قمة السخط النفسي والامتعاض الذاتي والبُغْض الفكري والنقمة الموجهة للروح أن تكون أنت لست أنت. أن تضطر لمواجهة حقيقة شنعاء مفادها أن عليك التصرف تبعًا لما تهوى أنفسهم، فيُرسَل لك فريق استكبروا وطغوا وضلوا وعموا وصموا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت فلم يجدوا متنفسًا يخرجون به سخطهم وكَمَدَهم إلا روحك التي ملت النقمة أصلًا، وتشربت من حقد أناسٍ عرفوا الله، ولجأوا لغيره، ورأوا ما عنده، ولم يعجبهم إلا ما عند غيره.

تراك منهمك الرؤى والتساؤل عما اذا كانوا يعلمون بامتعاضك وبُغضك لأفعالهم التي أماتت قلبك وخذلت رؤاك وكسرت روحك، لكنك لا تملك الإجابة حتى عن تلك التساؤلات لفهمك الأكبر أنك ستكون أول من يُلجَأ إليه وقت شدتهم وامتحانهم، وأنك الشخص الأنيق المظهر والداخل الحسن السيرة والسلوك المعين على نوائب الدهر، والمتغاضي عن شنيع أعمالهم.

ثم ما تلبث أن تصبح نيرانًا تلظى من سوء ما فعلوا، وفُحش تماديهم المتغطرس العجاف الذي أدماك، وغيّر ملامح الجـمال المكتنز بداخلك إلى دمارٍ يذهب بهجة النفس، ويُطفئ ما تبقى لديك من خلايا الدماغ الذي هو مشغول بما صنعوا، وماذا سيصنعون، وإلى أي حدٍ سينتهي بهم الأمر معك، وما إذا كان هناك حدٌ لمجزرة الخذلان التي تمر بها روحك الملقاة على عتبات الانتظار الخفي.

ثم تأبى نفسك إلا أن تُجلسك جلسة الانهيار المشبع بقوة داخلية، وتأبى روحك إلا أن تذيقك مر الصبر الناشئ من سيل دموعٍ ملت الانتظار على شُرفات العيون، وأبت إلا أن تلقنك درسًا بانهمارها على وجنتيك حافرة طرقًا قددًا لكي لا تنسى، ولا تغفر لمن كان يومًا سببًا في هطولها من فرط الوجع المدفون عبر السنين، أو لنقل عبر أيام كانت بصحبتهم سنين، سنين شقاء وكدر وهم وغم، إلا أننا وبكل سذاجتنا المعلنة امتنعنا عن التصديق والإيمان بأنهم لم يكونوا يومًا غذاء لأرواحنا، وملجأ راحة لقلوبنا، ولن يكونوا كذلك أبدًا.

وتتوالى الصدمات بأناس ظنناهم كالوريد وأقرب، ظنناهم كحبل الوتين الذي ما إن قطع حتى انقطعت الحياة عمن قطع عنه، ظنناهم ملح الـحـيـاة وسكر النجاح وفرح القـلـب وغذاء الروح وجنـة الدنيا ومبتغى النفس وغاية المسير. أُناس أجادوا الخذلان بأبهى صوره، وأتقنوا فنون الجرح العميق الذي يميت القـلـب بلا إحياء، ويأخذ بالنفس للهاوية دون رجوع.. أناس كانوا وللأسف ما زالوا جُل ما نريد من الـحـيـاة الدنيا. أناس عرفوا نقاط ضعف روحك واستغلوها أبشع استغلال مهلك مدم طاحن بروحك فتاك بها مخرب لها.

أتنتظر عودتهم ؟ أتنتظرهم لكي يلملموا شتات روحك؟ أنت بالطبع مكروه مجبور لفعل الانتظار الذي لا يسمن ولا يغني من وجع، لكن النفس الأمارة بالسوء تجبرك على التهيؤ العظيم لعودة من كانوا سببًا للشقاء النفسي والتعاسة الداخلية العميقة، والحزن المفجع المولود من أفعال تراكمت فشكلت جبالًا رواسي لا تميل ولا تميد.

خذلو الأرواح وكسروا التوقعات، اعتبرناهم غير، لمجرد خفقة قلب أحسسناها صادقة بادلونا بها لمرة واحدة فافترشنا لهم القلوب يرتعون فيها كيفما شاؤوا، ويقطفون منها فاكهة الحب الممتد عبقه أبدًا ما حيينا.

خذلونا وعلمونا معنى أن نقسو ونتصلب وأن نعمل عقلنا في الحب الذي لا يجوز أصلًا فيه إعمال العقل، بل يجب أن يكون حبًا قلبيًا خالصًا للمحبوب. علمونا معنى الانكسار بأعظم أدوات التعليم الحديثة والتلقين المميتة. خذلونا وأذابوا ما بنا من بقايا.

موجعون هم، لكنهم أكثر من أجاد تلقين الدروس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد