يقول الكاتب إبراهيم نصر الله: كل ما حولنا هنا، يريدنا أن نعيش على الفتافيت، فتافيت الخبز، الكتب، الأمل، الحلم، فتافيت الوطن، وفتافيت الذكريات.

ففي دنيا الأحلام، تلمس بأجنحة قلبك أحلامًا ضائعة، وأخرى تائهة وسط زحام الحياة، وأحلامًا أخرى منثورة على أرصفة الحياة، وطرق الأماني العابرة، ولكن كم هي قاسية الأحلام التي تظل أحلامًا تُلوِح لأصحابها من بعيد، يقتربون منها فيجدونها مجرد سراب في آخر نفق الحياة المُعتم الطويل، وسط أنياب الجوع والفقر والجهل والمرض، وأكثر هذه الأحلام إيلامًا على جدران الروح، تلك التي تنبعث منها رائحة الطفولة الموؤدة، تحت عباءة الدنيا المهترئة، وستائرها التي تهتكت فكشفت عراء الإنسانية.

أيمن ذاك الصبي ذو العشرة أعوام، الذي احترق جسده، واحمرت مُقلتا عينيه التائهتين في الزحام من شدة أشعة الشمس، يسير في السوق طيلة النهار بعربته البلاستيكية، بعجلاتها البالية، والتي عمل أكثر من شهر، من أجل القدرة على شرائها، مناديًا: شيال يا هانم شيال يا بيه، دون كللٍ أو ملل!

تنظر إليه، لتقع عيناك على جرة قدميه الهشة بحذاءٍ بال، وترى حبيبات العرق تتلألأ على جبينه، كحبات الندى التي تروي ظمأ أحلامه الوردية، والتي غادرته منذ أن فقد والده في حادث أليم، ليصبح الحماية والسند الوحيد بعد رب العالمين لأمه المريضة.

فجرح قلبه الصغير  غَضَّ طَرِيٌّ ، كغصن أخضر يافع، تم قطفه في أول مهده، حينما ترعرع وشب على قبح الدنيا، ليُقتلع من جذور الطفولة عنوة ويُلقى به على رصيف الحياة الذي يُشاطره أحزانه ورمق أحلامه العابرة كمرور سحابات السماء وأسراب الطيور المُهاجرة، الرصيف الذي منحه حنانًا لم يجده في قلوب البشر، ليتخذ من أحجاره المهشمة وسادة، ومن ورق الكرتون والأكياس البلاستيكية فراشًا وغطاء له.

تحاول أن تعطيه نقودًا فيرفض بكبرياء الفرسان قائلًا: أنا أعمل أنا لست شحاذً، لتتحدث إليه كرجل صغير في رداء طفولة رثه وشعر مبعثر، تُربت على كتفيه، فتلمس بيديك جوفه المعجون بآهات الألم والحرمان، وفطرته الطاهرة التي لم تشوهها الدنيا بعد، ليبادلك بابتسامة مهزومة يغلبها الأنين المكتوم والأمل المفقود، رأيت في ملامحه شقاء ممزوج ببراءة لم أعهدها من قبل، براءة مغلفة بقوة وصلابة، يجعلك تتحدث إلى نفسك قائلًا: صغيري من أين لك هذه القوه والصبر والجلد؟!

تتحدث معه عن أحلامه لتجدها بسيطة، عفوية طاهرة كقلبه الصغير، لتجد حلمه أن يطمأن على والدته، وأن يشتري لها رداء جديد، وأن يملأ عربته بألعاب وكراسات رسم، وألوان بحجم سعة روحه التي تتسع للعالم ولا تضيق مهما قابلت من الألم والعناء.

تسير في السوق وتقوم بشراء ما تحتاجه من نعم الله، ليقوم باختيار الفاكهة والخضروات معك، وينصحك بالابتعاد عن الشراء بأسعار غالية، وينبهك أنك اخترت ثمرة معطوبة وسط الحقيبة.

ليأخذك الحديث الشيق معه حتى تصل إلى السيارة التي ستركبها، ليضع لك أشيائك في حقيبة السيارة، لتعطيه حقه من المال، فيظل واقفًا حتى يسمع هدير محرك السيارة، فيلوح لك شاكرًا ممتنًا، ثم يتابع السير في طريقه إلى السوق تاركًا في قلبك إرثًا من الألم والرضا والامتنان له، لأنه علمك كيف تكون مواجهة الحياة بكل صبرٍ ورضًا.

في السوق في هذه البقعة الصغيرة من العالم يمكنك أن ترى ملخص للحياة بأكملها في مصر، ترى الجوع مكسوًا عظامًا ولحمًا، ترمق نظرات العجزة والمحرومين العالقة بأصناف اللحم والدجاج المختلفة، ينظرون إليها وكأنها شيء صعب المنال وحلم قد لا يتحقق.

ولكن المشهد الأشد قسوة على النفس، هو تجمع العشرات، ممن يحملون الأكياس البلاستيكية، ويملأونها بالفاكهة والخضروات الفاسدة، والمُلقاة على جانبي السوق وسط نبيح الكلاب، تراهم يسعون للقمامة بكل رضا، ويبحثون في جعبتها بكل صبر ما يستطيعون تناوله، والناس تقف تشاهد، وكأنهم تحف فنية منذ عهدٍ مضى.

إن أيمن مثال لطفل من ملايين أطفال مصر والعالم العربي، الذين يعانون بحجم قسوة العالم ووحشيته، هم رائحة الوطن، وكفتيه الممدودتين، ومِداد الطُهر والبراءة، أطفال الشوارع من الأيتام والمحرومين، من ينامون على الأرصفة وأسفل الكباري وسط ضجيج السيارات التي لم تُمهل لهم قسطاً من السكون والراحة.

أكثر ما يخيفهم، سكون الليل وما يُخبئه لهم، وكأنه يعوى في أذانهم الصغيرة، ويقتل أمل النهار في أعينهم، حينما يُخيم على أجفانِهم المتهالكة، ليُلملم أطفالنا أنفاسهم المتصارعة، ودقاتُ قلوبهم التي تتنازع أيُّها يصرخُ بصوتٍ أعلى، خوفًا مما يحمله الغد.

فقد أعلنت منظمة اليونيسيف أن عدد أطفال الشوارع في مصر يقدر بنحو 2 مليون طفل، بين ثلاث فئات أولها، قاطنو الشوارع، وهم الذين يعيشون في الشارع بصفة دائمة، والفئة الثانية عاملون في الشارع، وهم أطفال يقضون ساعات طويلة يوميًا في الشارع في أعمال مختلفة، مثل التسول، أما الفئة الثالثة أسر الشوارع، وهم أطفال يعيشون مع أسرهم الأصلية في الشارع، وتبعًا لهذا التعريف قدرت الأمم المتحدة عدد أطفال الشوارع في العالم بـ 150 مليون طفل.

ولكن الفاجعة الأكبر هي استغلال هؤلاء الأطفال في أعمال غير قانونية ومنافية للآداب، وسقوطهم تحت براثن جرائم بيع الأعضاء البشرية وجرائم السرقة والخطف والاتجار بالبشر، ليصبحوا الجاني والمجني عليه في آنٍ واحد، ضحية الأهل والمجتمع الذي تركهم فريسة لأنياب ومخالب الجهل والجوع والمرض وقوى الشر، يتعرضون لكل أهوال العذاب، من المشاكل الصحية والنفسية والإنسانية، دون تقديم أي حلول واقعية حقيقية فعاله في قضيتهم التي أصبحت كالوجع النازف في محراب الوطن.

ويبقى السؤال إلى متى ستظل معاناة أطفال الشوارع، إلى متى سنظل نتركهم يعانون كل أهوال الوحشة والغربة وفقدان الرحمة في دروب الوطن، إلى متى سنتركهم كلُقم العيش المستساغة بين أنياب الجوع والجهل والمرض والاحتياج، إلى متى سنظل نصم آذاننا عن نداء أطفالنا وصراخهم المدوي المُترامي في عنان السماء كالغسق الأحمر الذي يخُط خطوطه عند وداع شمس النهار؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد