كانت الجزائر وما تزال تعاني من ظاهرة هجرة الكفاءات العلمية والفنية، والأكثر من ذلك أن هذه الظاهرة تعدت لمجالات أخرى مست رجال الإعلام، والصحافيين، والرياضيين، ورجال الأعمال والفنانين بمختلف أصنافهم وتوجهاتهم. والجزائر تحتل مراتب متقدمة جدًا في ترتيب الدول شرق أوسطية التي تعاني من هجرة الأدمغة، وذلك راجع لعدة أسباب شخصية وسياسية واقتصادية. إضافة إلى العوامل الطاردة والجاذبة التي تميز البيئة الداخلية الضاغطة على الكفاءات والدافعة إلى خروجها، وأخرى بيئة خارجية جاذبة ومشجعة على الهجرة إليها.

وهذه الظاهرة في ازدياد بمرور الأيام والسنوات وعلى السلطات الجزائرية أن تجد حلا لذلك، وأن لا تبقى تلعب دور المتفرج الذي ينتظر قدوم الحل. وكذلك يجب الاستفادة من الدروس والحلول التي تبنتها دول أقل منا في المستوى الاقتصادي والوزن السياسي.

إن عدد الكفاءات الجزائرية المهاجرة مهم جدا من الناحية الكمية والنوعية، فحسب إحصائيات قدمها وزير الخارجية الجزائري في جواب لأحد نواب البرلمان أن «عدد الكفاءات العلمية ذات المستوى الأكاديمي العالي المقيمة خارج الجزائر والمسجلة رسميًا لدى الهيئات الدبلوماسية والقنصلية يفوق 15200 حسب التقديرات الحالية التي بحوزتنا».كما أن «الولايات المتحدة وحدها تحوز على 3000 باحث جزائري، والجزائر تحتل بذلك المرتبة الثالثة بعد فرنسا والصين في توفير اليد العاملة الفنية في كندا»[1].

ولقد كشفت دراسة دولية حول التشغيل في الجزائر، أن أزيد من 80 بالمائة من الكوادر الجزائرية، مستعدة للذهاب إلى الخارج للعمل هناك، وتحتل كندا صدارة الدول التي تستقطب الكفاءات الجزائرية، بنسبة 57 بالمائة وتليها فرنسا بـ 53 بالمائة وقطر بنسبة 52 بالمائة والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة في نفس المرتبة بنسبة 43 بالمائة. ويبقى تحسين ظروف العيش وتطوير القدرات والكفاءات العلمية، من بين أهم الأسباب التي تدفع الأدمغة الجزائرية للهجرة إلى الخارج.

وأبرزت دراسة دولية أخرى شاركت في إعدادها البوابة الجزائرية المتخصصة في التشغيل «اومبلواتيك» » أن أغلبية الإطارات الجزائريين (82 بالمائة) مستعدون للذهاب للعمل في الخارج. ويعد البحث عن أجر أفضل أول محفز بالنسبة لـ 70 بالمائة من الجزائريين الراغبين في الهجرة.

و أفادت نتائج هذه الدراسة أن «الجزائريين ينتمون للجنسيات التي تهتم كثيرا بالهجرة. وتبرز هذه الدراسة التي شملت عينة تضم 162000 شخص من بينهم 1915 جزائريا و87 بالمائة منهم جامعيون أن الدوافع الأخرى لدى الأشخاص الراغبين في القيام بمسار مهني في الخارج يتمثل في التكوين (59 بالمائة)، والبحث عن عقد عمل بمدة غير محدودة (37 بالمائة).

وبخصوص ترتيب الدول التي تثير اهتمام الجزائريين، الذين تم استجوابهم خلال هذا التحقيق بين جوان وأوت 2014، تحتل كندا الصدارة بـ 57 بالمائة وتليها فرنسا بـ 53 بالمائة، وقطر بنسبة 52 بالمائة والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة في نفس المرتبة بنسبة 43 بالمائة. وحسب سبر الآراء الذي تم القيام به فتأتي كلا من باريس ودبي ولندن في طليعة المدن التي تستقطب الجزائريين للعمل بنسب 37 بالمائة و24 بالمائة و18 بالمائة على التوالي. ومن جانب قطاعات الشغل التي تثير رغبة الأفراد الراغبين في الهجرة فيتعلق الأمر بالصناعة والطاقة (68 بالمائة) والاتصالات السلكية واللاسلكية والإنتاج (28 بالمائة) بالنسبة لكل قطاع. متبوعة بقطاع تكنولوجيات الإعلام والإنترنت (20 بالمائة) ووسائل الاتصال ووسائل الإعلام (19 بالمائة)، البنوك والتأمينات (18 بالمائة). وفي هذا الإطار فالسلطات تحاول العمل على اجتذاب هذه الكفاءات أو الاستفادة منها على الأقل. ولكن تلك الجهود لم تكن كافية بسبب نقص الرغبة الحقيقة للسلطات، وعدم أخذ الأمر محمل الجد كما تقوم به دول مجاورة.

فاستنادا إلى المرسوم الرئاسي 08- 381 في المادة الرابعة منه. فقد بين من مهام المديرية اﻟﻔﺮﻋـﻴﺔ ﻟﻠﻨﺸﺎﻃﺎت اﻻقتصادية وﺗﺜﻤين اﻟﻜﻔﺎءات اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ المقيمة ﺑﺎﳋﺎرج، التي تتبع مديرية الجالية بوزارة الخارجية، فقد تم تكليفها بالآتي:

  • اﻗﺘـﺮاح ﺗـﺪاﺑـﻴـﺮ ﻣﻦ ﺷـﺄﻧـﻬـﺎ ﲢﻔـﻴـﺰ أعضاء اﳉﺎﻟﻴﺔ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ بالخارج لاجراء
    عمليات تحويل الادخار وﺗﻮﻇﻴﻒ اﻷرﺻﺪة واﻻﺳﺘﺜﻤﺎر ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻻت ﻣﻨﺘﺠﺔ.
  • اقتراح آليات تسهيل وتدابير محفزة اتجاه الكفاءات الوطنية المقيمة بالخارج
    ﻣﻦ أﺟـﻞ مشاركتها ﻓﻲ التنمية الوطنية بالاتصال ﻣﻊ اﻟـﺪواﺋـﺮ الوزارية والمؤسسات
    المعنية.
  • تنظيم تظاهرات تجاه الكفاءات والمستثمرين اﳉﺰاﺋﺮﻳين المقيمين ﺑﺎﳋﺎرج.

· وﺿﻊ ﺑـﻄﺎﻗﻴﺔ ﺧـﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﻜـﻔﺎءات اﳉﺰاﺋﺮﻳـﺔ المقيمة ﺑﺎﳋﺎرج

وفي سنة 2008 قررت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وضع تصور جديد للاستفادة من خبرات قرابة 700 باحث جزائري مقيم بالخارج، وذلك في إطار القوانين الأساسية الخاصة بالباحث وما بعد التدرج والدكتوراه.

إذ إنه بدلا من انتظار عودة هذه الكفاءات إلى أرض الوطن، يوضع مخطط لتقييمهم وبناء جسر بينهم وبين فرق البحث بالداخل من أجل الاستفادة من خبراتهم المكتسبة. كما أن وزارة التعليم العالي تعمل على انتقاء الكفاءات الوطنية بالخارج، قصد السماح بالمشاركة في المجالس العلمية والمجالس الإدارية ومراكز البحث وبالتالي تحديد أولويات البحث العلمي، إلى جانب اكتساب التقنيات غير المتوافرة على مستوى مخابرنا ومحاولة التحكم في بعض التكنولوجيات وتشجيع عملية تحويلها إلى الجزائر.

ومن التدابير التي قامت بها وزارة السكن، تبني برنامج «السكن الترقوي العمومي لغير المقيمين، «LPNR»، وذلك بإطلاق بين 200 إلى 300 ألف وحدة سكنية، ستُدفع أقساطها بالعملة الصعبة على أن يحصل الراغبون في الاكتتاب على قرض تصل قيمته نسبة 80 في المائة من تكلفة السكن، تدفع قبل بلوغ المستفيد سن الـ 65 سنة. إضافة إلى الجولة التقييمية والجوارية التي قادت رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى الخارج للالتقاء بأعضاء الجالية من الكفاءات الجزائرية القاطنة بأوروبا وأمريكا في سنوات مضت.

يمكن القول أن الجزائر تنتهج سياسة غير متوازنة، وذلك راجع للعشوائية في إدارة ملف الهجرة والجالية. فبالنسبة لملف شؤون الجالية فقد نُقلت صلاحيات إدارة الجالية من وزارة الخارجية إلى وزارة التضامن. وفي تعديل وزاري بعد أقل من سنتين تم نزع تلك الصلاحيات وإعادتها إلى وزارة الخارجية في شكل وزارة منتدبة مكلفة بالجالية الوطنية بالخارج. وتم في أقل من سنتين أيضًا حذف هذه الوزارة من الطاقم الحكومي والاكتفاء فقط بتسيير الملف من طرف مديرية الجالية بوزارة الخارجية.

وعلى العموم فالجزائر اعتمدت باعتبارها دولة مصدرة للنفط والغاز سياسة تشجيع عودة مغتربيها إلى الوطن، وخاصة ذوي الكفاءات منهم. ولكن رغم ذلك فالحكومة الجزائرية لا تنكر بأن البطالة قد وصلت إلى مستوى كبير وأن للمهاجرين الذين لا يزالون يعيشون في الخارج يمثلون دورًا إيجابيًا في تجنيب البلد مزيدًا من الضغط على سوق العمل، وبالتالي على برامج التشغيل الحكومية.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد