فيليبا داربري Philippa Darbre خريجة كلية العلوم قسم الكيمياء الحيوية جامعة بيرمنجهام مع مرتبة الشرف، وحاصلة على الدكتوراة في الكيمياء الحيوية من جامعة كامبريدج، بدأت دراسات ما بعد الدكتوراة في معهد الطب الجزيئي Molecular Medicine Institute بجامعة أكسفورد، ثم حصلت على زمالة Nuffield Medical Research من جامعة أكسفورد، ثم زمالة Junior Research من كلية سانت أوهيو. بعد ذلك انتقلت إلى مختبرات أبحاث السرطان الملكية (والمعروف حاليًا بمعهد أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة) حيث تولت منصب مدير معمل الغدد الصماء. حتى انتقلت في عام 1991 إلى جامعة ريدينج أستاذًا مُحاضِرًا.

ترتكز أبحاث فيليبا داربري حول تأثير الإستروجين والمواد المُحاكية للإستروجين على سرطان الثدي والمواد الكيميائية الموجودة في مستحضرات التجميل، والموجودة في البيئة وارتباطها بسرطان الثدي. وقد قدمت مجموعة كبيرة من المقالات العلمية والأبحاث حول البارابينات والتأثيرات البيئية المرتبطة بسرطان الثدي نُشِرت في مجلات علمية متخصصة مثل مجلة علم السموم التطبيقي، والمجلة الأوروبية للوقاية من السرطان، ومعهد أبحاث السرطان، ومجلة الكيمياء الحيوية غير العضوية، ومجلة الغدد الصماء، ومجلة Anticancer Research، بالإضافة لموسوعة الصحة البيئية.

هذا وتعمل فيليبا داربري بمنصب المستشار العلمي للجنة المفوضية الأوروبية للصحة والمخاطر البيئية، وعضو مجلس تحرير مجلة علم السموم التطبيقي ومجلة البيولوجيا الجزيئية للهرمونات والفحوصات السريرية، وراعية الجمعية الخيرية CancerActive كما أنها أيقونة معارضة استعمال البارابينات في مستحضرات التجميل، مما كان له رد فعل واسع الأصداء، وانهالت عليها الشركات بالإشاعات والنيل من شخصها، تمامًا كما حدث لراشيل كارسون من قبل.

الأبحاث المعارضة لأطروحات فيليبا داربري تقول إن البارابينات لها ما بين 10000 – 100000 مرة أقل من فعالية الإستراديول (وهو شكل من أشكال الإستروجين الطبيعي داخل الجسم)؛ وبالتالي فمن غير المعقول بيولوجيًا أن تعمل البارابينات على زيادة الإستروجين بما في ذلك التأثير على الجهاز التناسلي الذكري أو سرطان الثدي لدى الإناث. علاوةً على أن FDA قالت إن دراسة فيليبا داربري المنشورة في عام 2004 تركت العديد من الأسئلة دون طرح إجابات. فعلى سبيل المثال لم تظهر الدراسة أن البارابينات تسبب السرطان بشكلٍ قاطع أو أنها مضرة بأي شكل من الأشكال، كما لم توضح الدراسة هل تم العثور على البارابينات في الأنسجة المصابة بالسرطان فحسب؟! أو تواجدت كذلك في الأنسجة الطبيعية المحيطة بالورم؟ بالإضافة إلى أن الدراسة لم تقدم إيضاحًا علميًا لمستويات البارابينات المحتملة في الأنسجة الطبيعية.

لم تؤكد الدراسات وجود علاقة مباشرة بين البارابينات وحدوث السرطان، ومع ذلك فقد دلت الأبحاث على أن البارابينات تؤثر سلبًا على الخصوبة، وفي دراسة على الأسماك لوحظ أن البارابينات تسببت في تحويل ذكور الأسماك إلى intersex fishes أي سمكة ذكرية ولدت بخصائص أنثوية male fish born with female characteristics.

في دراسة تمت في وحدة أمراض ثدي إيدينبرج Edinburgh Breast Unit في إسكتلندا بالمملكة المتحدة لاحظ الباحثون أن 20 عينة من بين السيدات اللاتي أجرين عمليات جراحة الثدي وتبين أن 19 عينة من بين العشرين عينة محل الدراسة يوجد بها مركب من مركبات هذه المجموعة كما أن الميثيل بارابين كان أكثر هذه المواد حيث وجد في 18 عينة من العشرين.

في عام 2004 بدأت الضجة العلمية تثار بقوة حول ارتباط البارابينات بسرطان الثدي، فبالإضافة إلى دراسة فيليبا درابري قُدمِت دراسة أمريكية على مستحضرات مزيلات العرق وفيها خضعت 20 سيدة لفحص الثدي وتبين أن 18 سيدة ظهرت لديهن أورام سرطانية خصوصًا في الربع العلوي الخارجي من الثدي حيث ظهر بهذه المنطقة 60.0% من أورام الثدي بينما ظهرت الأورام بنسبة 20.0% في باقي مناطق الثدي.

نشرت نتائج هذه الدراسة في مجلة علم السموم التطبيقي Journal of Applied Toxicology وكانت النتائج تشير للبارابينات بأصابع الاتهام على نحوٍ واضح على أنها مسببة لسرطان الثدي غير أن الجمعية الأمريكية للسرطان American Cancer Society خلصت إلى أن الأدلة التي قدمتها الدراسة غير كافية للجزم بتورط البارابينات في سرطان الثدي.

في تقريرها عام 2008 فقد شددت لجنة خبراء تقييم المواد الداخلة في صناعة مستحضرات التجميل بالولايات المتحدة الأمريكية أن استخدام البارابينات آلاف المرات أقل بكثير من أن يؤدي لاضطرابات هرمونية أو أورام سرطانية، كما أن هناك عوامل أخرى تحتوي على مواد تحاكي الإستروجين الطبيعي والتي تعرف phytoestrogens ومصدرها الخضروات والفواكه؛ مما يعني أن البارابينات ليست ضالعة في حدوث سرطان الثدي.

ومما يثير السخرية والذعر في نفس الوقت أن مستحضرات محاربة التجاعيد الجلدية تحتوي على الميثيل بارابين ومواد أخرى شبيهة التأثير. ويأتي إدراج هذه المواد كأحد مكونات تلك المستحضرات لسعرها الاقتصادي وفعاليتها القوية في تثبيط فعالية الميكروبات.

وقد احتج أنصار استخدام البارابينات في مستحضرات التجميل بأن العديد من النباتات تحتوي على مكونات ذات نشاط هرموني قريب من الإستروجين oestrogenic activity وبكميات أكبر من الميثيل بارابين مما يعني أن الميثيل بارابين ليس خطرًا للحد الذي يثير الرعب كما يصور البعض. ومن تلك النباتات التي تحتوي على مواد هرمونية النشاط البطاطس والجزر والقمح والملفوف والتفاح والبرسيم وغيرها الكثير.

من بين بدائل البارابينات المستخدمة في حفظ الأمصال الثيميروسال Thimerosal وقد أثبتت الدراسات أنه سام للأعصاب، كما أنه يتراكم حيويًا في الأنسجة الدهنية للكائنات البحرية، كما أن ثيميروسال لا يؤدي بنفس كفاءة وفعالية الميثيل بارابين. ومع أن ثيميروسال يستخدم بكميات ضئيلة، غير أنه يتسبب في حدوث التهابات الجلد في حين أن الميثيل بارابين نادرًا ما يسبب التهابات الجلد وليحدث ذلك فإنه يتم عند استعمال كميات كبيرة من الميثيل بارابين تتعدى بكثير الحدود المقرر استخدامها في صناعة التجميل.

تفسير ارتباط البارابينات بسرطان الثدي

تأثير البارابينات على الجسم بشكلٍ عام هو زيادة نسبة هرمونات الأنوثة (الإستروجينات) الطبيعية مما يؤدي لحدوث اضطرابات بمستوى هذه الهرمونات بالجسم ويتبع ذلك حدوث سرطان الثدي. ودور الإستروجين في نمو سرطان الثدي معلوم حاليًا بشكلٍ مُفصل كما أن الحد من تأثير الإستروجين قد يمثل استراتيجية علاجية ناجحة ومنع نمو الأورام. ومع ذلك فقد تضاربت الدراسات العلمية حول الجزم بتورط البارابينات في سرطان الثدي كما أن دراسة فيليبا داربري 2004 لم تقدم الأدلة الدامغة على تورط البارابينات في سرطان الثدي.

وهناك تفسير آخر لضلوع البارابينات في حدوث سرطان الثدي يتمثل في قيام البارابينات بتثبيط فعالية ناقلات السلفات Sulfotransferase داخل العصارة الخلوية فيرتفع مستوى الإستروجين. وهذا التفسير في حالة وقوعه كما يتصور العلماء فإن الربط بين البارابينات وسرطان الثدي يقع في حيز التأكيد. وسرطان الثدي يحدث في النساء بصورة أكبر كثيرًا منه في الرجال فقد قدر العلماء أن نسبة حدوث السرطان في النساء أعلى منها مائة مرة في الرجال بل أشارت دراسات أخرى إلى أن سرطان الثدي نادر الحدوث في الرجال وارتكزت الدراسات إلى تأثير الهرمونات الأنثوية في حدوث هذا السرطان.

البارابينات تؤثر على صحة الرجل الإنجابية ولكن بآلية مختلفة؛ حيث تعمل مركبات الميثيل بارابين والبروبايل بارابين – وهما أكثر البارابينات رصدًا في الجسم وأكثرها استعمالًا في مستحضرات التجميل وغيرها – على تثبيط نشاط الميتوكوندريا ويكون ذلك على جانب كبير من الخطورة لمن يعانون من مشاكل صحية تتعلق بنشاط الميتوكوندريا، كما يفسر تأثيرهما على الميتوكوندريا حدوث العقم عند الرجال عبر حدوث اختزال عدد الحيوانات المنوية وتقليل محتوى الجسم من التستوستيرون.

تمتص البارابينات من خلال الجلد كما أنها توجد بتيار الدم وتصل للكبد فترتبط بالجلايسين والجلوكوكورسونيت ومركبات السلفا وتفرز في البول. وفي الوقت ذاته فإن البارابينات «مُحِبَّة للدهون» lipophilic مما يسهل امتصاصها عبر الجلد بنسبة كبيرة وقد تتواجد في أنسجة الثدي بمعدل 20 – 100 نانوجرام لكل جرام من أنسجة الثدي.

النشاط الإستروجيني للبارابينات ضعيف غير أن الدراسات المعملية أثبتت تحفيز البارابينات نمو خلايا MCF-7* والمعروفة طبيًا human breast adenocarcinoma cell line مما زاد الاعتقاد بكون البارابينات مسببة للسرطان إما في مرحلته الأولى Cancer initiators أو في مرحلته الثانية Cancer promoters.

MCF-7* تشير اختصارًا إلى مؤسسة ميتشجين للسرطان والتي أسست عام 1973 على يد هربرت سولي وأصدقائه ويعرف الآن بمعهد باربارا آن كارمانوس للسرطان، وفيه تم الحصول على خلايا غريبة بمنطقة الثدي من سيدة قوقازية تدعى فرانسيس مالون في عامها 69 وتعتبر تلك الخلايا التي تم استئصالها من فرانسيس مالون تمثل كثيرًا من المادة العلمية التي توافرت للعلماء حول مرض السرطان لعقود طويلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد