هذا المقال لا يحتوي على أي حرق لأحداث المسلسل.

الحلقة الأولى من الموسم الخامس، الموسم الأخير، يجلس “والتر وايت” وحيدًا في مطعم، يقطع اللحم المقدد ويشكله على رقم 52. أتم “والتر وايت” 52 سنة اليوم. هذه هي طريقة المسلسل في إخبارنا أنه قد مرت سنتين منذ أول حلقة من الموسم الأول. يفرغ “والتر” من طعامه ويتجه للسيارة التي اشتراها للتو، يفتح الشنطة الخلفية لنجد فيها رشاش كبير الحجم. يغلق “والتر” الشنطة لتبدأ الرحلة الأخيرة في المسلسل.

في أحد المقابلات، تكلم “فينس جيليجان” صانع المسلسل عن أنهم عند تصويرهم للمشهد السابق، لم يكونوا يعرفون ماذا سيفعل والتر بالتحديد بالرشاش. “كنّا مغرورين للغاية، كنّا على ثقة من قدرتنا على أن نجد حلاً لما وضعنا أنفسنا فيه”. تبدو هذه الثقة منفرة، لكن هل لها ما يبررها؟

يختلف بريكنج باد عن باقي المسلسلات في عدة عناصر. هنا، لا يتمحور العالم حول البطل بالذات. في مسلسلات أخرى معروفة مثل House وHosue of Cards كمثالين، يبدو أبطال المسلسلين كأنصاف آلهة، قادرين على التلاعب بكل من حولهم في سبيل الوصول لما يريدونه. تقدم لنا الشخصيات في المسلسلين السابقين بشكل جاهز، نتعرف على “جريجوري هاوس” كطبيب عبقري كاره للبشر. “فرانك أندروود” سياسي لا يتورع عن فعل أي شيء في سبيل الوصول للسلطة، والمزيد من السلطة، لا نعرف كيف وصلوا إلى تلك النقطة.

 

في إحدى حلقات House، نتعرف على صديقته القديمة، يسألها أحدهم: كيف كان هاوس؟ تخبرهم بابتسامة: كان كذلك دومًا. نعرف القليل عن ماضي جريجوري هاوس وفرانك أندروود، لكن مشاهدة تطور الشخصية أمامنا تجربة أخرى تمامًا يقدمها Breaking Bad بشكل شديد الروعة. على العكس من هاتين الشخصيتين يُقدم لنا “والتر وايت” منذ البداية كعالم عبقري انتهى به الأمر إلى تدريس مادة الكيمياء في مدرسة ثانوية، يعمل “والتر” أيضًا في دار تنظيف سيارات.

تبدو القصة عادية تمامًا حتّى نعلم مع والتر أنه مصاب بسرطان للرئة غير قابل للعلاج. أمام والتر سنتين فقط ليعيشهما. هنا مسلسل يخبرك أن بطله لديه تاريخ صلاحية.

 

تنقسم المسلسلات بشكل عام إلى ثلاثة أنواع: الـ episodic، الـ seralized، والـ anthologies. النوع الثالث يحمل بعض خصائص النوع الثاني والأول ولا يعنينا كثيرًا هنا. النوع الأول هو النوع الذي تنتمي إليه معظم المسلسلات الكوميدية، مثل How I Met Your Mother، ومسلسلات الألغاز الطبية أو البوليسية، مثل House أو .C.S.I، وكل حلقة قائمة بذاتها تقريبًا، ولا صلة بينها وبين الحلقة السابقة. هناك بالطبع خط درامي يربط كل حلقات المسلسل، لكنه واهٍ للغاية، ولا يظهر في كل الأحداث، من الممكن تبديل حلقة مكان أخرى في حالات كثيرة بدون أن يحدث ذلك أي قدر من عدم الاتساق.

 

النوع الثاني هو الذي ينتمي له Breaking Bad: خط درامي واضح، أحداث متتالية وصرامة فيما يتعلق بعدد الحلقات وطريقة الحكي. هنا تظهر فائدة تاريخ الصلاحية. يتكلم “فينس جيليجان” عن رغبته في صناعة مسلسل له بداية ووسط ونهاية. تعاقد هيو لاوري، بطل المسلسل، في نهاية الموسم السادس من House على موسمين آخرين. كان من الممكن أن ينتهي المسلسل بشكل جميل للغاية عند الموسم السابع، إلا أن التعاقد وطبيعة المسلسلات الـ episodic التي تسمح بحلب البقرة حتّى آخر قطرة، حتمت إنتاج موسم ثامن ليخرج أسوأ مواسم المسلسل على الإطلاق.

لا يختلف الأمر في حالة مسلسلات مثل How I Met Your Mother الذي يجمع معظم من شاهدوه على مدى سوء الموسم الأخير بالذات. بشكل عام، تبدو المسلسلات الـ episodic مدفوعة، مواسمها الأخيرة بالذات، بتحقيق أكبر قدر من الربح. تختفي الروح الإبداعية التي أنجحت مثل هذه المسلسلات تحت ضغط الرغبة في الإنتاج؛ وبالتالي يصبح الإنتاج هدفًا في ذاته على حساب المستوى الفني.

 

يظلم هذا النوع من المسلسلات نفسه، إلا أنه، لظروف النوع الذي ينتمي إليه، لا يقدر على ألا يقاوم إغراء موسم أخير من أجل مزيد من الربح، مقابل جودة المسلسل نفسه. يخضع صناع مسلسل Breaking Bad أنفسهم للشرط الصارم: هذا مسلسل له بداية ونهاية، من الحلقة الأولى نعلم أن بطل المسلسل ليس أمامه كثير من الوقت.

 

في رواية فيروينكا تقرر أن تموت، يخبر الطبيب فيرونيكا، التي حاولت الانتحار وفشلت، أن كمية الحبوب التي تناولتها لم تكن كافية لقتلها في الحال، ولكنها أمامها الآن أسبوع واحد قبل أن تموت. نعرف جميعًا أننا سنموت، يصف هيدجر الوجود الإنساني بأنه وجود نحو الموت. بمعنى أن الإنسان يتحرك إلى المستقبل المنتهي بموته. نعرف جميعنا ذلك، لكننا لا نتصرف على هذا الأساس، ليس بالقدر الكافي على الأقل. المواجهة المفاجئة بحقيقة أننا سنموت يوم كذا لها وقع مختلف، في كلتا الحالتين، حالة والتر وفيرونيكا، كان أثرها محررًا لهما.

 

يقرر والتر، تحت ضغط الموت، مساعدة أسرته بأي شكل. تبدأ القصة من هنا. لا يتكلم بريكنج باد عن تجارة المخدرات، يتكلم بالتحديد عن الكيفية التي ينحدر بها الشخص. في نهاية المسلسل، من الممكن أن نلاحظ أن كل من هم حول “والتر وايت” قد أصبحوا بشكل ما أشد سوءًا، حتّى داخل أسرته.

“الرجل الذي أفسد هايدلبرج” هو عنوان قصة لمارك توين عن رجل واحد ينجح في إفساد بلدة بكاملها يتباهى أهلها بنزاهتهم وأخلاقهم العالية. يبدو الأمر مشابهًا في حالة بريكنج باد، ومن هنا تأتي جاذبية المسلسل، ليس في قصة إفساد والتر للمحيطين به، ولكن في متابعة كيف يتحول مدرس الكيمياء المعروف بـ “والتر وايت” إلى “هايزنبرج” إمبراطور تجارة المخدرات.
هذا التطور الذي قد يصيب البعض بالملل نظرًا لبطء سير الأحداث في المواسم الثلاثة الأولى من المسلسل، قبل أن تلهث الأحداث بتداعٍ منطقي للغاية، تظهر عبقريته بعد الانتهاء من مشاهدة المسلسل، تبدو كل تفاصيل المسلسل مبررة تمامًا قرب النهاية. لا تُترك تفصيلة واحدة تقريبًا بدون استخدام.

 

“لو أن هناك بندقية معلقة على الحائط في الفصل الأول من أحد المسرحيات، من المحتم عليك أن تستخدم في الفصل الثالث”، يعرف هذا المبدأ في الكتابة الدرامية بـ Chekhov’s Gun. يصر هذا المبدأ أن يتم استعمال كل التفاصيل المقدمة في العمل الدرامي. يلتزم المسلسل بهذه القاعدة بشدة.

 

ربما يلعب “فينس جيليجان” بالخفة المميزة له في الحلقة الأولى من الموسم الخامس بهذا المبدأ، حيث قدم لنا بالفعل رشاش/مسدس في الحلقة الأولى بما معناه أنه سيتم استخدامه في أحداث الموسم. ليست هذه هي الحالة الوحيدة. المثال الأشهر لهذه القاعدة موجود بداخل المسلسل نفسه، لن أحرقها بالطبع. ينتصر المسلسل هنا لمبدأ الكتابة “العضوية”، التي تخدم تفاصيلها بعضها البعض.

منذ الموسم الأول، يسير المسلسل ككل ناحية النهايات الطبيعية لما قدمه، لا وجود لحلول فضائية أو من خارج التفاصيل المقدمة لنا منذ البداية أمام أعيننا. هنا أكبر عناصر إبهار المسلسل: كل التفاصيل أمام عينيك، إلا أن صناع المسلسل ما زالوا قادرين على إبهارك.

 

في معظم الأحيان، يلجأ صناع المسلسلات والأفلام إلى حلول من خارج السياق من أجل تحقيق الإبهار وعنصر المفاجأة، لا عيب في ذلك، إلا أنه، وبالمقارنة بمسألة “استخدام ما هو أمام المشاهد دومًا بشكل لا يتوقعه نهائيًّا” يبدو ذلك النوع من الكتابة كسولاً للغاية وفقيرًا من الناحية الإبداعية برغم أنه يعتمد أصلاً مسألة التفكير خارج الصندوق من أجل إيجاد حلول.

 

ينتصر Breaking Bad لمبدأ التفكير بداخل الصندوق بشكل جديد: سنقدم للجمهور محتويات الصندوق كما هي، ثم نستخدمها بشكل لم يخطر على بالهم نهائيًّا. تنتصر هذه الطريقة لأعلى درجات الإبداع، المعتمد تحديدًا على البساطة الشديدة كأهم عناصر الحل الابداعي، لا تشعر أنك قد خدعت قط عند مشاهدتك لـ Breaking Bad، ما تشاهده سوف يثير فيك دائمًا إحساسًا بالجمال.

لفترة طويلة للغاية، كانت شخصيات المسلسلات والأفلام تقدم تحت ثنائية الخير/الشر بطريقة لا علاقة لها بالواقع. إذا أراد صناع الفيلم جعلك تكره أحد الشخصيات سيقدمونه بشكل كريه بلا أي مبرر. لن يتورع عن قتل قط بدون داعٍ إلا تحقيق حالة الكراهية في نفس المشاهدين. هنا، لا وجود لأشرار أو طيبين، جميع أبطال المسلسل يقبعون بالتحديد حيث نقبع كلنا معظم الوقت: في المنطقة الرمادية بين الخير والشر.

 

هم مثلنا تمامًا قد يرتكبون شرًّا ما، إلا أنه مبرر تمامًا بالنسبة لهم ولنا. “والتر وايت” سيتجه لتجارة المخدرات من أجل عائلته، هل يمكن حقًّا أن نلومه؟ في ظل عجزه عن تغطية تكاليف العلاج الطبي لمرضه، ورغبته في أن يؤمن مستقبل ابنه المصاب بالـ cerebral palsy بشكل يجعل حركته وممارسة أمور الحياة الطبيعية أمرًا شديد الصعوبة بالنسبة له.

تظهر هنا أحد أهم مميزات مسألة تطور الشخصيات أمام أعيننا، بعيدًا عن الغرض الجمالي لهذه الفكرة، بإمكاننا أن نفهم أسباب أفعالهم، ومن أين انبعثت مبررات سلوكهم بهذا الشكل. لن تنهي Breaking Bad وقد حسمت سؤال: من هو الوغد هنا؟ يتجاوز Breaking Bad هذا السؤال تمامًا، يبتعد عن إصدار الأحكام، ويترك هذا لتقدير المشاهد نفسه.

 

في النهاية، يبدو Breaking Bad كمسلسل مصرًا على الالتزام بالواقعية الشديدة، في حدود كونه عمل فني بالأساس. تبدو كل العناصر التي جعلت من Breaking Bad أحد أعظم المسلسلات في التاريخ (يصنفه الكثيرون بالفعل كأعظم مسلسل درامي في تاريخ التليفزيون) مرتبطة بمسألة كونه شديد الواقعية: لامركزية البطل، تطور الشخصيات لمناطق رمادية يتعذر فيها إصدار الأحكام الأخلاقية.

 

يبقى Breaking Bad في النهاية عملاً فنيًّا، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على الواقع وحده ليستقي مادته. الميث الأزرق، المنتج المميز لـ”هايزنبرج”، لا وجود له في الواقع، إلا أن هذا لم يمنع بعض التجار المحليين من إضافة صبغة زرقاء إلى الكريستال “ميث” من أجل استغلال سمعة المسلسل لأغراض تسويقية.

 

ليس الخيال فحسب هو ما ساهم في جعل المسلسل ما هو عليه، يظهر كذلك دور الصدفة واضحًا في صناعة المسلسل. أحد أهم خطوط المسلسل: جيسي بينكمان، كان من المفترض أن يقتل في الحلقة التاسعة من الموسم الأول. بسبب إضراب الكتاب، توقف الموسم الأول عند الحلقة السابعة مما منح صناع المسلسل فرصة لإعادة التفكير في الخط الدرامي لـ “جيسي”، استمر هذا الخط حتّى الحلقة الأخيرة من المسلسل بالفعل، ويعتبر من أقوى الخطوط الدرامية في المسلسل.

 

“جيسي بينكمان” هو الشخصية المفضلة في المسلسل لكثير من متابعيه. ليس هذا فحسب، يعرف معظم الناس براين كرانستون كالأب الكوميدي في مسلسل Malcolm in the Middle، الانطباع العام عن “براين” أنه ممثل كوميدي، لولا حلقة في مسلسل The X-Files أدى فيها “براين” شخصية درامية، تصادف أن كاتب هذه الحلقة هو “فينس جيليجان” نفسه، ومن هنا جاء ترشيح “براين كرانستون” للدور. وعلى أي حال، وبشكل شخصي، لا يكفي الواقع وحده بالفعل لإخراج مسلسل بهذا الجمال.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد