تختلف الأسباب والدوافع التي قد تدفع الفرد إلى المجازفة بحياته وسط البحر: الفقر، البطالة، الظلم، الحروب، الاستعباد، وأسباب أخرى، وإذا كانت هجرة مواطن عادي دون أي مستوى دراسي لا تثير الكثير من النقاشات فإن هجرة الأدمغة تعد كارثة بكل المقاييس.

هجرة الأدمغة، باختصار شديد، هي هجرة الأفراد الذين يتوفرون على مؤهلات علمية وتجارب وخبرة في شتى المجالات من وطنهم الاُم إلى بلدان أخرى. وطنهم الأم الذي كان السبب -منذ نعومة أظافرهم- في تدريسهم وتكوينهم تكوينًا جعل منهم «أدمغة»، ها هو يقدمهم مجانًا لبلدان أخرى لتستفيد منهم وتطور بهم اقتصادها وتجارتها وتعليمها وخدماتها، دون أن يستفيد منهم هو.

كل الدراسات التي أُعدت حول هذا الموضوع دقت ناقوس الخطر فكان رد المغرب أن اعتبر «هجرة الأدمغة» أكبر التحديات وأهم المشاكل التي يجب أن يُوجد لها حل مناسب وناجع، لكن عكس ذلك تمامًا زادت نسبة هجرة الأدمغة بشكل يؤكد على أنه لا قرار حازم اتخذ لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة.

تشير الكثير من الدراسات التي اُعدت في دول مغاربية وفي دول أوروبية مثل فرنسا إلى أن حصة الأسد من هجرة الأدمغة تعود للمغرب، فعدد الأطباء والمهندسين الذين يقدمون استقالاتهم والمغادرة بشكل نهائي نحو أوروبا يعد بالآلاف، آلاف الأُطر العليا الذين نحن في أمس الحاجة إليهم يفضلون البحث عن مكان آخر يعطيهم مكانتهم وحقوقهم التي يستحقونها. بل أكثر من ذلك فقد اعتبرت العديد من الإحصائيات بأن المغرب يحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث تصدير الأدمغة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.

فرنسا، الوجهة الاولى للأدمغة المهاجرة من المغرب، هذه الوجهة المفضلة تستقبل سنويًا آلاف الكفاءات وآلاف الأطر المستعدة لخدمة فرنسا مقابل أن تحصل على مكانتها وحقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لم تحصل عليها في المغرب، هذا الأخير الذي يبقى أول المحتاجين إلى هذه الأطر والكفاءات نظرًا للنقص الفظيع الذي يعيشه على مستوى كل القطاعات والمجالات بدون أي استثناء.

اِن الحديث عن هجرة الاَدمغة يدفعنا بالضرورة للحديث عن الطلبة المغاربة الذين يُكملون دراستهم في الخارح والذين يفضلون غالبا الاِستمرار هناك بعد تخرجهم لاِعتقادهم الشديد بان المغرب لن يقدم لهم اي فرص تناسب مؤهلاتهم وخبراتهم.

هذه الظاهرة اثارها الملك محمد السادس في خطاباته الاخيرة حيث اَشار الى ان ما يدفع المغاربة الى الهجرة والطلبة المغاربة في الخارج الى عدم العودة الى وطنهم، لا يتعلق فقط بالاِمتيازات والاِغراءات والحقوق التي سيحصلون عليها خارج وطنهم ولكن يتعلق اَيضا باِفتقار المغرب اِلى مناخ ملائم للحياة العملية والاِبتكار والبحث والتقدم الوظيفي.

هذا يعني بشكل أو بآخر أن المغرب لا يقدم فرصًا تناسب خبرات هؤلاء ولا مؤهلاتهم العلمية والمعرفيةوكذا غياب التسهيلات والاهتمام الرسمي من طرف الدولة، غياب العدالة في الاُجور وأمور أخرى قد لا تكون جلية وواضحة للرأي العام.

قد لا يتوقف الأمر هنا، فقد اَشار موقع «روكريت»، المتخصص في مجال التوظيف، إلى أن أكثر من 90% من المتخرجين المغاربة يحلمون بمغادرة البلاد بعد التخرج والحصول على فرصة عمل في الخارج توفر لهم ما لن يجدوه في وطنهم، هذا الامر بكل تأكيد له خطورته، فلا يعقل أن يتحول الأمر إلى تفكير جماعي في الهجرة الجماعية خارج الوطن.

إن الحديث عن الأمثلة الناجحة والرائدة عالميًا لمغاربة هاجروا بلدهم قاصدين دولا غربية وأوروبية لا يدع أي شك في القول بأن بلدنا خسر الكثير من الكفاءات والطاقات والأطر التي ساهمت وتساهم في تقدم دول أخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر: كمال الودغيري الذي يعمل مهندس اتصالات رئيسي داخل وكالة «ناسا»، رشيد عمروس الذي يعمل مع وكالة jaxa وهي وكالة فضائية يابانية وقد شارك في إطلاق مركبة فضائية تدعى «إيبسيلون».

في الختام، تعد هجرة الأدمغة بحقِِ خسارة حقيقية للمغرب وظاهرة تتطلب عمل كل الجهات المعنية من أجل إيجاد حلول لها، حلول حقيقية لا حلول ترقيعية مؤقتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!