في الثالث من فبراير عام 2006 استيقظت مصر على فاجعة غرق العبارة السلام 98 وعلى متنها 1400 مصري، ولم تكد الساعات تمضي حتى تبينا حجم الفاجعة، أكثر من ألف مصري التهمهم البحر، وتقرير للجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الشعب بعنوان «فساد أسود وبحر أحمر بدم الضحايا» أدان مالك السفينة – الذي كان وقتها عضوًا معينًا بمجلس الشورى- واتهمه بالإهمال الجسيم الذي تسبب في خطف أرواح المصريين، كل ذلك انتهى إلى الحكم على مالك السفينة الذي كان قد هرب إلى لندن بالسجن 7 سنوات بتهمتي القتل والإصابة الخطأ، 1033 قتيلًا و377 مصابًا و7 سنوات لم يقض منهم مالك السفينة يومًا في السجن حيث سقط الحكم الغيابي في 2015، وصدر قرار برفع اسمه من قوائم المترقب وصولهم وأضحى بإمكانه العودة إلى مصر في أي وقت.

في يوليو من عام 2015 أيدت محكمة الاستئناف ببورسعيد الحكم القاضي بسجن قاتل الطفلة البورسعيدية زينة 15 سنة ذلك لأنه ارتكب جريمتي الاغتصاب والقتل قبل أن يتم 18 عامًا، فاعتبره القانون طفلا لا يجوز إعدامه طبقًا لقانون الطفل، اغتصاب ثم قتل يسعرهم القانون بـ 15 عامًا.

طبقًا للمادة 107 من قانون الإجراءات الجنائية «يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي ومع ذلك يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا أخبر السلطات بالجريمة أو اعترف بها».

إذا كنت رجل أعمال فاسد فيمكنك رشوة آلاف الموظفين عن طريق ألف وسيط وإن فشلت مرة ققبض عليك اعترف بجريمتك وسيسامحك القانون ويخرجك لتكمل رحلتك في عالم الرشوة،  «تدري سامحته لأنه ما كذب»، محمد فودة مثلا قبض عليه مرتين مرة لأنه كان مرتشيًا أدانته المحكمة ومحافظ الجيزة ماهر الجندي بتلقي رشاوى مالية كبيرة، حين خرج فودة من السجن كان قد تعلم الدرس فتحول من مرتش إلى وسيط، قبض عليه للمرة الثانية بتهمة التوسط في قضية رشوة وزير الزراعة، اعترف وخرج، ربما سنسمع بعد عدة أعوام اسمه في قضية رشوة جديدة يخرج منها والراشي معترفين شاكرين للقانون فضله وعطفه على السادة الراشين والسادة الوسطاء في الرشوة.

في سبتمبر الماضي قتل متهور مخمور – حسب ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي –  3 طالبات بطب المنوفية بعد أن صدمهن بسيارته في  «زفة فرح» تحولت إلى مأتم في بيوت ثلاث، وحزن عميق في مئات البيوت، هذه المرة يحتمي القاتل بالمادة 238 من قانون العقوبات المصري، سيحاسب القاتل بتهمة القتل الخطأ، أقصى عقوبة هنا حال ثبت تعاطيه للخمر هي 5 سنوات حبس.

القوانين في مصر تحمي المرتشي والفاسد والمخمور والقاتل ولا تهتم أحيانًا كثيرة بالضحية، القوانين تقتل أحيانًا بسيف الظلم من على الأرض أحياء، في حين يهتم السادة بقوانين مكافحة الشغب، والتظاهر، والصحافة، ويعطلون أحيانًا الدستور ويتلاعبون به، تبدو أرواح المصريين ليست بذات الأهمية للمشرع المصري، قانون العقوبات الذي صدر في سراي عابدين في يوليو من عام 1937، ونشرته الوقائع بأمر ملكي في الخامس من أغسطس عام 1937، أي منذ ما يقرب من مائة عام، يعطي القاضي الحق في إلغاء عقوبة الحبس، تلك الخمس سنوات الهزيلة يمكن أن يستعاض عنها بدفع غرامة تتراوح بين 200 إلى 500 جنيه، صدر القانون حين كانت 500 جنية ثروة، وصدر حتى يمكن لكبار الملاك النجاة من السجن مقابل بعض أموال، ولم يكن في مصر من يملك – وقتها – ذلك المبلغ سواهم، صدر القانون ولم يكن في مصر كلها ما يوازي عدد السيارات الموجودة الآن في حارة مصرية واحدة، ولم يكن الخطأ والإهمال والفساد قد وصل لتلك المستويات من الاستهتار الذي يصل إلى حد العمد.

على مجلس النواب اليوم أن يخبرنا عن أولوياته، عليه أن يخبرنا أغاية التشريع عنده أن يصدر قوانين تحبس المتظاهرين أو تقلل مرتبات الموظفين، أم أنه من الممكن أن يشرع فيحمي حياة من في المفترض انتُخب لأجل حمايتهم؟، منذ ما يقرب من مائة عام صدر قانون معيب مليء بالثغرات التي تسمح بمرور فيل إذا ما كان الفيل من المحاسيب، على المجلس أن يخبرنا في هذه اللحظة الفارقة عن توجهاته، هل يقف في صف المحاسيب أم صف المواطنين؟

الاختبار اليوم ليس سياسيًا ليس تيران وليس صنافير وليس قانون تظاهر، لا يحتاج هذا الاختبار شجاعة سياسية بقدر ما يحتاج بشرًا يملكون قليلًا من العقل ليروا، وكثيرًا من الإنسانية ليدركوا أن ما أصاب روضة وأسماء وشروق يمكن أن يصيب في الغد أبناءهم أو من يهتمون لأمرهم، هل يخيب مجلس النواب توقعاتنا السلبية وتكون تلك الحادثة إيقاظًا للضمير القانوني المصري وإشارة بدء لمراجعة منطقية لقوانين بالية فاسدة أم تطوى الصفحة كما طويت من قبل صفحة 1033 مصري؟

لا يسأم السادة النواب من مطالبتنا – نحن الشباب – باحترام القانون، تريدون منا احترام القانون، حسنا فلتجعلوه محترمًا إذا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد