هجرة الأدمغة أو ما يسمى باللغة الإنجليزية brain drain مصطلح بريطاني النشأة اشتهر لدى علماء الاجتماع في بداية الستينيات، يسميه أيضًا علماء الاقتصاد بهجرة رأس المال البشري، وإن كانت هذه الظاهرة قديمة قدم الإنسان، وكل حضارات العالم إنما تقوَّت بطاقات بشرية أجنبية غير محلية.

090116_1108_1.jpg
وقد عرفت لدينا في القرون الوسطى بهجرة المغاربة للمشرق العربي، حيث يصنع لهم المجد والشهرة، بينما تدفن أسماء وأعمال العلماء المغاربة القابعين في بلدانهم، وفي العصر الحديث يعتبر العالم الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين أكبر دماغ هجر بلاده،

وغيره كثير، بسبب الحربين العالميتين

نحو أمريكا البعيدة عن مسرح الأحداث،

غير أن الإعلام والحكومات الأوروبية

بشكل خاص سلطت عليها الضوء

وذهبت إلى اتهام الو.م.أ بتقديم

إغراءات غير مشروعة لباحثيها الذين

تنفق عليهم أموالًا طائلة، وسعت

لعلاج هذه الظاهرة مباشرة بعد

خروجها من الحرب العالمية الثانية، كما أنها ذاتها تستقطب طاقات عالية من مستعمراتها القديمة حتى قدر عدد الأطباء البنينيين في باريس وحدها أكبر من عددهم في البنين ككل، وفي الجزائر تعتبر فترة التسعينيات أكبر فترة استنزاف للكفاءات العلمية التي صرفت عليها المليارات من الدولارات تاركة مناصبها شاغرة.

فما أسباب الظاهرة وما انعكاساتها ومآلاتها على الاقتصاد والتنمية؟ وما حجم هذا الاستنزاف وأي الفئات أكثر هجرة؟ وما هي سبل وطرق علاجها واسترجاع الأدمغة المهاجرة أو الحد من خروجها؟

لماذا تغادر الأدمغة أوطانها؟

أول سبب لهجرتها الرقابة، ولا نقصد بها الرقابة العلمية على إنجازات العلماء والباحثين، وإنما الرقابة السياسية والفكرية لتحركاتهم وتوجهاتهم، فالأنظمة الشمولية تعتبر الأدمغة من مواطنيها خطرًا يحدق على أجهزتها لضعف مستوى مسيريها وعدم جاهزيتهم وقدرتهم على احتواء الطبقة العالمة والمثقفة من الشعب، وخاصة أن لديهم تأثيرًا جماهيريًا وقدرة عجيبة على التعبئة.

وقد نشر موقع «الجزيرة نت» تقريرًا للجامعة العربية حول العمل والبطالة جاء فيه: «يعزو ارتفاع معدل الهجرة إلى تزايد القيود المفروضة على حرية ممارسة البحث العلمي والفكري الحر في أغلب الدول العربية، ما يترتب عليه شعور متزايد بالاغتراب للكفاءات العلمية والفكرية العربية داخل أوطانها وترقبها فرص الهجرة إلى الخارج».(01)

إضافة إلى العامل السياسي المذكور أعلاه فالعامل الثاني هو عدم الاستقرار الذي تشهده الأنظمة السياسية وما تعرفه من انقلابات وتقلبات وانجذابات بين أطراف الحكم، ما يؤثر سلبًا على الحياة العلمية، حتى قيل إن العلماء في البلدان المتخلفة ستنتهي بهم الحياة منسيًا أو ثائرًا، كما كان الحال لفيدال كاسترو الحاصل على الدكتوراه في القانون، وشي غيفارا الذي درس الطب خلال مشواره الجامعي، هذا داخليًا وأما خارجيًا فإن لم تعانِ من الغزو العسكري الأجنبي السافر كسوريا وليبيا وفلسطين، فإنها ستقهر بوسائل التهديد الاقتصادية عند كل تطور ونقلة علمية تحدث فيها خاصة عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيات الحديثة بشكل عام والنووية بشكل خاص.

ويشير تقرير لاتحاد الأطباء العرب بأوروبا بموقعه الرسمي «أن 7350 عالمًا هاجروا من العراق إلى الغرب في الفترة من 1991-1998 بسبب الحصار الذي كان مفروضًا على العراق. وفي السنوات الثلاث الأولى من الاحتلال الأمريكي للعراق أي من 2003-2006، اغتيل 89 أستاذًا جامعيًا عراقيًا، وتقول منظمة العمل العربية إن هنالك 450 ألفًا من حملة الشهادات العليا العرب الذين هاجروا إلى أمريكا وأوروبا خلال السنوات العشر الأخيرة.(02)

وفي الجزائر هجر ما يقارب 3000 مهندس في الإعلام الآلي من سنة 1992 إلى 1996 وهم من خريجي المدرسة الوطنية للإعلام الآلي التي أنشئت في السبعينيات وتعتبر الأولى من نوعها في أفريقيا والوطن العربي(03)، وذلك بسبب الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر خلال التسعينيات من القرن الماضي، والتي أدت لمقتل مئات الآلاف من المدنيين على اختلاف الروايات والإحصائيات، وتميزت باستهداف المثقفين والمفكرين والعلماء.

ولن تكفينا هذه السطور للحديث عن الأسباب التقنية كقلة المرافق العلمية التقنية من مخابر وأدوات ووسائل معاصرة لإقامة التجارب، والأسباب العلمية التي تفضحها تقارير ترتيب جامعات العالم حيث لا نجد جامعاتنا إلا في ذيلها ولا أثر لها في مقدمتها، إضافة إلى العراقيل الإدارية البيروقراطية التي يعاني منها الباحثون وشبح البطالة الذي يطيل الإطارات.

ما يجذبها من الخارج

رغم ما سردناه من أسباب مباشرة وغير مباشرة ومن باب الإنصاف، ففئة من هذه الأدمغة وُفرت لها أغلفة مالية ومساندة قوية للبقاء في أرض وطنها، وهم المنتسبون لمؤسسات ومجالس ودواوين تابعة مباشرة للوزارات الوصية، أو يعملون في الوزارات بحد ذاتها، لكن ثمة دوافع تجذبها نحو الخارج.

أول هذه الدوافع البحث العلمي بتأطير كبار خبراء العالم، فلا شك أن زبدة وخيرة العلماء من كل التخصصات يتمركزون بالدول الغربية، بأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية بشكل خاص، وذلك لبرامج وسياسات استقطاب تقوم بها الحكومات وحتى الشركات متعددة الجنسيات، بغرض تطوير منظوماتهم العلمية والاقتصادية، واستثمار براءات اختراعاتهم.

ولعل أكبر إغراءات تقدم للباحثين بعد المال هي توفير التقنيات المعاصرة للتجريب وإمكانية تجسيد مشاريعهم على الواقع، هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى الاعتبار الذاتي من حيث الانتساب لكبرى الجامعات والشركات المصنفة في مقدمة الترتيب العالمي في مجالها.

وأخيرًا جانب مهم لا بد أن نسلط عليه الضوء وهو التقدير الاجتماعي بتأمين المعيشة الرغيدة لهم وعائلاتهم، وضمان مستقبل زاهر لأبنائهم من حيث التعليم والعمل والعيش الكريم.

من الأكثر هجرة؟

ويعتبر الأطباء والمهندسون أكثر المهاجرين من أوطانهم، إذ إن الوطن العربي يساهم في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية: «50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية المتخرجة يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا، كما يشكل الأطباء العرب 34% من مجموع الأطباء العاملين في إنكلترا».(04)

كما أشار تقرير للمنظمة العالمية للعمل حول هجرة الأدمغة بالمغرب العربي إلى أن طبيبًا من أربعة أطباء جزائريين يعملون بفرنسا وهذا بعد استكمال مشوارهم أطباء عوام أو مختصين.(05)

انعكاساتها

أ/ الإيجابية

ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نرى هذه الظاهرة بعين سلبية فلها إيجابيات عديدة نذكر منها:

  • مساهمة الكفاءات بالمهجر في تدعيم وإصلاح الأنظمة في بلدانهم متى أتيحت لهم الفرصة ولو عن بعد بنقل المعرفة وتوطينها وتنفيذ البرامج والمشاريع العلمية الحكومية.
  • تفعيل الكفاءات والمؤسسات الخاصة منها والحكومية في مجالات التعاون والشراكة مع الدول الأوروبية والأمريكية والمتقدمة عمومًا بتشبيك العلاقة بين المؤسسات في المهجر ومثيلاتها في بلدانهم.
  • المساهمة والمشاركة في سياسات اندماج الجاليات في مختلف مجالات الحياة: الاجتماعية، العلمية، السياسية والاقتصادية، وحماية وتعزيز حقوقهم.
  • توجيه الكفاءات الراغبة في الهجرة نحو بلدانهم الأصلية وحسن استثمارها وتيسير تنقلها إليها.

ب/ السلبية

لو نأخذ كمعطيات أولية أن أكثر من نصف الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلادهم، وأن الحكومات هي التي تتكبد مصروفات الدراسة من الطور الابتدائي للثانوي وحتى الجامعي كما الحال في الجزائر، فإننا لا نستغرب أنها «تكلف الدول العربية حوالي 200 مليار دولار سنويًا… وبلغت 11 مليار دولار في عقد السبعينيات».(06)

وصرح المدير العام للبحث بوزارة التعليم العالي أن الجزائر صرفت 40 مليار دولار لتكوين 71000 باحث بين 1994–2006، وقدمت 50.000 منحة للطلبة الجزائريين بين 1970-1990، لتكلل النتيجة ببقاء أغلبيتهم في الخارج.(07)

إضافة لهذه الخسائر المالية فإن عجلة التنمية ستتراجع لا محالة، ذلك أن المورد البشري هو محركها وقلبها النابض، في حين تستغلها الدول الغربية في تطوير اقتصادياتها وتحديث تكنولوجياتها.

الهجرة المضادة

ونقصد بالهجرة المضادة، عودة الكفاءات العلمية إلى أوطانها، والعمل على نقل العلوم والمعرفة والخبرات التي تحصلوا عليها خلال سنوات مكوثهم بالخارج وذلك إن توفرت شروطهم التي يطالبون بها، وتتمثل في توفير الحرية الكاملة في البحث العلمي والإنتاج الفكري، عصرنة الجامعات بمعايير عالمية ماديًا، إداريًا وبيداغوجيًا، وتأمين معيشة آمنة لهم ولأبنائهم، وإن حدث هذا فسيكون فتحًا عظيمًا على الدول النامية.

(10) موقع الجزيرة.نت

(02) اتحاد الأطباء العرب في أوروبا

(03) جريدة la tribune، 20/12/2006. مقتبس من كتاب:

Abdeltif Rebah, économie Algérienne le développement national contrarié. Editions INAS, Algérie, 2011, p.191.

(04) اتحاد الأطباء العرب في أوروبا

(05) Leila Beratto (Fuite des cervaux : ces médecins et ingénieurs que nous perdons). El Watan,06/11/2015

(06) اتحاد الأطباء العرب في أوروبا

(07) Leila Beratto (Fuite des cervaux : ces médecins et ingénieurs que nous perdons). El Watan,06/11/2015

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد