لا نشعر بقيمة ما نمتلك حقاً حتى نفقده. تكاد العبارة السابقة تنطبق علي كل شيء، فمنذ اللحظة التي نفتح بها عيوننا أول مرة ، توجه أدمغتنا كل جزء صغير من تلك الأوركسترا الضخمة المسماة “نحن” بدقة وإكتمال ينتج عنهما لحن يتجلي فيه ذاك النظام الكوني المبهر الذي  تسير على نسقه  كل الأشياء.

 

 

 

 

 

لكن ماذا يحدث عندما يفقد الدماغ السيطرة ؟ حينها، ينفتح أمامنا عالم أقل ما يقال عليه إنه أغرب من الخيال. في كتابه “الرجل الذي حسب زوجته قبعة”  يفتح أوليفر ساكس، طبيب الأمراض العصبية، الباب أمامنا لدخول ذلك العالم.

 

 

 

 

ينظر جيمي ج. حوله ليجد كل تلك الأسرة البيضاء التي يشغلها مرضي أكبر منه بأعوام كثيرة. يخمن أنه بمستشفي، لكن، ماذا عساه يفعل بمستشفي؟ يشعر أنه بصحة ممتازة، وكل شيء بحياته يسير علي ما يرام.

 

 

 

 

العام هو 1945م، سيتم  العشرين السنة القادمة ، ربحت الولايات المتحدة الحرب لتوها،  وخطب أخوه فتاة جميلة من ولاية أوريجن.

 

 

 

 

منذ عامين، أنهي دراسته في المدرسة الثانوية و لحبه الشديد للهندسة والإلكترونيات التحق بالبحرية الأمريكية كعامل لاسلكي في الغواصات. ما السبب من وراء وجوده في هذه المستشفي إذاً؟  ما لا يعرفه و لن يعرفه جيمي أبداً هو أنه، ليس بمستشفي على الإطلاق، بل في دار مسنين! جيمي في التاسعة والأربعين من عمره و العام هو 1975م.

 

 

 

 

حتي عام 1965 عاش جيمي حياة طبيعية يعمل بالبحرية التي كانت كل حياته. عند تسريحه منها في ذاك العام، أصبح مدمنا على المشروبات الكحولية، الأمر الذي أدي في نهاية المطاف إلي إصابته بمتلازمة كورسكاوف. يعجزعن تكوين أي ذكريات جديدة، أي شيء يحدث ينساه خلال ثوان قليلة من حدوثه.

 

 

 

 

 

 

عند حديث دكتور ساكس معه ثم خروجه من الغرفة ليأتي بعدها بقليل، حيا جيمي الدكتور كأنما يراه للمرة الأولي. عدا التسع عشر عاماً الأولي من حياته،انمحي كل شيء مهما انقضت الأعوام، سيظل دائماً  يظن أنه في التاسعة عشر وأن أمريكا ربحت الحرب لتوها. عند تلك اللحظة، توقف الزمن.

 

 

 

 

 

كانت كريستينا نادراً ما تحلم، لكن في تلك الليلة، رأت نفسها في كابوس مرعب. لم تكن تستطيع الوقوف ثابتة على قدميها اللتين كانتا تترنحان بشدة، ولا الإحساس بالأرض من تحتهما، أما يداها، فقد فقدت السيطرة عليهما، ولم تتمكنا من حمل أي شيء دون إفلاته. رأت كريستينا ذلك الحلم وهي نائمة في المستشفي قبل إجراء عملية استئصال المرارة، لذا، عندما روته للأطباء لم يروا فيه إلا ترجمة لقلق زائد. لكن، عندما تحقق الحلم إلي حقيقة في اليوم ذاته، عرفوا أن شيء ما ليس علي ما يرام.

 

 

 

 

 

 

فقدت كريستينا تماماً الإحساس بجسدها، شعرت و كأنها بلا جسد من الأساس. الطريقة الوحيدة التي تستطيع من خلالها التحكم في جسدها هي عن طريق إبصاره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان الوقوف مستحيل ما لم تنظر إلي قدميها، و إمساك أي شيء مستحيل ما لم تنظر إلي يديها، أما الجلوس فكان شيء بالغ الصعوبة. فقد صوتها نغمته ووجهها تعابيره. إن أغلقت عيناها لحظة، تنهار على الأرض.  لسبب غير معروف، أصيبت كريستينا بالتهاب حاد في الأعصاب دمر بشكل نهائي ومزمن شعورها بجسدها.

 

 

 

 

 

 

احتاجت كريستينا لعام كامل قضته في مركز إعادة تأهيل؛ لتستطيع العودة لحياتها كأم لطفلين، ومبرمجة كومبيوتر في السابعة والعشرين من عمرها  بشكل شبه طبيعي.

 

 

 

 

 

 

 

 

تمكنت من القيام بمعظم ما كانت تستطيع فعله قبل الإصابة، لكن حياتها لم تعد كما كانت أبداً:  فقدت حركاتها الانسيابية المعتادة، و صارت كل حركة ولو بسيطة تحتاج لمجهود ذهني، وتركيز كبيرين. شيء واحد تبقي لها: ما زالت تشعر بالهواء عند مروره على سطح جلدها، حينها فقط، تشعر أن جسدها على قيد الحياة. هكذا، استحال ذاك الكابوس المرعب  الذي رأته كريستينا في تلك الليلة إلي حقيقة لم تستفق منها أبداً.

 

 

 

 

 

 

في إحدي ليالي يناير من عام 1979م عاشت العجوز أو.سي. جزء من طفولتها في حلم من صنع الحنين. رأت نفسها طفلة مجدداً في بلدها الأم أيرلندا ترقص علي وقع الأغاني.

 

 

 

 

 

 

 

عندما استيقظت، ظلت تسمع نفس الأغاني. في البداية، ظنت أن أحدهم ترك الراديو مفتوحاً، لكن عندما تأكدت أن كل أجهزة الراديو مغلقة، وأن لا أحد يسمع هذه الأغاني سواها، علمت السيدة أو.سي. أن الموسيقي تأتي من داخل رأسها. وقد كان الأمر هكذا بالفعل.

 

 

 

 

 

وجد دكتور ساكس صعوبة كبيرة في فحصها، فبجانب كونها تعاني من صمم جزئي، كانت الأغاني في رأسها تغرق صوته. أوضح رسم المخ أن الأغاني، لم تكن سوي عرض لسكتة دماغية و بشفائها، حل الهدوء مجدداً، لكن هل أسعد ذلك السيدة أو.سي. ؟

 

 

 

 

 

 

مات أبو السيدة أو.سي. قبل أن تولد، وأمها قبل أن تبلغ الخامسة. يتيمة الأبوين، سافرت من أيرلندا لأمريكا، حيث عاشت ما تبقي من طفولتها  مع عمة قاسية. ضاعت عنها كل ذكرى عن سنواتها الخمس الأولي، حيث أمها، وأيرلندا، والغناء.

 

 

 

 

 

 

 

طوال ما تبقي من حياتها حاولت استعادة أي شيء من هذا، لكن جهودها باءت بالفشل. احتاج الأمر لسكتة دماغية لتستيقظ ذكرياتها من سباتها العميق، وتشعر بنفسها مجدداً طفلة صغيرة بين ذراعي أمها.

 

 

 

 

 

 

 

أعط التوأمين جون ومايكل أي تاريخ في خلال أربعين ألف عام، وسيجيبانك بدقة في أي يوم من الأسبوع سيقع هذا التاريخ، أو اسألهما عن تاريخ عيد الفصح في أي سنة من الثمانين ألف القادمة، ولن يجدا أية مشكلة في إجابتك فور سؤالك.

 

 

 

 

 

 

 

قد تظنهما توأمين عبقريين باستطاعهما القيام بالعمليات الحسابية بسرعة فائقة، لكن الحقيقة هي أن جون ومايكل يعانيان من التوحد والتأخر الذهني الشديد، لا يستطيعان القيام بعمليات جمع وطرح بسيطة ولا يفهمان ما يعنيه الضرب والقسمة من الأساس.

 

 

 

 

 

 

 

في أحد الأيام وقعت علبة كبريت في غرفتهم. صاح الاثنان 111 في وقت واحد ثم كررا الرقم 37 ثلاث مرات.

 

 

 

 

 

 

 

عندما قام الدكتور ساكس بعد الثقاب وجدهما بالفعل 111. سأل التوأم كيف أمكنهما العد بهذه السرعة.  أجاباه بأنهما لم يقوما بالعد أصلاَ، بل فقط “رأيا” العدد. وعند سؤاله عن معنى الـ37 ؟ أجابا بصوت واحد : “37،37،37،111”. لدهشة الدكتور الشديدة، قام التوأم بتحليل الرقم لمعملاته دون حتى أن يعرفوا ما هي القسمة.

 

 

 

 

 

 

 

في يوم آخر، وجد الاثنان منغمسين باستمتاع شديد في حوار غريب من نوعه، قامت فيه الأرقام محل الكلمات. يقول أحدهما عدد مكون من ستة أرقام، ويرد عليه أخوه بعدد آخر مكون كذلك من نفس عدد الأرقام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم يفهم الدكتور لذلك معني في البداية. عند بحثه في كتب الرياضيات، اكتشف أن كل تلك الأرقام هي أعداد أولية. أي شخص يعلم القليل عن الخوارزميات أو الرياضيات يعرف أنك حتى تقوم بتتبع الأعداد الأولية حتى الوصول لأرقام مكونة من ستة أعداد، فحتي الآلة ستحتاج وقت ليس بالقليل.

 

 

 

 

 

 

 

 

لم يستطع أحد التعرف على السر وراء التوأمين، حتى تم فصلهما بشكل قسري ظناً من المعالجين أن ذلك سيساعدهما علي الاعتماد على النفس. بالفعل حدث هذا، لكن في المقابل، خسرا موهبتهما الرقمية المذهلة، ومعها، بهجتهما الوحيدة في الحياة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لم يكن ما سبق سوى نبذات عن حياة أربع أشخاص حقيقيين، قصصهم توضح ما قد يحدث عندما يفقد الدماغ السيطرة، تشكل عشرون قصة أخرى كتاب الدكتور ساكس. لأوليفر ساكس أسلوب فريد، بعيد كل البعد عن تقريرية العلوم، في كتاباته تستشعر أنه صديق قديم يحدثك عن أشخاص فريدين قابلهم في حياته،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كما ستحس أيضاً بغزارة معرفته التي تمتد إلي كل ما يتعلق بالموسيقي والأدب والفلسفة وبالطبع علم النفس والأعصاب. عاش 82 عاماً قضاها في دراسة العقل البشري و الكتابة عن حالاته الفريدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

تُرجمت أعماله للغات عديدة، وقد تم نقل “الرجل الذي ظن زوجته قبعة” و”ميل إلي الموسيقي” إلى العربية منذ بضعة أعوام. واظب دكتور ساكس أيضاُ علي الكتابة في صحيفة “ذا نيو يوركر”. في أغسطس الماضي، رحل في هدوء عن عالمنا إثر إصاباته بالسرطان.

 

 

 

 

 

 

 

وأخيراً إن قررت فعلاً قراءة الكتاب، وواجهتك صعوبة في تخيل الحالات التي به كونها كلها شيء لا تراه كل يوم، فأنصحك بشدة بمشاهدة فيلم “إستيفاقات” عن كتاب لأوليفر ساكس يحمل الاسم نفسه.

 

 

 

 

 

 

 

 

فيه، ستحمل الصورة السينمائية عنك مشقة التخيل، وتأخذك في أداء مؤثر لكل طاقم الفيلم، من الممثلين الثانويين حتى بطليه روبن ويليمز وروبرت دي نيرو، إلي ذلك العالم الغريب، عالم الإصابات الدماغية. بعد الانتهاء منه، ستشعر كيف أغفلنا في زحام الحياة تلك المعجزات الصغيرة، فالاستيقاظ سليما معافى كل يوم لا يقل في روعته عن شروق الشمس في الصباح.

 

 

 

 

  • تناول المخرج كريستوفر نولان شخصية تعاني من حالة شبيهة بجيمي في فيلمه الشهير ”مومينتو”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد