عندما اكتشف والتر وايت، مدرس الكيمياء في إحدى المدارس الثانوية الصغيرة، والزوج الرقيق المخلص، خبر إصابته بسرطان الرئة من المرحلة الثالثة، حاول أن يتمالك نفسه أمام الطبيب، وهو يبلغه بلهجة تقريرية أنه لم يعد لديه إلا بضعة أشهر على هذه الأرض.

كان والتر معلمًا كيمياء في مدرسة ثانوية صغيرة، يتحمل سخافات طلابه صباحًا ويجهد نفسه بالعمل في محطة وقود بعد الظهر لاكتساب بعض الأموال الأضافية، أما في المساء فيرضخ لمطالب زوجته سكايلر وثرثرتها التي لا تنتهي حول الفواتير التي يجب دفعها ومصاريف تعليم ابنهما التي يجب توفيرها. شيء ما يجب أن تعرفه عن سكايلر، سكايلر لديها قدرة فريدة على تحويل والتر لبطل في العدو عن طريق مطاردته كالكلاب المفترسة.

«من الواضح أنك لا تعرفين مع من تتحدثين إليه، لذا دعيني أعرفك. أنا لست في خطر يا سكايلر. أنا الخطر. رجل يفتح بابه ويُطلق عليه الرصاص، وهل تعتقد أنه أنا؟ لا! أنا الشخص الذي يقرع الباب ليطلق الرصاص»!

إذًا هذا هو والتر دابليو وايت، يستيقظ باكرًا في نهار يوم صاف ليتناول الإفطار مع أسرته الصغيرة ويحتفل بعيد ميلاده الخمسين بوجبة نباتية تقول سكايلر أنها مفيدة أكثر لصحته. وفى المساء يستقبل زيارة أسرية من نسيبه هانك الذي يعمل بإدارة مكافحة المخدرات وزوجته ماري – أخت سكايلر – ويضطر أن يتحمل سخافات قائد الشرطة العظيم هانك، وهو يحكي عن المجرمين وتجار المخدرات الكبار الذي نجح في الإيقاع بهم، جاذبًا أطراف الحديث من والتر الذي لا يملك أي شيء مثير للاهتمام من الممكن أن يقوله.

السرطان الرئوي كائن لئيم حقًا، فمن بين كل المدخنين كالقطارات القديمة، اختار والتر وايت، مدرس الكيمياء المستقيم الذي لم يدخن لفافة تبغ في حياته. عندما أخبره طبيبه بذلك شعر بالخداع. كيف للحياة أن تصبح ظالمة إلى تلك الدرجة. نستيقظ مبكرًا ونذهب إلى عملنا ونتحمل سخافات آلة البيروقراطية العملاقة، ندفع الأقساط في موعدها، ولا نبدل القناة أثناء الفاصل الإعلاني، ثم يدخل السرطان أجسامنا بدون استئذان، يا للوقاحة!

عندما اختار والتر عدم العلاج، كانت سكايلر هناك دائمًا لتفسد كل شيء. فسرت سكايلر رفض والتر للعلاج على أنه جبن وتخلي عن العائلة، لكن في الحقيقة كانت تلك هي لحظة الاختيار الوحيدة التي عرضت علي والتر. لقد اختارت الحياة لولتر كل شيء فلم يتبق لديه سوى الموت ليصبح ورقة مقامرته الوحيدة ضد حياة لم يختارها.

«ولكن ما هو الخير في البقاء على قيد الحياة إذا كنت مريضًا جدًا للعمل، فلا أستطيع حتى الاستمتاع بوجبة، لممارسة الحب؟ أريد أن أعيش في منزلي، إلى أن أقضي نحبي. أريد أن أنام في سريري. لا أريد أن أبتلع 30 أو 40 قرصًا كل يوم، أفقد شعري، وأستلقي متعبًا جدًا ولا أستطيع القيام وغثيانًا لدرجة أنني لا أستطيع حتى تحريك رأسي. وانتي تنظفي بعدي؟ لا أريدك أن تتذكريني هكذا».

عندما أدرك والتر أنه حتى مع العلاج لن يتبقى له إلا شهور معدودة قرر الانسلال من آلة الجرامفون التي لعبت اللحن الخطأ طيلة حياته.

لعلك تتذكر قصة دون كيخوتة الذي قرر أن يهرب من حياته الرتيبة، فارتدي درعه المضحك، وامتطى حصانه الهزيل وذهب في رحلة غير مضمونة العواقب لاكتشاف الفارس في داخله. أو جورج بولينج بطل قصة قليلًا من الهواء النقي لـجورج أورويل عندما هجر حياته الرتيبة وذهب لمطاردة ذكريات طفولته في القرية التي ولد فيها.. فعل والتر نفس الشيء – مع قليلًا من الأختلاف – فقد قرر أن يصبح إمبراطور صناعة مخدر الميثامفيتامين في العالم!

ولتر وايت: «لقد قضيت حياتي كلها خائف. خائف من الأشياء التي يمكن أن تحدث؛ قد تحدث؛ أو قد لا تحدث. 50 سنة قضيتها هكذا. أجد نفسي مستيقظًا في الثالثة صباحًا. ولكن هل تعلم؟ منذ تشخيص حالتي بالسرطان، أنام على ما يرام. أدركت أن الخوف هو الأسوأ، هذا هو العدو الحقيقي. لذا انهض، اخرج في العالم الحقيقي، واركل ذلك الوغد بأقصى ما تستطيع».

«الطريق إلى الجحيم محفوف بالنوايا الطيبة».

كانت الخطة أن يتولى والتر أمور صناعة المخدر ويترك لتلميذه السابق وشريكه الحالي جيسى أمور التوزيع. كان والتر يطمح في الحصول علي قدر من الأموال، من خلال عملية أو عمليتين على الأكثر، ليكمل علاجه ويترك بعضًا منه لأسرته، لكن الحياة لا تسير بهذه السهولة.

واجه والتر اختباره الأخلاقي الأول منذ أن تحول إلى عالم الجريمة، عندما أضطر إلى سجن أحد أصدقاء جيسى – عن طريق تقييد رقبته في عمود – بعد أن تعقبهما، وحاول قتلهما ليسرق ما بحوذتهما من مخدر الميثامفيتامين. كانت النية مبيتة لدى والتر بضرورة قتله لكريزي إيت، لكن والتر لم يكن يمتلك الجرأة الكافية لفعلها. فهو في النهاية معلم الكيمياء ذو الخلق الدمث، رب الأسرة الصغيرة التي كان تنتظر قدوم طفلة مولودة جديدة.

قاوم والتر فكرة قتله لكريزي إيت بضراوة، واستعطفه لإعطائه سببًا ليبقي على حياته. وعندها تبادلوا أطراف الحديث ليكتشف والتر أنه يعرف والده كريزي إيت عن طريق المصادفة، فقد كان يملك مستودعًا لبيع الأثاث المنزلي واشترى منه والتر سريراَ لابنه منذ أكثر من 15 عامًا!

كانت هذه الإشارة الأخيرة لولتر أن يطلق سراحه، خاصًا بعد أن تعهد له كريزي ايت أن ينسى الأمر برمته كأنه لم يحدث. لكن شيء ما جعله يعدل عن فكرته ويضطر إلى خنق كريزي ايت حتى الموت. فقد اكتشف أنه يخبئ قطعة من الزجاج أخذها من الطبق الذي كان يقدم فيه والتر الطعام له.

كانت هذه لحظة اكتشاف ولتر أنه وضع قدمه في بداية طريق ملطخ بالدم، وأنه يجب أن لا يقبل بأنصاف الحلول للحفاظ على سلامة أسرته من تأثيرات حياته الأخرى التي لا يعرفون عنها أي شيء.

هايزنبرج العظيم

ولتر وايت: «جيسي، سألتني إذا كنت مهتمًا بصناعة الميثامفيتامين، أم مهتم بجني المال… لا هذا ولا ذاك، أنا مهتم بعمل إمبراطورية».

اختار ولتر لنفسه أسمًا حركيًا ليستخدمه في تعاملاته في عالم المخدرات، ولم يكن غريبًا أن يختار اسم الفيزيائي الألماني فيرنر هايزنبرج؛ لأن ولتر نفسه عالم كيميائي رفيع المستوى، ساهم مع اثنين من شركائه في تأسيس شركة مختصة بالأبحاث الحيوية تقدر بالملايين الآن، إلا أنه انسحب منها إثر خلاف معهم مضحيًا بنصيبه، ومفضلًا الانزواء نحو حياة آمنة يعمل بها معلمًا للكيمياء في مدرسة ثانوية صغيرة، مقابل راتب شهري ضئيل.

تحالف ولتر في البداية مع موزع مخدرات غريب الأطوار يدعى توكو. توكو كان مجرم من الطراز التقليدي، مدمن وعدواني ولا يتورع عن ضرب أعوانه حتى الموت؛ لأنهم لا ينفذون أمر بالطريقة التي يريدها.

أدرك ولتر أنه بحاجة إلى موزع مخدرات أكثر احترافًا، فتحالف مع رجل الأعمال جاس فرينج صاحب سلسلة مطاعم الدجاج المقلي والذي يأخذ من سلسلة المطاعم هذه ستار لتجارة الميثامفيتامين. شخصية جاس فرينج كانت شبيهة كثيرًا بشخصية ولتر، فالاثنين كانوا أرباب أسرة، يتخفون في العلن وراء حياة رتيبة، بينما في السر يعيشون حياة أكثر إثارة بقليل، لكن علاقتهما لم تكن علاقة ندية كشركاء، بل كانت علاقة موظف برب عمله. لكن سرعان ما دب الخلاف بين ولتر وجاس. فحاول الأخير أن يستميل جيسي شريك والتر لصفه بعد أن تبين له أن واتر قنبلة موقوتة تستعد أن تنفجر في أية لحظة، إذا لم يحصل على ما يعتقد أنه يستحقه.

جاس فرينج: «إذا حاولت التدخل، يصبح هذا الأمر أبسط بكثير. سأقتل زوجتك. سأقتل ابنك. سأقتل ابنتك الرضيعة».

لكن هايزنبرج العظيم لا يقبل بأنصاف الحلول وحتى في أقصى مواقفه صعوبة، يمتلك من الذكاء وحسن التقدير ما يستطيع أن يتغلب به على جاس فرينج بكل ما بحوزته من رجال وإمبراطورية واسعة.

استطاع ولتر أن يتخلص من جاس بعد أن أقنعه أن أحد شركائه السابقين والذي كانت تربطهما علاقة مشتركة مع عصابة الكارتيل المكسيكية قد ذهب إلى شرطة مكافحة المخدرات وقام بالإبلاغ عنه. ردًا على ذلك ذهب جاس لدار العجزة الذي يقيم به شريكه السابق ليقتله بنفسه، فيفاجأ بأن ولتر قد زرع قنبلة في كرسي شريكه المتحرك، ويتخلص منه للأبد.

مايك أحد أعوان جاس: «لقد كان لدينا شيء جيد، أيها الغبي الصفيق! كان لدينا جاس، وكان لدينا مختبر، وكان لدينا كل ما نحتاجه، وكان كل شيء يعمل كالساعة! كان بإمكانك أن تغلق فمك، وتطبخ، وتجني الكثير من المال الذي تحتاجه! لكن لا! كان عليك فقط إفساد كل شيء! أنت وغرورك! عليك فقط أن تكون الرجل الأوحد»!

لماذا فعلها ولتر وايت

مع تسارع الأحداث، والغرق أكثر في كل هذه الفوضى العارمة. نكاد ننسى لماذا تحول ولتر وايت معلم الكيمياء ذو الشارب الودود إلى هايزنبرج العظيم الذي تخاف عصابات الكارتل المكسيكية من مجرد ذكر اسمه.

لربما تعتقد إنه قد شعر بالخداع الذي مارسته عليه الحياة بالإضافة إلى السرطان الذي فاجأه على حين بغتة. لكن إذا كان دافعه هو تأمين أموال علاجه، فلربما كان عليه أن يقبل ببساطة ما عرضه عليه شريكيه السابقين في الشركة التي وضع أساسها من دعم سخي. أما لو كان دافعه أن يترك بعض الأموال لأسرته ومولودته الجديدة، فلربما كان من الأفضل له أن يعتزل تجارة المخدرات، خاصة أنه قد كان جنى بالفعل ملايين الدولارات التي لا تكفي حياة واحدة لإنفاقها.

لكن ولتر وايت فعلها لمجرد إثبات أنه يستطيع. عندما أدرك أن حياته معرضة للانتهاء بعد أن عاشها بأكملها كرجل خائف، قرر أن ينطلق من عقاله دون حساب العواقب؛ لأنه في كل الأحوال رجل ميت.

«نادني بأسمي، هايزنبرج» عندما ينطق ولتر بهذه العبارة لأحد افراد عصابة الكارتل، يذاب الخط الفاصل للأبد بين مدرس الكيمياء والتر دبليو وايت وإمبراطور الميث، هايزنبرج العظيم.

في يوم صاف

قم وانظر حولك

وسترى من أنت

في يوم صاف.. كيف سيدهشك

أن يتوهج كيانك، أكثر من أي نجم

أغنية في في يوم صافي لفريق The Peddlers 1968

ولتر وايت: «فعلتها من أجلي. أعجبني ذلك. كنت جيدًا في ذلك. وكنت حقًا… كنت على قيد الحياة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد