ما أكثر الأوهام التي أحاطت بنا وشكّلت وعينا منذ الصغر وبعضها توارثناه منذ مئات السنين وصدّقناه وآمنا خلاله أن آباءنا من قدماء المصريين كانوا قتلة لبناتهم زعمًا لخرافة لم تثبت صحتها أمام المنطق أو العقل أو الشواهد والأدلة التاريخية. لم تكن سوى بعض من أراجيف المؤرخين.

فلم يثبت عن المصريين القدماء أبدًا أنهم قتلوا بناتهم استرضاء للطبيعة أو ترضية للنهر العظيم كما لم تؤمن الحضارة المصرية القديمة بفكرة القرابين البشرية كما آمنت وفعلت غيرها من الأمم والشعوب المجاورة بهمجية ووحشية.

ولعلها ليست من قبيل الشوفينية، أن نعظّم هذه الحضارة الغابرة الباقية في آن واحد، كقبس من نور سطع في سماء البشرية ثم استمر وهجه حتى اللحظة، ومن أسف أن حفدة المصريين القدماء راحوا يتنطعون على موائد الحضارات الأخرى المزعومة بحثًا عن هويّة كمن يخجل من ماضيه والأحق أن يخجل ماضيه وأجداده منهم ومنّا جميعًا الآن.

الخرافة التي تحوّلت إلى حقيقة

«هاميس، عودي إلى آتون. عودي إلى آخيتاتون، عودي عند الفجر». ليس منّا من لم يشاهد ذلك الفيلم عن آخر عروسة نيل، وصدقه واستمتع به برغم ما يحمله من خرافة بغيضة عن قسوة قدماء المصريين وقتلهم لبناتهم.

فمنذ أن كشف شامبليون أسرار اللغة المصرية القديمة بعد اكتشاف ضابط الحملة الفرنسية «بوشارد» لحجر رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر، بدأ الباحثون دراسة جادة للتاريخ المصري القديم من هؤلاء الباحث الفرنسي «بول لانجيه» الذي تفرغ لدراسة حكاية عروس النيل وخرج الباحث من دراسته بأن المصريين القدماء كانوا لا يلقون بفتاة في النيل ولكنهم كانوا يحتفلون بإلقاء سمكة من نوع الأطم وهذا النوع من السمك قريب الشبه بالإنسان ويصفه بعض العلماء بإنسان البحر تتميز أنثاه بأن لها شعرًا كثيفًا فوق ظهرها ولها ما يشبه أرداف المرأة أما وجهها فأقرب إلى كلب البحر وحين تسبح فوق الماء تتمايل كأنها راقصة.

إن إلقاء عروس حية في النيل ليس إلا خرافة فجميع من أرخوا لمصر قبل ابن عبد الحكم مثل هيكاه وهيرودوت وتيودور الصقلي وبلوتراك وكليمان السكندري الذين كتبوا عن الحياة والعادات الفرعونية والغرائب والتقاليد في مصر القديمة لم يتناولوا من قريب أو بعيد حكاية عروس النيل. لذا يؤكد الباحث مختار السويفي أن الحضارة المصرية حضارة راقية لم تعرف على مر العصور الضحايا البشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه.

لقد قدست «مصر» النيل العظيم شريان الحب والنماء نبع الخير والخضرة والازدهار، واحتفت به وظلت تناجيه في أناشيدها المقدسة، وصاغت الملاحم في عشقه، ولكنها أيضًا قدست الإنسانية والإنسان، ولم تضحِّ بروح إنسان من أجل فيض النهر الخالد وهذه شهادة لمصر لا ضدها.

ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه «عبقرية عمر»: «إن رواية عروس النيل على علّاتها قابلة للشك في غير موضع فيها عند مضاهاتها على التاريخ، وقد يكون الواقع منها دون ما رواه الرواة بكثير».

الخلاصة: ليس كل ما رواه المؤرخون عن قدماء المصريين حقيقيًا أو صدقًا، فللخرافة والخيال المريض والرغبة من النيْل من أبناء هذه الحضارة، عوامل تقف خلف كثير من هذه الخرافات وعلى رأسها سخافة «عروس النيل».

فلم يكن قدماء المصريين قتلة أو سفّاكي دماء أو مدمني قرابين بشرية، ولم نعرف عنهم وأد البنات خشية إملاق كما فعل جيرانهم. هم أصحاب وأبناء حضارة شاء من شاء وأبى من أبى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد