في ظل مهنة فقدت الكثير من بريقها ومكانتها المجتمعية، وأضحت أرضًا مستباحة لكل أحد، ونقابة اختارت لنفسها أن تسير «جوه الحيط»، وليس حتى بجواره، يعيش الصيدلي والمريض المصريان حقبة حالكة السواد من تاريخ الوطن؛ فللأسف الشديد أضحى الدواء أداة لشركات الدواء؛ لابتزاز المواطنين واستغلال آلامهم، بينما تناست الحكومة دورها في توفير أبسط حقوق المواطن في وطنه: حق الحصول على العلاج، ولكى ندرك أبعاد المشكلة بنظرة أوسع لابد أن نتامل واقع إنتاج الدواء في مصر، وكذلك حال اليد العاملة منتجة الدواء والبائعة له – الصيادلة – فإذا نجحنا فى تكوين رؤية شاملة لعنصرى سوق الدواء في مصر  وقارناها بالوضع في غيرها من الدول أدركنا حجم المشكلة وأسبابها، وانجلى أمامنا طريق الإصلاح المنشود، تعالوا سريعًا نسرد بعض الأرقام لتتضح الصورة أكثر؛ فلغة الأرقام هي اللغة الأصدق:

1- يبلغ متوسط راتب الصيدلي المصري الحكومي في العام ما يقارب 1250 دولار، بينما يبلغ راتب الصيدلى فى جنوب إفريقيا 38 ألف دولار، لم أذكر الراتب في أمريكا ولا أوروربا مراعاة لمشاعر الصيادلة.

2- يبلغ بدل عدوى الصيدلي في مصر 19 جنيهًا، بينما بدل عدوى موظف البنك 500 ج – وكأن أوراق البنكنوت مصابة بفيرس سي مثلًا – وبدل عدوى وكيل النيابة 1400 جنيه، وتستطيع أن تبحث عن بدل عدوى القاضى لتفاجىء بمبلغ ضخم أكثر من راتب أي صيدلي في الحكومة – لن أذكر ذلك المبلغ أيضًا تجنبًا لارتفاع ضعط الدم – وبالمناسبة حكمت المحكمة بأحقية الأطباء والصيادلة في الحصول على بدل عدوى 1000 جنيه شهريًا، ولكن الحكومة – التى تدفع بسخاء للقضاء ووكلاء النيابة وموظفي البنوك – مازالت تماطل وترفض تنفيذ الحكم، ولا تسأل عن دور النقابة في هذا الموضوع، بل اسأل عن النقابة نفسها أين هي وماذا تفعل!

3- ميزانية إنشاءات ديوان عام الوزارة بلغت 2,5 مليار جنيه، بينما تعانى أغلب المستشفيات والوحدات الصحية من نقص حاد في الدواء، وبعض الوحدات والمراكز الصحية تجاوز عمرها الخمسين عامًا بدون صيانة أو تجديد، وأصبحت عرضة للانهيار في أي وقت كما حدث في عدة أماكن في مصر.

4- يتوقع الجهاز المركزى للمحاسبات أن يبلغ العجز في الميزان التجاري للأدوية (الفرق بين صادارات مصر وورادتها) أكثر من 24 مليار جنيه عام 2018.

5- شركة TEVA الإسرائيلية لإنتاج الدواء احتلت المرتبة رقم 13 على العالم فى قائمة أكثر شركات الدواء إنتاجًا بإجمالى مبيعات 20.3 مليار دولار، بينما يبلغ إجمالى إنتاج كل شركات الدواء في مصر 19.3 مليار جنيهًا.

6- تسبق دول قزمية مثل لاتفيا ولوكسمبورج، دولة عظيمة مثل مصر في حجم تصدير الدواء للعالم، على الرغم من وجود أكثر من خمسين مصنع أدوية في مصر، ثمانية منها مصانع حكومية!

أكتفي بذلك القدر؛ فالأرقام كثيرة ومفزعة، لكن يبقى الأمل موجودًا على استحياء في تحرك الصيادلة لانتخاب الأفضل والأنزه في انتخابات النقابة القادمة بعد عامين بإذن الله، فلابد من تكوين عقل جمعي واع للصيادلة، قادر على الضغط لانتزاع حقوق الصيادلة المسلوبة، وأن تكون النقابة هي رأس الحربة الذي يقود جموع الصيادلة نحو غد مشرق، وللحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دواء, شركات, مصر

المصادر

1
2
3
4
5
عرض التعليقات
تحميل المزيد