تقديم

عرّف «ماكس فيبر» السياسة الاجتماعية على أنها: «صورة للسلوك الإنساني، الذي يشتمل على الاتجاه الداخلي أو الخارجي، الذي يكون معبرًا عنه، بواسطة الفعل، أو الإحجام عن الفعل، إنه يكون الفعل عندما يخصص الفرد معنى ذاتيًا معينًا لسلوكه، والفعل يصبح اجتماعيًا عندما يرتبط المعنى الذاتي، المعطي لهذا الفعل، بواسطة الفرد، بسلوك الأفراد الآخرين، ويكون موجهًا نحو سلوكهم».

لم تتمكن أي من الأنظمة الشمولية، من إحداث أي تحسين للصورة السيئة، التي ارتسمت عنها، منذ بداية ظهور ونشوء هذه الأنظمة، ومن خلال تجاربها في الحكم، لم توصف بوصف غير أنها شكّلت وخلقت مجتمعات منغلقة، يكون الحكم السياسي فيها تحت سلطة فئة، أو جماعة معينة، تفرض على الآخرين فكرًا أو رُؤًى، ولا تقبل بمعارضتها، بل تسعى دومًا إلى السيطرة على كافة مناحي الحياة، وتجميع كل المواطنين تحت عباءتها، منطلقة من اعتقاد سائد بأنها هي الوحيدة التي تمتلك الفهم والإدراك، والتي من خلالهما يجب أن يكون جميع المواطنين في المجتمع يسيرون وراءها.

والحقيقة التي جعلت الإنسان العربي يخوض صراعًا مع تاريخه؛ هو تعثره في الحفاظ على هوية محددة للمجتمع الذي يعيش فيه، أو ربما للمجتمع الذي يسعى للحصول عليه، إضافة لهذا الصراع مع التاريخ، ثمة عوامل أخرى، مثل الاستعمار؛ كان جنديًا ثابتًا راسخًا في هذه المعركة.

المجتمعات العربية مثل غيرها من المجتمعات، ذاقت مرارة الفكر الشمولي، والديني، وغيره؛ فالفكر الشمولي، وفرض الأيديولوجية على المجتمعات، لم يكن حكرًا على منطقة جغرافية، أو أيديولوجية معينة، بل حكمت دولًا وشعوبًا في أنحاء مختلفة من العالم، وينطلق الفكر الشمولي في الشكل العام، من قناعة راسخة لديه، بأنه الوحيد الذي يعي متطلبات الدولة، والمجتمع، واحتياجاتهما؛ وبالتالي يستوجب من وجهة نظره، امتلاك القوة، والقدرة على إحداث التغيير، الذي يتوافق مع هذه المعرفة، وهذا الفهم؛ لذلك لا بد من السيطرة على مناحي الحياة المختلفة؛ ليمتلك حينها السلطة القوية، القادرة على أن تحكم وفق قناعاته، وتفرض تطبيقها، بشكل تام، دون أي إمكانية للبحث فيها، أو مناقشتها؛ لذلك نرى أن هذا الفكر في جميع نماذجه، يذهب إلى أيديولوجيا، إن كانت دينية، أو حزبية، أو عرقية، أو غير ذلك، قادرة على أن تكون الرافعة الأساسية، في إدارة حكمه.

شماعة الاستعمار

تعيش المجتمعات العربية، في منظومة معقدة، تتجه أجزاء في داخلها إلى التنمية، بينما تظل أجزاء أخرى ثابتة في مكانها، والمتبقية تسحبها بكل ما فيها إلى الوراء؛ مما جعل عملية تطور المجتمعات العربية متعثرة، وغير قادرة إلى إضفاء طابعٍ، أو هوية، أو حتى تقديم برنامج للمستقبل.

كل الاستراتيجيات التي وضعت في هياكل الدول العربية، ما بعد الاستعمار؛ قادت إلى موجة جديدة من العبودية، مما جعلها أنظمة تسلطية، ليست ديمقراطية، وليست ديكتاتورية في ذات الوقت، أنظمة تقدم للمواطن ما يجعله يبدو بهيئة تشرف صورة النظام السياسي خارجيًا، بينما هو يتحكم في أساسيات ومسار الحياة داخليًا، تعطيه حقوقًا محدودة، بينما هي تشغل دورًا في إدارة حقوق المواطنين، وهذه الحقوق كانت قد أنهت جدليتها، مجتمعات كثيرة، مثل المجتمعات الأوروبية والغربية، بعد انتهاء الحربين العالميتين، إلا أن المجتمعات العربية ترفض أن تسير في سياقها التاريخي، بل تبحث عن سياق لا يشبهها.

ومن الناحية الموضوعية للموقف؛ فإن المواطن العربي لا يتحمل ذنب ما يعايشه من تخلف، ولا يمكن إلقاء اللوم على الأنظمة فقط، إن الأطراف جميعها مشتركة في تعثر عملية التنمية، والتطور الطبيعي للمجتمعات، فمثلًا إن كان النظام السياسي طاغيًا، وتسلطيًا، وفاسدًا، لم نجد حراكًا ثقافيًا يدعم بقاءه؟ والذين يدورون عجلة هذا النظام من هم؟ أليسوا من المجتمع؟ إن مناقشة أي مسألة ينبغي أن تُناقش في كل ظروفها، وأجزائها، ومحاورها؛ فالحديث عن فساد أنظمة، أو تخلف شعوب، أو تراجع فكري، أو ثقافي، أو عن قلة في الموارد، أو استعمار خارجي، بشكل أحادي، لا يحل مسألة الترهل، والتباطؤ، التي تغزو العقل العربي ووجوده.

لم يعد الاستعمار بتعريفه موجودًا في المجتمعات العربية، إنه يسكن في العقل العربي، على شكل مؤامرة خارجية، أو رغبة في تبرير الفشل الذاتي، أو حتى لاستخدامه باعتباره عصًا سحرية، أمام المعارضة، أو الشعب.

ظهرت مؤخرًا في الأوساط الأكاديمية العالمية، نظرية جديدة؛ وهي نظرية ما بعد الاستعمار، أو «Postcolonial Theory» تدرس هذه النظرية الجديدة أساليب مطابقة، واستكمال العمل، الذي قامت به مدرسة ما بعد الحداثة، بالتوازي مع التنظيرات النيوليبرالية، وتنظيرات صراع الحضارات، والدراسات الثقافية، وغيرها؛ حيث تسعى إلى تكريس الفصل، ضمن الظاهرة الرأسمالية العالمية نفسها، منحية العوامل الاقتصادية الاجتماعية، ومبرزة العوامل الثقافية، بوصفها عوامل حاسمة، بل وعوامل صراع، وتفتيت على المستوى العالمي.

الخطير في المسألة، هو أنّ دعاة هذه النظرية، يأتون بجزء هام منهم، من خلفيات ماركسية، ويدّعون الانتصار لشعوب البلدان المستضعفة، في وجه الرأسمالية الظالمة، ولكنهم وتحت هذه اللافتة، يعملون على تجريد هذه الشعوب نفسها، من أهم أدواتها في النضال ضد الرأسمالية.

الماركسية باعتبارها سلاحًا فكريًا، أممية الطبقة العاملة، ووحدة نضالها على المستوى العالمي، وصولًا إلى اقتطاع التطور التاريخي، لهذه البلدان من سياقه الحقيقي، ووضعه ضمن إطار تخيلي، ووهمي، مبني على مفردات ثقافية متفرقة، ومقطوعة عن نسقها التاريخي؛ بما يسمح بتعطيل إمكانيات تضامنها، ووحدة صفها في مواجهة الرأسمالية نفسها، كما أن فقدان الإنسان العربي لإرادته، في توظيف تاريخه، لإدارة موارده، وطاقاته المادية، والمعنوية في الانعتاق من ضغوط القوى العظمى، والسير قدمًا نحو التطور والتنمية، الأمر الذي يُشكل استقرارًا على كافة المستويات، لهذه المجتمعات.

صراع الدين والقومية

إن المفاضلة بين الواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية، وبين ما ينبغي أن يكون عليه، هي ما يجب أن يُناقش في حقيقته، بإشراك جميع القوى، والفئات الاجتماعية، لا أن تحاول فئة اجتماعية بسط سيطرتها الفكرية على الأخرى، من خلال نظرية الحق وغيرها، أو من خلال إحباط محاولات الفئات الأخرى، وهذا الصراع بين الدين والقومية، وبين الأسلمة والعلمنة، يتجسد تمامًا في عدم وجود رؤية واحدة للمستقبل، رؤية مجردة من الأيديولوجية؛ ففي قراءة بسيطة للكتب الإسلامية التي صدرتْ في الخمسينيات، والستينيات من القرن الماضي، تجد تنظيرًا يدعو للانسلاخ عن الهوية العربية، والقومية، والتي لا أجد حقيقة، ولا يجد الكثير من المفكرين معضلة في مسألة العروبة، والدين؛ كونها جامعة لكل الأديان، والأعراق، والأطياف؛ فالذي يدعو إلى الانسلاخ عن الهوية الأساسية للمجتمعات، هو يرسخ مفهومًا منفردًا للمجتمع، من خلال أيديولوجيته، والتي لا يتفق معها الجميع؛ مثل كتب «سيد قطب، ومصطفى شكري»، والكثير من منظري الحاكمية، والذين كفّروا المجتمعات العربية.

في الجهة الأخرى نجد إقصاءً، واضحًا، مبررًا، وغير مبرر، للإسلاميين في كثير من مناحي الحياة، وأكثر ما يثير الصراع، ما شهدناه في مرحلة ما بعد الاستعمار، هو تحجيم دورهم في المشاركة السياسية.

إن المجتمعات التي أحاكت تاريخها، بالظروف التي عايشتها في الماضي، وبنت عليها أسس الحياة، وركائزها، ودمغت فلسفتها في الحاضر، ثم عملت على البناء للمستقبل، من خلال الديمقراطية، والمدنية، والحقوق للجميع، على اختلاف أديانهم، وأعراقهم، وأفكارهم، لم تعش المجتمعات العربية عملية التحول الديمقراطي، ولا حتى تطورت بالشكل الطبيعي؛ لأن ثمة إقصاء من كل فئة لأخرى، ورفض لتاريخ فئة من فئة أخرى، ولكن إن الصراع في حقيقته، لا يجب أن يتخذ مبررات لتوصيفه، فالمبررات غير منطقية في مسألة جمعية كهذه، تحدد مصير المجتمع، ومصير أمنه، وتاريخه، وحضارته، وإرثه الثقافي، حتى إن كان الحديث عن الإسلام السياسي، في تأطير جماهيره، وتعبئته مفاهيم ضد اليساريين، والعلمانيين، والحركات القومية العربية؛ قد خلق أزمة، إلا أنه وفي الحقيقة، لم يكن ثمة حوار حقيقي بين الفئات الاجتماعية، والسياسية، والفكرية في المجتمعات العربية، قد يقود إلى مرحلة من الشراكة، والوحدة، والنزاهة، وتقبل الآخر، فالممارسة السياسية الخاطئة للعلمانيين، واليساريين في الحكم، لم تكن لتفضي إلا لهذه الصراعات، التي ربما لن تنتهي، والتي أفرزت فيما بعد صراعات طائفية، وقومية.

إن المجتمعات العربية تعثرت في تفسير ماضيها، أكثر من تعثرها في التقدم صوب مستقبلها، فالجميع يريد أن يبني المجتمع، والكل يريد أن يضع الأحجار بالطريقة التي تناسبه، حتى أن البعض يريد أن يبدأ البناء من الأعلى؛ فخلقت شرائح المجتمعات العربية أزمة من العدم، بأنها تريد مجتمعًا يناسب تصوراتها الدينية، والسياسية، والفكرية، ولم تعد تتفق بشكل واضح على ماهية المجتمع، الذي تريد أن تعيش داخله، ومن خلاله نستطيع أن توظف كل قدراتها، تراكمت هذه الفجوة، عندما سقطت هذه المجتمعات في مشكلة التعليم، الذي لا يحمل بنية متماسكة، فبنية التعليم في المجتمعات العربية بنية متناقضة، والعملية التعليمية ليست سوى ديكور، يمارسه الجميع دون استفادة، فالصدام مع مفاهيم في الحقيقة هي ليست مرحبًا بها، في فلسفة هذه المجتمعات، مثل المواطنة؛ فالطفل يقرأ عن التعددية، وحرية الرأي، وحرية الاعتقاد، ولكن في المسجد، وفي الحي، وفي الشارع، يسمع عن العداء المستمر بين الأديان، ويكرس البعض في عقله أن الصراع حتمي، مع كل الأشياء، التي لم يكتشفها بعد بإرادته، فالتعليم العربي أخذ كل شيء من الإنسان، وترك له أداة الحفظ فقط، كما أن الكثيرين، يحاولون الفصل بين الهوية والمكانة، والمكونات الثقافية والتراثية، كلٌ بمكون منفصل عن الآخر، فما هي مشكلة الانتماء الوطني عن الانتماء الديني؟ ولماذا يتوجب على البعض أن يفصل بينهما؟ هذه الفجوة التي يعيشها المجتمع بالضرورة، لن تخدم البناء المعرفي له، حتى أنها تحمل معرفة غير منقحة في الأساس، وكأي مجتمع يريد أن ينهض، عليه أن يبني معرفته بطريقة متماسكة، ومتناسقة مع بعضها البعض، كأن تبدأ المعرفة، وبناء فلسفة المجتمع من البيت، ثم إلى المدرسة، وإلى القانون، الذي هو السقف الأعلى، دون أن يكون هنالك مؤثرات خارجية، تضفي على هذه المعرفة شوائب، تجعل منها جدارًا، لا يمكن أن يكتمل.

الانسلاخ عن التاريخ

إن دراسة التاريخ، والارتباط به، عملية تنقيب في التراكم العميق للهوية الحضارية والثقافية؛ لتحديد موقعنا في الحاضر، وتحديد أهداف المستقبل، وتصويب مساراتنا في ضوء أهداف رسالتنا، وهويتنا العميقة، وذاتنا الحضارية المتجددة، إن أحد أسباب حالة التيه، والتخلف، والتأخر، بل وأهمها التي تعاني منها المجتمعات العربية؛ ما هي إلا نتاج لعملية الانسلاخ عن الماضي، وعن الانفصال عن تراكمات التاريخ، التي أوصلتنا إلى يومنا هذا، وقد أدرك المفكر الجزائري الكبير «مالك بن نبي» هذه العلاقة بين التاريخ والواقع فقال: «إن نظرتنا إلى التاريخ، لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب، بل إلى نتائج تطبيقية، تتصل بسلوكنا في الحياة، فهي تحدد موقفنا أمام الأحداث؛ وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها».

لا يمكن النظر إلى الأيديولوجية على أنها صانعة للتاريخ، بل مفسرة له، ومتماشية مع طبيعة ظروفه، وتنصف المرحلة التي توضع بها، لم تعد الأيديولوجية تحتل هذه المكانة، في العقل الغربي، وصارت تسمى «مرحلة نهاية الأيديولوجية»، ولعل أبرز أنصار نهاية الأيديولوجية هم: «سيمور مارتن ليبست» صاحب كتاب «السياسي» «Political Man»، و«دانيال بيل» صاحب كتاب «نهاية الأيديولوجية عن استنزاف الأفكار السياسية في الخمسينيات» «The End of Ideology On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties»، بالنسبة لـ«ليبست»، فإن مجتمعات ما بعد الحرب في الغرب، قضت على الحاجة الوظيفية للأيديولوجية؛ لأنها حلّت المشاكل السياسية الأساسية، للثورة الصناعية، التي أفضت لهذه الأيديولوجيات أساسًا.

وقد أشار «دانيال بيل» إلى أن «هناك إجماعًا شديدًا، بين المثقفين في الغرب، حول عدد من القضايا السياسية، وهي: القبول بدولة الرفاه، الرغبة في السلطة اللا مركزية، نظام اقتصادي مختلط، وتعددية سياسية، وبهذا الشكل فإن عصر الأيديولوجيات قد انتهى»، حتى إن «رالف دارندوف» وجد أن المجتمعات التي كانت رأسمالية في ما مضى قد أصبحت «مجتمعات ما بعد الرأسمالية» حاليًا .

إلا أن المجتمعات العربية، لا زالت ترى في الأيديولوجية أملًا في التخلص من المشكلات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وتفسر كل فئة اجتماعية سياسية طبيعة المجتمع، بناءً على الأيديولوجية الخاصة بها، أي أن هذا المجتمع في طبيعته، ليس متماشيًا مع سياقه التاريخي.

الماركسية جاءت إلى مجتمعات ما بعد الاستعمار، وطالبت بإزاحة الأنظمة الرجعية العربية، والإسلاميون ساقوا التاريخ الإسلامي وفقًا لمتطلبات المرحلة، وخلقوا برنامجًا سياسيًا يوتيوبيًا، ليس موجودًا في عالم البشر، وطالبوا هم أيضًا بإزاحة الأنظمة التابعة للغرب، والتي لا تطبق الشريعة، والعلمانيون العرب تمسكوا ببقائهم محافظين على إدارة كل ثقافات المجتمع، ولم يسر أحدهم باتجاه الحوار، الذي يفضي إلى اتفاق وطني، على التخلص من عقدة القومية، والأيديولوجية، والهيمنة على الآخر، اكتفوا بالتعلق على شماعة الاستعمار، والمؤامرة، ووظفوا كل قدراتهم في ترسيخ مفهوم العبودية، ورفض التاريخ، ورفض التجديد، بل ومحاربته، ولم تعط أي فئة اجتماعية، هوية للنظام الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والثقافي في المجتمع، بل جلبوا من داخل الأيديولوجية، ما هو مناسب ليسمعه المواطن العربي، الذي يعلق هو الآخر آماله على الأيديولوجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد