والبلدان المضيفة واﻟﻤﺠتمع الدولي تدابير وسياسات تشجيعية، هو أمر حاسم في تشجيع أو تقوية الآثار الإيجابية التي قد تترتب على مساهمة المغتربين في التنمية الوطنية أكثر بكثير مما حدث في السابق، ولا تزال أكثر حكومات البلدان النامية في المراحل الأولى من تحقيق هذه الإمكانية.

وتبقى احتمالات عودة ومساهمة الكفاءات المهاجرة في تنمية دولها الأصلية مرهونة بالتشجيعات والبرامج الطموحة، والسياسات المبرمجة لاستقطاب تلك الكفاءات وإقناعها طواعية بالعودة الكلية أو الجزئية، أو على الأقل المشاركة في برامج التعاون والنقل العكسي للتكنولوجيا، التي تأمل العديد من الدول النامية وتراهن على نجاحها ودفع عجلة التنمية فيها.


[1] عبد القادر رزيق المخادمي، الكفاءات المهاجرة بين واقع الغربة وحلم العودة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2010، ص21[2] تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية 2012، ص،17

[3] تقرير أقل البلدان نموًا  2012، تسخير التحويلات المالية ومعارف المغتربين لبناء ا لقدرات الإنتاجية، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نيويورك وجنيف،2012 ، ص،17- 25

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد