على غير المعتاد لاقت الانتخابات الرئاسية في البرازيل اهتمامًا وتساولات من العديد من الأصدقاء والمتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي واستغرابهم لماذا يوجد شعبية لمرشح من أقصي اليمين «جيير بولسونارو» وهو المعروف عنه أنه عنصري ولديه حالة من رهاب الأجانب والتحيز ضد المرأة والمثليين ومؤيد للتعذيب والقتل خارج القانون من رجال الشرطة؟

البرازيل لمن لا يعلم هي من دول العالم الجديد وهي أيضًا دولة فيها تنوع عرقي كبير مهاجرين ولاجئين ومعدلات جريمة مرتفعة وفساد مؤسسي في جميع أجهزة الدولة من القمة إلى القاع وسوء توزيع للدخل وتباين طبقي رهيب على الرغم من ثروات البرازيل الطبيعية المهولة ولكن أصل الشرور في هذا البلد المتنامي الأطراف هو حكم العسكر الذي استمر إلى أكثر من 20 عامًا من عام 1964 إلى عام 1985 وهي المرحلة التي تم تأصيل الفساد في جميع مستويات الدولة باعتبارها وسيلة من وسائل السيطرة والحكم العسكري.

خلال العقد الماضي قمت بعدة زيارات إلى البرازيل آخرها العام الماضي، وقمت بالكتابة حول بداية إجراءات عزل رئيسة الجمهورية السابقة ديلما روسوف والحكم بالسجن على الرئيس الأسبق لها لولا دو سيلفا والذي كان المثقفون العرب والرأي العام ينظر له على اعتبار أنه نبي الاشتراكية الجديد ولكنه كان أيضًا له سجل فساد لا يختلف كثيرًا عن عموم الدولة والرئيس الحالي ميشال تامر ليس أفضل حالًا حيث تلاحقه قضايا الفساد من كل جانب.

كانت محاكمة الرئيس السابق «لولا دو سيلفا» الاشتراكي والحكم عليه بالسجن في قضية فساد لمدة تزيد عن 9 سنوات في قضية واحدة من عشرات القضايا، وهو مسجون حاليًّا هي نموذج لمحاربة الفساد ومحاولة إرساء دولة القانون وهي بالمناسبة ليست القضية الوحيدة التي يحاكم بسببها، ولكنها البداية وعلى الرغم من الإصلاحات التي قام بها خلال فترة حكمه الأولى والتي شهدت البرازيل خلالها إصلاحات جذرية في المجال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وكان يتم تصويره خاصة في دول الشرق الأوسط وبواقي الدول الاشتراكية في أمريكا اللاتينية مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا على أنه نبي الاشتراكية الجديد الذي سينشر العدل في كافة أرجاء المعمورة! ولكن لولا دو سيلفا لم يكن أكثر من سياسي عادي إذ إنه بدأ في الانزلاق إلى دروب الفساد واستغلال السلطة.

كانت خليفة لولا دو سيلفا الرئيسة السابقة «ديلما روسوف» لم تكن أسعد حالًا وورثت شبكة راسخة من الفساد وعدم قدرتها على محاربة وقطع أذرعتها الأخطبوطية واستمرارها في حلفها مع الأنظمة الفاشلة في أمريكا الجنوبية أدى إلى أن يقوم البرلمان بعزلها قبل أن تنهي فترة رئاستها على خلفية اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ وهي الآن تنتظر المحاكمة على تلك الاتهامات.

«ميشال تامر» خليفة روسوف ونائبها والذي تولي الرئاسة الآن، وهو من أصول لبنانية ليس بعيدًا عن الشبهات وتحيطه اتهامات بالفساد هو الآخر والبرلمان منذ أكثر من عام يناقش مخالفته في وسط اتجاه قوي بعزله ومحاكمته، ولكن الملفات ستظل مفتوحة حتى بعد انتهاء رئاسته.

جميع الرؤساء للبرازيل منذ عام 2002 كانوا يساريين ومن حزب العمال اليساري، ولكن هذا لم يمنع من فساد الصفوة في المجتمع وعليه فتحول العديد من البرازيليين إلى اليمين في محاولة لإيجاد حلول لمشاكل تبدو مزمنة من الأمن والاقتصاد والعدالة في توزيع الثروة وجاء خطاب المرشح اليميني «جيير بولسونارو» يؤيد هذا الاتجاه وربما حديثه الرومانسي عن فترة حكم العسكر، والذي تم قتل واختفاء 434 مواطنًا برازيليًا وتعذيب الآلاف منهم في خلال 20 عامًا من حكمهم (بالطبع هذا رقم متواضع بالنسبة لما يحدث في الشرق الأوسط) الذي لاقى هوى من مواطنيين يئسوا من الوضع الحالي ولا يلتفتون كثيرًا إلى خطابه وآرائه حول العنصرية والمرأة والمثليين في دولة متنوعة الأعراق مثل البرازيل.

جرت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم الأحد 7 أكتوبر (تشرين أول) بين 13 مرشحًا وجاءت نتيجتها فوز «جيير بولسونارو» بها بنسبة 46% وتلاه المرشح الاشتراكي «فرناندو حداد» بنسبة 29٪؜ وستجري انتخابات الإعادة يوم الأحد 28 أكتوبر وينتظر فوز «جيير بولسنارو» بها كرئيس شعبوي محافظ في اتجاه جديد تخطو إليه البرازيل رابع أكبر ديموقراطية في العالم والاقتصاد التاسع من حيث الحجم في العالم.

ربما من هذا السرد يتساءل أصدقائي من منطقة الشرق الأوسط ما هي فائدة كل ذلك؟ إذا كان جميع السياسيين فاسدين ونحن لدينا ملوك وأمراء ورؤساء يرتكبون كل يوم جرائم يشيب لها الولدان بما فيها سفك الدماء وانتهاك جميع القوانين وحقوق الإنسان، وأما عن الفساد المالي والإداري فبالمقارنة فهذه أضعف الاتهامات! لكن صديقتي البرازيلية «رناطا سانتوس» وهي كانت صحفية في نيويورك واختارت أن تعود إلى البرازيل العام الماضي لتقوم برعاية والديها، وما زالت تُمارس العمل الصحفي لها رأي آخر وقالت لي خلال عشاء مع عائلتها «لا تستغرب من هذا الكم من الفساد فهو نتاج طبيعي من الحكم العسكري الذي شهدته البرازيل ولكن من الأفضل أن نحاكم كل رئيس تولي السلطة على مخالفته إلى أن يستقر الوضع ويعلم كل سياسي أنه لا توجد حصانة له فيما يفعله، وأنه لا يوجد رئيس فوق القانون، لقد جربنا الحكم العسكري لعقود وآلينا على أنفسنا ألا نعود إلى تلك الحقبة واخترنا الديموقراطية وحكم المؤسسات على الرغم مما تراه ولكنه نتيجة طبيعية للفترة التي سبقته ثم تستطرد قائلة أليس هذا أفضل من أن نكون مثل مصر والدول العربية؟!» وهنا حط الطير على رأسي ولم أجد ما أرد به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!