تجري مسابقات الدوري العام المصري على عدة درجات متتالية؛ ففي الدرجة الأولى يأتي الدوري «الممتاز» حيث الأضواء والشهرة؛ ثم يليه في الدرجة الثانية دوري «المظاليم» حيث المنافسة العنيفة وصراع البقاء في الظل بعيدًا عن العيون والتقدير؛ وأخيرًا في الدرجة الثالثة يأتي دوري «الحرافيش»، وهو صراع آخر على البقاء ولكن بعيدًا عن البقاء هذه المرة! ثم تنتهي المنافسة المعروفة بفراغ كبير عند الدرجة الرابعة ليبرز عند الدرجة الخامسة دوري من نوع آخر، نوع مميت، قاعدته الأساسية اللا أخلاق واللا معقول، ومبارياته تتسم بالوضاعة والقذارة والدموية. إنه دوري السياسة!

وبالرغم من كل الصفات السيئة التي تميز دوري الدرجة الخامسة (دوري السياسة)، إلا أن هناك مباريات تحمل من الطرافة ما لا يمكن إنكاره، وتستطيع رغم دمويتها وقذارتها رسم الضحكات على الوجوه المكلومة؛ وعلى رأس تلك المباريات تأتي مباراة «الزيارة البرازيلية».

قامت تلك المباراة ضمن فعاليات الموسم السياسي 2012-2013 بين فريق أنصار الرئيس (المعتقل) محمد مرسي بقيادة الإخوان وفريق تحالف القوى المضادة للثورة؛ وأقيمت المباراة على خلفية الزيارة التي قام بها الرئيس مرسي إلى البرازيل لعقد بعض الصفقات التجارية والصناعية والتكنولوجية، وبحث انضمام مصر إلى أحد التجمعات الاقتصادية الواعدة (في حينها طبعًا).

بدأت المباراة حماسية ساخنة بهجمة قوية لفريق القوى المضادة عن طريق الجناح الأيسر، وهم اليساريون؛ واليساريون – كما تعلمون – لديهم حساسية مفرطة تجاه الدين تنفرهم منه وتبعدهم عنه، ولكنها أيضًا تمنعهم من استخدامه أو الاتجار به.

فخرج أحد الإعلاميين المشهورين في برنامجه المشهور ليوجه كلمة لاذعة لمرسي قبل الزيارة ملخصها: «امسك نفسك يا مرسي وبلاش الحركات إياها قدام الست، بلاش فضايح!» في إشارة جنسية واضحة إلى رئيسة البرازيل «ديلما روزيف»! ولكن فريق الإخوان تمكن من استيعاب الهجمة ببراعة وقام بهجوم ارتدادي خاطف رد فيه على الأستاذ الإعلامي بما معناه: «اخرس يا طبال يا صبي العالْمة» في إشارة أكثر وضوحًا إلى مهنة الأستاذ الأصلية قبل انضمامه إلى حقل الإعلام والسياسة!

فأطلق الحكم صافرته على الفور محتسبًا هدفًا، وصاح الجمهور في المدرجات: «جووووول»، وأصبحت النتيجة: (الإخوان: 1 – القوة المضادة: 0).

فقرر فريق القوى المضادة تغيير استراتيجيته الهجومية، وبدأ الهجمة الثانية عن طريق الجناح الأيمن، وهم الليبراليون؛ والليبراليون – كما تعلمون – لا يُقدِّرون الدين ولا يُجِلِّونه حقيقة، ولكن في نفس الوقت ليس لديهم حساسية تجاهه أو نفور منه، ما يمكنهم من استخدامه والاتجار به في أي وقت يشاؤون.

فخرج إعلامي آخر مشهور بصوته الزاعق ليصرخ في «مرسي» بعد الزيارة بما معناه: «شربت خمرة معاهم يا مرسي! بعت دينك يا مرسي!» في إشارة واضحة إلى حفل توقيع الاتفاقية في البرازيل وما نقلته وسائل الإعلام من رفع الجميع كئوس الشراب (بما فيهم مرسي!).

ولكن فريق الإخوان تمكن للمرة الثانية من استيعاب الهجمة ببراعة تليق حقًا بالمحترفين، وأخرج شهادات موثقة ممن حضروا حفل التوقيع ومن البرازيليين أنفسهم تثبت أن ما احتوته الكئوس كان عصيرًا ولم يكن خمرًا، وأن البرازيليين استبدلوا بالخمر العصير إكبارًا لمرسي وإجلالًا لدينه!

فأطلق الحكم صافرته على الفور للمرة الثانية محتسبًا هدفًا، وصاح الجمهور في المدرجات: «جوول»، وأصبحت النتيجة: (الإخوان: 2 – القوى المضادة: 0).

وهنا أحس فريق القوى المضادة بالخطر وبأن المباراة ستفلت من بين يديه، فقرر إلقاء ورقته الرابحة والهجوم من القلب بقوته الضاربة كلها، فخرج السلفيون؛ والسلفيون – كما تعلمون – «بتوع ربنا» فلا يتنفسون إلا بما قال الله وقال الرسول، ولا يتكلمون إلا بما ورد في الكتب وصحيح الأثر.

فقالوا ما معناه: «حتى وإن خلت الكئوس من الخمر، يكفي قرْع الكئوس!»، وما أن سمع حكم المباراة كلمة «قرع الكئوس» تلك حتى أطلق صافرته تلقائيًا بحماس ليحتسب هدفًا، وصاح الجمهور في المدرجات: «جوول»!

ولكن الإخوان أيضًا – كما تعلمون – «بتوع ربنا برضه»، فانطلقوا من فورهم إلى الأرشيف، واستخرجوا الشريط المسجل للزيارة، وأعادوا مشاهدته مرارًا وتكرارًا، وعرَّضوه للأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء وبين الخضراء، وشكلوا لجنة فنية من «المونتير» و«الريجيسير» و«الدوبلير» وجميع من تنتهي وظيفته بحروف «…ير»، ثم عادوا إلى حكم المباراة سريعًا وأروه أن مرسي لمَّا جاء وقت «قرع الكئوس» قام بلف يده كاملة على الكأس واستقبل الكئوس الأخرى على أصابعه، وبالتالي لم يحدث «قرعٌ للكئوس» من الأساس!

وهنا أُسقط في يد الحكم، ونظر للسلفيين نظرة حائرة لا يدري ما يفعل، ووقف الجمهور في المدرجات صامتًا قلقًا، وخيم السكون على الملعب حتى لقد سُمِعت دقات قلب «ديلما روزيف» نفسها في القارة البعيدة! فتجلَّى السلفيون فوق تجليهم، وقالوا بثقةٍ وتمكُّنٍ ما معناه: «لا يُشترط في قرع الكئوس أن يُسمع لها دويّ، ولكن يكفي شهود الموقف والتشبه بالحال»!

فما كان من الحكم إلا أن رمى بصافرته على الأرض، وأخذ يجري كالمجنون في أنحاء الملعب وهو يصرخ: «جوول وجول وجول وجوول!»، وأصبحت النتيجة: (الإخوان: 2 – القوى المضادة: 20)!

وقد علَّق أحد المحللين الكرويين (أو السياسيين، لا أتذكر على وجه الدقة) على تلك المباراة بحماس شديد وبصوت متهدج قائلًا: «هذا هو ما نقوله وما نُحذِّر منه مرارًا وتكرارًا: من السهل جدًا أن تصد هجومًا يساريًا يأتيك من اليسار، ومن السهل أيضًا أن تصد هجومًا ليبراليًا يأتيك من اليمين، ولكن من المستحيل أن تفلت من هجوم مقدس يأتيك من القلب!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد