المعارضة لدينا ينطبق عليها ما ينطبق على القادة أنفسهم، وعلى الأبطال بكافة مستوياتهم. نشجعهم، وندعمهم، ونقدم لهم كل الأسباب الموجبة لفرض سيطرتهم، وما أن يخرج أحدهم بخطبة عصماء ذات بعد عاطفي بحت، تغيب العقل وتلقيه على الهامش، تسير الجموع خلفهم، دون أدنى تفكير.

مثلا، أن تخطب خطابًا عاطفيًّا اتهاميًّا لنظام أو للشعب، ما يحتم عليك أن تجر خلفك الجموع التي سحرتها بلاغة الكلمات، مع أنك لا تملك مشروعًا وحلا لم تعترض عليه.

مثلا: أن تسجن، نتيجة حقيقية موجعة تقول إن غوغائيتك في ما تراه أنت معارضة، يرتب عليك عقليًا ومجتمعيًا أن تصير قائدًا عظيمًا يشار له بالبنان، مع أن الجهل هو سيدك ومسيرك، لا يترتب وأبدًا لا يمنحك «لافتة» مكتوب عليها «معتقل سابق في سجون النظام» لتفرض على الناس احترامك.

قلة منا، من يطرح السؤال الحقيقي على نفسه، بحيث يطلق لها العنان، كيف سيطر هؤلاء على العقول، مع أن أساليبهم عاطفية، وكيف بات هؤلاء قدوة لنا،  وهم أنفسهم غير مقتنعين بما يقولون.

قلة منا يكسر القيد النفسي الذي كبل به نفسه، ليطلق تجربته الذاتية، تجربة تنطلق من عقل الإنسان ونفسه، تجربة لا تنسخ عقل الآخرين وأنفسهم.

بل تستفيد منها ومن أخطائها، تجربة تشيد أنموذجًا خاصًا بها، يجمع العقل مع القلب، يوحد القول والفعل. حتى وإن تطلب الأمر تحطيم بل وتكسير التابوهات المحرمة وأصنامها.

والوقوف بوجه الاستبداد والظلم وأزلامه. ما دام الغاية الأسمى تنطلق من تحرير العقل لتصل إلى تحرير الإنسان من القيود التي حدت من مقدرته، ومنعته عن قول الحقيقية المجردة السليمة دون إضافات أو رتوش.

أخيرًا: قديمًا كان الأباطرة الصينيون والفراعنة، يتخذون من الظرفاء، والمهرجين، بل والمغفلين في المحاكم، مستشارين لهم، فهم سواعدهم الإستراتيجية، وألسنتهم المبرية، التي تقول الحق والصدق بمنتهى الشفافية لعلاج المشاكل المستجدة، دون خوف أو وجل من نظرة الناس إليهم، الحكمة تخرج من أفواههم، مباشرة، دون اكتراث لنظرة مجتمع منافق، أو أذرع مستفيدة من وضع قائم، هذا الأسلوب سمى الأشياء بأسمائها، وأطلق العنان لإصلاح حقيقي.

فهل نحن في الدولة الأردنية بحاجة إلى ظرفاء، ومهرجين يقولون الحقيقية دون خوف، أمام سلاطين الظلم، بحيث يأخذ هؤلاء بأقوالهم على محمل الجد، ويحولوها إلى حقائق وأفعال.

لكم يحتاج دولة هاني الملقي الآن اكثر من أي وقت مضى إلى الظرفاء والمغفلين، وما ينطبق على الأردن بالضرورة ينطبق على غالبية دولنا العربية، لكن مصيبة إن كان المسؤولون أنفسهم ظرفاء ومهرجين، أنى لهم إيجاد مستشارين يصدقونهم القول!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد